هل تنجح لوائح الاستدامة في معالجة فجوة الثقة بين الشركات والمجتمع الأوروبي؟

هل تنجح لوائح الاستدامة في معالجة فجوة الثقة بين الشركات والمجتمع الأوروبي؟
لم يعد تجاوز عتبة الاحترار العالمي البالغة أكثر من 1.5 درجة مئوية مجرد احتمال، وإنما أصبح واقعًا محسومًا يفرض نفسه على السياسات والمجتمعات والاقتصادات. في خضم هذه المعطيات المقلقة، تجد الشركات صعوبة متزايدة في إقناع جماهيرها برواياتها حول الاستدامة؛ فبين خطاب موجه نحو خبراء معقدين في لغة الأرقام والمؤشرات، وبين جمهور أوسع يشعر بالاغتراب عن هذه اللغة التقنية، يظهر فراغ في السردية القادرة على بناء جسور الثقة.
هنا تطرح الإشكالية الكبرى: كيف يمكن للشركات أن تخاطب أصحاب المصلحة غير المتخصصين؟ وكيف يمكن أن تبقى قادرة على دفع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة دون أن تفقد التأييد الشعبي؟
وسوف تتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال هذه المعضلة من زاوية جديدة، عبر ربط النقاش الأوروبي الدائر حول تبسيط تقارير الاستدامة مثل “توجيه إعداد التقارير المتعلقة بالاستدامة للشركات CSRD-” و”توجيه العناية الواجبة بالاستدامة المؤسسية CSDDD” بالحاجة إلى خطاب جامع يعيد الاعتبار للسرد الإنساني والاجتماعي في قضية الاستدامة.
الفجوة الخضراء
منذ سنوات، انحصر النقاش حول الاستدامة في دوائر ضيقة من الخبراء والمحللين والمشرعين. صحيح أن توجيهات مثل “CSRD” أسهمت في تعزيز الشفافية عبر دفع الشركات إلى الإفصاح عن بيانات تفصيلية حول آثارها البيئية والاجتماعية، إلا أن النتيجة غير المتوقعة كانت إقصاء الجمهور العام من هذه المحادثة؛ فالمواطن العادي لم يعد قادرًا على قراءة تقارير معقدة مؤلفة من آلاف النقاط، وإنما صار يرى أن خطاب الاستدامة لا يعنيه إلا من خلال عبء إضافي يقع على كاهله باعتباره مستهلكًا أو عاملًا.
تزامن ذلك مع موجة رفض شعبي متنامية لخطاب “النخبة البيئية”؛ فقد كشفت دراسات حديثة في فرنسا مثلًا عن وجود ما يُسمى بـ”الفجوة الخضراء” بين وعي المواطنين بخطورة الأزمة البيئية وبين سلوكهم الاستهلاكي، والسبب لا يعود إلى إنكار للأزمة، وإنما إلى نفور من الصور النمطية والخيارات المفروضة التي تصور نمط حياة بيئي محددًا باعتباره خيارًا وحيدًا.

هذا النفور انعكس في فقدان الثقة بخطاب الشركات التي تبنت هذا الأسلوب في تواصلها، وهذا الانفصال يعكس مشكلة أعمق، تتمثل في غياب سردية إنسانية جامعة تستطيع أن تترجم لغة الأرقام إلى قصص قريبة من حياة الناس اليومية. ومع أن بعض الشركات الكبرى لا تزال تحافظ على تقارير سردية موازية لتقارير الأرقام، فإن معظم الشركات الفرنسية مثلًا تخلت عن هذه الأداة، وهو ما جعل الفجوة بين السياسات المعلنة وتصورات الجمهور تزداد اتساعًا.
استعادة الثقة
لكي تستعيد الشركات ثقة جماهيرها، فهي مطالبة اليوم بأكثر من مجرد الامتثال للقوانين؛ فعليها أن تعيد النظر في كيفية صياغة روايتها حول الاستدامة، وأن تبني خطابًا قادرًا على احتضان التعددية في المجتمع؛ فهناك من يرى الحل في الابتكار التكنولوجي الذي يسمح بالحفاظ على نمط الحياة المعاصر مع تقليل الأثر البيئي، وهناك من يؤمن بضرورة التحول الجذري نحو البساطة وتقليل الاستهلاك، وتجاهل هذا التنوع أو محاولة فرض خطاب موحد يعني ببساطة خسارة شرائح واسعة من الجمهور.
والنماذج الدولية تقدم أدلة على ذلك؛ ففي المملكة المتحدة، نجحت بعض الحملات الداعمة للنقل العام عندما تم ربطها بخطاب “حماية المناظر الطبيعية”، وهو خطاب وجد صدى لدى فئات محافظة لم تكن تتجاوب مع لغة الانبعاثات أو الأرقام. وفي الولايات المتحدة، أظهرت الدراسات أن شرائح من المحافظين تتفاعل مع خطاب التغير المناخي عندما يتم ربطه بمخاطر جيوسياسية مثل اندلاع الحروب، أكثر من تفاعلها مع صور الغرق أو ذوبان الجليد، وهذه الأمثلة تؤكد أن بناء خطاب استدامة فعال يحتاج إلى مرونة ثقافية وإدراك عميق لتعددية القيم المجتمعية.
ومن هنا فإن على الشركات أن تصوغ “رواية أساسية” متفقة مع شخصيتها وهويتها وقيمها، وفي الوقت نفسه تفتح المجال لرسائل متفرعة تستجيب لخصوصيات جماهيرها المختلفة، وتجدر الإشارة إلى أن ذلك لا ينفي أهمية الأرقام والمؤشرات، إلا أنه يفرض ترجمتها إلى قصص ملموسة تمنح الأفراد معنى ودورًا في عملية التحول نحو الاستدامة.
بين التبسيط والتفكيك
وفي الوقت الذي تواجه الشركات فيه هذه المعضلات في خطابها العام، يحتدم داخل أروقة الاتحاد الأوروبي نقاش حاد حول مستقبل التشريعات الخاصة بالتقارير غير المالية؛ فقد أطلقت المفوضية الأوروبية ما سمته “حزمة التبسيط”، بهدف التخفيف من الأعباء المفروضة على الشركات بموجب توجيهات “CSRD” و”CSDDD” هذا المقترح أثار ردود فعل متباينة داخل البرلمان الأوروبي، حيث تعمل عدة لجان على صياغة مواقفها لتوجيه النص النهائي.
اللجنة القانونية (JURI) تتولى الدور المحوري، لكنها ليست وحدها في الساحة؛ فلجان أخرى مثل الشئون الاقتصادية (ECON) والبيئة (ENVI) والتوظيف (EMPL) تسهم في صياغة مواقف قد تعيد رسم معالم التشريعات. حتى الآن عُرضت مئات التعديلات من مختلف التيارات السياسية، بعضها يطالب بتخفيف الأعباء بشكل جذري بحجة حماية القدرة التنافسية الأوروبية، والبعض الآخر يحذر من خطر إفراغ التشريعات من مضمونها وحماية الشركات على حساب حقوق العمال والبيئة.

لجنة الشئون الاقتصادية
خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية، كان النقاش أكثر حدة؛ فقد اعتبر بعض النواب أن أوروبا باتت أسيرة لبيروقراطية خانقة تُعيق الابتكار وتضعف التنافسية مقارنة بالولايات المتحدة أو آسيا؛ فهؤلاء دعوا إلى تقليص الالتزامات لتشمل فقط الشركات الكبرى التي تتجاوز ثلاثة آلاف موظف أو تحقق أرباحًا تفوق 450 مليون يورو، معتبرين أن غير ذلك سيؤدي إلى إنهاك الشركات الصغيرة والمتوسطة بلا جدوى. من جهة أخرى، حذر نواب آخرون من أن هذا الاتجاه يعني فعليًّا استبعاد معظم الشركات من الالتزام البيئي والاجتماعي، وهو ما يقوّض أهداف الاستدامة التي التزم بها الاتحاد الأوروبي.
المفارقة هنا أن الطرفين يستندان إلى منطق الاستدامة ذاته؛ فأنصار التبسيط يقولون إن بيروقراطية مفرطة قد تعرقل النمو والابتكار اللازمين للتحول البيئي، فيما يؤكد المدافعون عن التشريعات أن الاستدامة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق عبر مسارات شكلية أو انتقائية. بهذا المعنى، يظهر النقاش الاقتصادي وكأنه مرآة للتحدي العالمي في تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية.
لجنة التوظيف
أما لجنة التوظيف والشئون الاجتماعية، فقد اتخذت منحى مختلفًا؛ فرئيسة الجلسة “لي أندرسون” شددت على أن تبسيط التشريعات لا يجب أن يتم على حساب حماية الضحايا، سواء أكانوا عمالًا مستغلين في مصانع بعيدة أو أطفالًا مجبرين على العمل. هذه اللجنة رفضت بوضوح مقترحات المفوضية المتعلقة بحصر المسئولية في الشركاء المباشرين فقط، أو إزالة الالتزام بقطع العلاقات مع شركاء يثبت تورطهم في ممارسات جسيمة مثل عمالة الأطفال، ومن وجهة نظرها، الاستدامة ليست مجرد معادلة اقتصادية أو تقنية، بل هي أيضًا قضية حقوق إنسان ومسئولية اجتماعية.
هذا التوجه يعكس جوهر أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، التي تقوم على ترابط القضايا البيئية والاقتصادية والاجتماعية؛ فلا معنى لتقارير تحسن صورة الشركات إذا كانت تستند إلى سلاسل إمداد تستغل الفقراء أو تدمر المجتمعات المحلية، وهنا يتضح أن النقاش حول “CSRD” و”CSDDD” ليس تقنيًّا بحتًا، وإنما هو أيضًا نقاش أخلاقي يعكس الخيارات الكبرى لمستقبل أوروبا.

نحو سردية جديدة للاستدامة
ما يحدث اليوم داخل الاتحاد الأوروبي يختصر معركة أوسع بكثير من حدود القوانين واللجان، معركة حول الكيفية التي يمكن عبرها صياغة خطاب استدامة متوازن، لا يغرق في تفاصيل تقنية تعجز عن مخاطبة الجمهور، ولا ينحدر إلى شعارات فارغة تفقد المصداقية. الشركات الأوروبية مدعوة لإيجاد هذا التوازن، ليس فقط لإرضاء المشرعين، وإنما أيضًا لبناء الثقة مع مواطنيها وعمالها وشركائها.
إن سردية الاستدامة الجديدة يجب أن تقوم على ثلاثة أعمدة، وهي الشفافية التي تضمنها التشريعات، والإنسانية التي تجسدها القصص القريبة من واقع الناس، والمرونة الثقافية التي تحترم تنوع القيم والتصورات. عندها فقط يمكن أن تتحول التقارير والأرقام إلى أدوات حية تعزز المشاركة المجتمعية بدلًا من أن تعمق الفجوة بين النخبة والجمهور.
في نهاية الأمر يظل السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت لوائح الاستدامة الأوروبية ستنجح في فرض التزامات إضافية على الشركات، وإنما ما إذا كانت ستتمكن من إعادة بناء جسور الثقة بين هذه الشركات والمجتمع؛ فالقوانين وحدها -مهما بلغت دقتها- لا تكفي لإقناع مواطن يشعر بالاغتراب عن لغة المؤشرات والبيانات.
هنا يكمن التحدي المتمثل في تحويل الأطر التنظيمية إلى رواية إنسانية تشارك فيها المجتمعات، وتترجم الاستدامة إلى معنى ملموس في حياة الأفراد اليومية، ومن هذا المنظور ترى مؤسسة حماة الأرض أن قوة المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد التقارير أو بحجم الإفصاحات، وإنما بقدرة الشركات على تحويل الاستدامة إلى التزام أخلاقي وثقافي يتجاوز الامتثال القانوني ليصبح جزءًا من علاقة جديدة أكثر صدقًا مع المجتمع.




