خطى مستدامة

هل أصبح هاتفك الذكي صديقًا للبيئة؟ المفوضية الأوروبية تجيب

هاتفك

هل أصبح هاتفك الذكي صديقًا للبيئة؟ المفوضية الأوروبية تجيب

تشهد الهواتف الذكية في أوروبا تحولًا جذريًّا، ليس في التصميم أو الأداء فقط، وإنما في طريقة تقييمها وعرضها على المستهلكين؛ إذ أطلقت المفوضية الأوروبية ملصقًا جديدًا يُلزم الشركات بعرض معلومات واضحة حول استهلاك الطاقة ومتانة الهاتف وقدرته على التحمل، هذا الملصق لا يُظهر فقط مدى هاتفك الذكي، وإنما يكشف أيضًا الكثير من أسراره البيئية.

الفكرة ببساطة أن الهاتف الذكي أصبح منتجًا يخضع لمعايير بيئية صارمة؛ فالملصق الجديد يُشبه ما نراه عادة على الأجهزة الكهربائية مثل الثلاجات أو الغسالات، إلا أنه هذه المرة يظهر على عبوة الهاتف؛ ليرشد المستهلك إلى مدى كفاءة الجهاز في استهلاك الطاقة، وسهولة إصلاحه، ومقاومته للصدمات، وحتى متانة بطاريته.

تهدف أوروبا من هذه الخطوة إلى تقليل كمية النفايات الإلكترونية الناتجة عن الهواتف الذكية القصيرة العمر، وتشجيع المستهلكين على التفكير في الاستدامة قبل الشراء، وبذلك لا يعود السعر أو الماركة هي العوامل المشجعة على الشراء، وإنما تبرز معايير بيئية قد تغيّر طريقة اختيارك لهاتفك القادم.

قد يبدو الملصق البيئي الأوروبي مجرد تفصيلة تقنية عابرة، إلا أنه في الواقع يفتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير في علاقتنا بالهواتف الذكية، فهل تكفي هذه المؤشرات لتغيير طريقة اختيارنا للهاتف؟ وهل تؤثر فعلًا في قرارات الشراء؟ في هذا المقال، تسلط حماة الأرض الضوء على مضمون هذا الملصق الجديد، وتفكك رموزه ومؤشراته؛ لتكشف كيف يمكن لسياسة بسيطة في ظاهرها أن تعيد تشكيل الصناعة، وتوجّه سلوك المستهلك نحو مزيد من الوعي والاستدامة.

كفاءة الهاتف الذكي تحت المجهر

هذه المساعي الأوروبية اعتمدت على مجموعة من المؤشرات الدقيقة التي تضع كفاءة الهاتف تحت المجهر، بدءًا من استهلاك الطاقة، مرورًا بقدرة البطارية ومتانة الجهاز، وصولًا إلى تفاصيل أدق تسهم في توجيه المستهلك نحو خيارات أكثر وعيًا ومسئولية؛ وهي مؤشرات ستة بيانها في السطور الآتية:

المؤشر الأول

أول ما ستلاحظه على الملصق الجديد هو مقياس الطاقة، حيث يعد هذا المؤشر الأول الذي يقوم بتحديد درجة كفاءة الهاتف في استهلاك الكهرباء، يشبه هذا المقياس إلى حد كبير ما اعتدنا رؤيته على الأجهزة المنزلية مثل التلفاز أو المكيف، غير أنه أصبح اليوم جزءًا من الهواتف الذكية أيضًا، يتم تصنيف الجهاز من A إلى G، حيث يرمز الحرف A إلى أعلى كفاءة ممكنة، في حين يشير الحرف G إلى استهلاك مرتفع للطاقة.

المؤشر الثاني

أما المؤشر الثاني، فهو يتمثل في الرقم الدقيق الذي يعرضه الملصق، والذي يبيّن نتيجة اختبارات أجريت على الهاتف لقياس استهلاكه للطاقة أثناء الاستخدام الفعلي، وهذه النتيجة لا تعبّر عن جودة الهاتف بالكامل، وإنما تقتصر فقط على جانب الطاقة؛ فالهاتف قد يحصل على علامة ممتازة في الكفاءة، لكنه لا يزال بحاجة إلى تقييم في جوانب أخرى كالمتانة أو سهولة الإصلاح.

هذا التغيير يفرض على الشركات أن تكون أكثر شفافية؛ فلم يعد بالإمكان تسويق الهواتف على أنها صديقة للبيئة دون دليل رقمي موثق، وهذا بدوره يعزز وعي المستهلك، ويدفعه للمقارنة بين الخيارات بناءً على بيانات بيئية حقيقية وليس مجرد وعود تسويقية. ومع الوقت قد يتحوّل هذا المقياس إلى معيار أساسي في اختيارات المستهلكين، وهذا ما يحفّز الشركات على تطوير هواتف ذكية أكثر كفاءةً في استهلاك الطاقة، مما ينعكس إيجابًا على البيئة وعلى فواتير الكهرباء أيضًا.

المؤشر الثالث

بالإضافة إلى ذلك يمنح الملصق الجديد اهتمامًا خاصًّا للبطارية، وذلك لكونها من أكثر أجزاء الهاتف تعرضًا للتلف مع الوقت، حيث يوضح المؤشر الثالث العمر التقديري للبطارية في سيناريو استخدام عادي، يشمل المكالمات، والتصفح، ومشاهدة الفيديوهات، أي ما يمر به المستخدم يوميًّا، هذه المعلومات تساعد على تقييم الأداء الفعلي للهاتف وليس مجرد أرقامه النظرية.

المؤشر الرابع

أما المؤشر الرابع، فيقيس مدى مقاومة الهاتف الذكي للصدمات والسقوط، ويُمنح الجهاز تقييمًا من A إلى E حسب عدد المرات التي يمكن أن يسقط فيها دون أن تتأثر وظائفه الأساسية، والمثير في الأمر أن كسر الشاشة مثلًا لا يُحسب ضد الجهاز إذا ظلّ يعمل بكفاءة وبشكل آمن بعد السقوط؛ لأن الفكرة هنا هي تقييم المتانة العملية لا الجمالية.

المؤشر الخامس

ثم يأتي مؤشر مهم آخر، وهو المؤشر الخامس، الذي يُظهر عدد دورات الشحن التي يمكن للبطارية أن تتحملها قبل أن تنخفض قدرتها إلى أقل من 80%، وهذا رقم حاسم لمعرفة مدى استمرارية الهاتف على المدى الطويل، خاصة أن البطاريات تفقد كفاءتها تدريجيًّا مع كثرة الشحن. هذا التركيز على البطارية يجعل من الهاتف استثمارًا طويل الأجل، وليس مجرد استثمار في منتج مؤقت، فكلما طالت حياة البطارية وقلّت الحاجة إلى استبدالها، قلّ عدد الأجهزة التي تتحول إلى نفايات إلكترونية ضارة.

المؤشر السادس

ومن أبرز ما جاء في الملصق الأوروبي الجديد هو التركيز على قابلية الهاتف للإصلاح، وهي نقطة حاسمة في عالم تزداد فيه وتيرة شراء الهواتف واستهلاكها؛ إذْ يقيس المؤشر السادس مدى سهولة إصلاح الهاتف في حال حدوث عطل، ويأخذ بعين الاعتبار عدة عناصر، منها إمكانية تفكيك الجهاز، وتوفر قطع الغيار، وتحديثات النظام، وحتى الأدوات اللازمة للإصلاح.

كل عنصر يُقيَّم بشكل منفصل، ثم يتم منح الهاتف درجة عامة تتراوح من A إلى E، تشير إلى مدى سهولة إصلاحه عند الحاجة، وهذا يمنح المستهلك رؤية واضحة: هل سيتمكن من إصلاح جهازه بسهولة وبسعر معقول، أم أنه سيضطر إلى شراء هاتف جديد عند أول عطل؟ وجود هذا النوع من المعلومات على العلبة يرفع الوعي بحقوق المستخدم، ويشجع على ثقافة الإصلاح بدلًا من الاستبدال السريع، وهو ما يُعتبر أكثر استدامةً ويحمي موارد الكوكب.

وفي السياق نفسه، يركز المؤشر السادس على درجة مقاومة الهاتف للماء والغبار وفق تصنيف الحماية العالمي (ingress protection code) ويعرف اختصارًا (IP)، ومن الآن فصاعدًا، ستُدرج هذه المعلومة بشكل رسمي ضمن عناصر التقييم البيئي، في خطوة تعكس اهتمامًا متزايدًا بمتانة الأجهزة واستدامتها.

مَن يضمن دقة الأرقام؟

رغم وضوح المعلومات التي يتضمنها الملصق البيئي الأوروبي، من المهم أن ندرك أن معظم البيانات الفنية الواردة فيه تُستمد من اختبارات تُجريها الشركات المُصنّعة نفسها، استنادًا إلى معايير وضعتها المفوضية الأوروبية. وهذا يعني أن مستوى الموثوقية لا يرتبط فقط بالإطار التنظيمي، وإنما يتوقف أيضًا على مدى التزام كل شركة بمبادئ الشفافية والدقة في الإفصاح، ورغم وجود رقابة رسمية تُنفذها السلطات من خلال مراجعات عشوائية، فإن هذا النظام لا يزال في طوره الأول، ويحتاج إلى مزيد من التفعيل والصرامة لضمان مصداقيته.

من يضمن دقة الأرقام؟

ومع ذلك يُمثّل الملصق خطوة متقدمة في اتجاه دعم مفهوم الاقتصاد الدائري، وهو نموذج إنتاج واستهلاك يهدف إلى تقليل الفاقد من الموارد وإطالة عمر المنتجات؛ فمن خلال هذا التصنيف، بات بوسع المستهلكين اختيار هواتف ذكية تتميز بعمر أطول وكفاءة أعلى في استهلاك الطاقة، فضلًا عن سهولة إصلاحها وصيانتها، وإذا طُبّق هذا النظام بجدية من قِبل الدول والشركات، فقد يُسهم في إعادة توجيه السوق نحو تصنيع أجهزة أكثر استدامة، من خلال بطاريات طويلة العمر، وتصميمات قابلة للفك، وسياسات صيانة أكثر شفافية وإنصافًا.

وفي الختام، ترى حماة الأرض أن مثل هذه المبادرات لا تمثّل مكسبًا للبيئة وحدها، وإنما تعود بالنفع المباشر على المستخدمين أنفسهم؛ فاختيار الهاتف الذكي أصبح انعكاسًا لاختياراتنا ووعينا البيئي، ودليلًا لقدرتنا على اتخاذ قرارات تصب في مصلحة كوكبنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى