علوم مستدامة

وفيات بمئات الآلاف.. هل تحولت أزمة المناخ إلى أزمة صحة عالمية؟

أزمة المناخ

وفيات بمئات الآلاف.. هل تحولت أزمة المناخ إلى أزمة صحة عالمية؟

إن قضية أزمة المناخ أصبحت خطرًا يوميًّا يهدد صحة الإنسان وحياته مباشرةً ولم تعد قضية بيئية معقدة أو نقاشًا يدور في أروقة المؤتمرات الدولية فقط، فمع استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتأخر الاستجابة لارتفاع درجات الحرارة، يدفع ملايين البشر حول العالم ثمن هذا التأخر من صحتهم وأعمارهم، في وقت باتت فيه النظم الصحية والاقتصادات الوطنية أضعف وأقل قدرة على تحمُّل صدمات جديدة.

وتحذر تقارير دولية حديثة، من بينها تقرير مبادرة Lancet Countdown في رصد العلاقة بين المناخ والصحة العامة، من أن حماية صحة الإنسان يجب أن تكون الدافع الأقوى للتحرك المناخي. فآثار التغير المناخي واقعة بالفعل وتزداد حدتها عامًا بعد عام، ما يفرض إعادة النظر في التعامل مع أزمة المناخ بوصفها قضية صحية بقدر ما هي بيئية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى فهم كيف تحولت أزمة المناخ من تحدٍ بيئي إلى أزمة صحية عالمية، وهو ما تسعى التقارير الدولية الحديثة إلى توضيحه بالأرقام والوقائع.

التقاعس المناخي عامل صحي مباشر

يؤكد تقرير حديث صادر عن مبادرة Lancet Countdown -وهي مبادرة بحثية دولية أُطلقت لمتابعة تأثير تغير المناخ على صحة الإنسان– بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية، أن التباطؤ والتأخر عن مواجهة التغير المناخي بات يكلف العالم أرواحًا بشرية بشكلٍ مباشر. فقد سجلت غالبية المؤشرات الصحية المرتبطة بالمناخ مستويات غير مسبوقة، في دلالة واضحة على أن ارتفاع الحرارة وتلوث الهواء قد أصبحا عاملين خطرين يهددان صحة الإنسان في كل مكان.

ويشير التقرير إلى أن النظم الصحية حول العالم تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الأمراض المرتبطة بالحر الشديد وتلوث الهواء، وهو ما يضعف قدرتها على تقديم خدمات أساسية، خاصة في الدول محدودة الموارد. وتتضح هذه الصورة القاتمة بشكل أكبر عند النظر إلى أثر الحرارة المرتفعة على حياة البشر.

التقاعس المناخي عامل صحي مباشر

الحرارة الشديدة: الخطر الأكثر فتكًا

تُعد موجات الحر المثال الأوضح على تحوُّل أزمة المناخ إلى أزمة صحة عامة. فقد ارتفعت الوفيات المرتبطة بالحرارة بنحو 23% مقارنة بتسعينيات القرن الماضي، لتصل إلى مئات الآلاف من الوفيات سنويًّا. ولقد أصبح التعرض لدرجات حرارة مرتفعة نمطًا متكررًا في حياة الأفراد، مع تأثر أكبر بين كبار السن والرضَّع والعمَّال.

وتمتد خطورة الحرارة إلى تفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، وزيادة الضغط على المستشفيات، ما يجعل موجات الحر عبئًا صحيًّا واقتصاديًّا في آن واحد. ومع تصاعد درجات الحرارة، تتشابك أزمة المناخ مع تحديات الغذاء والعمل والاقتصاد.

آثار متداخلة تضرب الصحة والاقتصاد والغذاء

وتتجلى تداعيات أزمة المناخ في مجموعة من النتائج المباشرة التي تمس حياة البشر اليومية، من أبرزها:

  • ارتفاع معدل الوفيات المرتبط بالحرارة إلى مئات الآلاف سنويًّا، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة.
  • تراجع الإنتاجية الاقتصادية نتيجة فقدان مئات المليارات من ساعات العمل بسبب ارتفاع درجات الحرارة الشديد، بخسائر تجاوزت تريليون دولار في عام واحد.
  • اتساع دائرة انعدام الأمن الغذائي، إذ ارتبطت موجات الجفاف والحر بزيادة أعداد من يعانون نقص الغذاء خلال عام واحد فقط.
  • ضغط متزايد على النظم الصحية التي باتت تواجه عبئًا يفوق قدراتها، خاصة في الدول منخفضة الدخل.

ورغم هذه الخسائر الضخمة، لا تزال هناك فرص حقيقية لتقليل الأضرار إذا تغير مسار السياسات الحالية.

التحرك المناخي فرصة لإنقاذ الأرواح

على عكس الاعتقاد السائد، يمثل التحرك المناخي فرصةً صحيةً وتنمويةً واضحة. إذ تشير البيانات إلى أن تقليل تلوث الهواء الناتج عن الفحم وحده أسهم في تجنب نحو 160 ألف حالة وفاة مبكرة سنويًّا خلال العقد الماضي، نتيجة تحسن جودة الهواء وانخفاض معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب.
وفي السياق نفسه، سجلت الطاقة المتجددة تقدمًا لافتًا، بعدما بلغت نحو 12% من إجمالي إنتاج الكهرباء عالميًّا، وأسهمت في توفير ما يقرب من 16 مليون فرصة عمل، ما يعكس قدرتها على الجمع بين حماية الصحة ودعم النمو الاقتصادي.

وفي المقابل، يحذر التقرير من أن استمرار توجيه موارد مالية ضخمة لدعم الوقود الأحفوري يعرقل هذه المكاسب. فقد بلغ حجم دعم الوقود الأحفوري عالميًّا نحو 956 مليار دولار في عام واحد، وهو ما يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف التمويل المخصص لدعم الدول الأكثر تضررًا من تغير المناخ.

وفي عدد من الدول، تجاوز الإنفاق على دعم الوقود الأحفوري إجمالي موازنات الصحة العامة، ما يحدُّ من قدرة النظم الصحية على مواجهة تداعيات أزمة المناخ، وتشير البيانات إلى أن إعادة توجيه جزء من هذه الموارد نحو الطاقة النظيفة والاستثمارات الصحية يمكن أن يحقق أثرًا مزدوجًا، يتمثل في حماية الأرواح وتعزيز مسار التنمية المستدامة.

التحرك المناخي فرصة لإنقاذ الأرواح

في نهاية المطاف، تتضح حقيقة جوهرية لا يمكن تجاهلها، هي أنَّ أزمةَ المناخ أصبحت أزمةً صحية عالمية تهدد الأرواح والنظم الاجتماعية والاقتصادية معًا؛ فكل يوم يتأخر فيه التحرك المناخي يزداد عبء الوفيات المبكرة، ويضعف صمود النظم الصحية، ويترتب على ذلك خسائر تؤثر في ملايين البشر.

وفي المقابل، توفر التحولات نحو الطاقة النظيفة وتقوية البنية الصحية فرصًا مزدوجة تتمثل في حماية الأرواح، وتعزيز مسارات التنمية المستدامة. وعلى ذلك ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ الأزمة الصحية الناشئة عن المناخ هي دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة النظر في استثمارات الوقود الأحفوري، وتوجيه الموارد نحو استراتيجيات مستدامة تدعم استقرار المجتمعات وتحقق أهداف التنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى