خطى مستدامة

شهادة B Corp نموذج ريادي لأعمال مستدامة

شهادة B Corp نموذج ريادي لأعمال مستدامة

برزت شهادات B Corp في السنوات الأخيرة باعتبارها واحدة من المعايير الأكثر شهرة للشركات التي ترغب في إحداث تأثير إيجابي في المجتمع والبيئة، بالإضافة إلى تحقيق أرباح مادية. وتستند هذه الشهادة إلى فلسفة مفادها أن الشركات يمكن أن تكون قوة لتحقيق النفع لأعضائها، ولجميع أصحاب المصلحة المرتبطين بها.

ويعد هذا التوجه محاولة لتغيير نظرة العالم للأعمال، بحيث لا تقتصر الأهداف على الأرباح فقط، وإنما تمتد لتشمل الاستدامة والمسئولية الاجتماعية؛ إذْ تُعد هذه الشهادة تجسيدًا للرغبة في إنشاء نموذج جديد للأعمال تصبح فيه الشركات شريكًا فعَّالًا في حل القضايا العالمية بدلًا من كونها مجرد كيانات اقتصادية.

لذا تستعرض حماة الأرض في هذا المقال جذور هذه الشهادة وكيفية نشأتها، وآلية منحها، إلى جانب المعايير والأدوات المستخدمة في تقييم الأثر الاجتماعي والبيئي للشركات؛ لتبرز كيف يشكل هذا النهج تحولًا نوعيًّا في طريقة إدارة الأعمال وتوجيهها نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة.

كيف نشأت شهادة B Corp؟

في عام 2006 نشأت حركة تسمىB Corp  على يد “جاي كوين جيلبرت”، و”بارت هولاهان”، و”أندرو كاسوي”، الذين أسسوا مؤسسة “B Lab” في ولاية بنسلفانيا؛ لترويج نموذج أعمال يوازن بين الربح والتأثير الاجتماعي والبيئي الإيجابي للشركات، حيث يشير الحرف B  إلى الفائدة المجتمعية التي تتجاوز المصالح التقليدية.

ويتألف هيكل المؤسسة من ثلاث هيئات رئيسية، هي: مجلس الإدارة، والمجلس العالمي للحكومة المشرف على التوسع الدولي، والمجلس الاستشاري للمعايير الذي يضم العديد من الخبراء لضمان جودة التقييمات. وقد أسهم هذا التنظيم في توسع الحركة عالميًّا من خلال شراكات في أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا؛ مما أدى إلى اعتماد 4489 شركة في 77 دولة حتى ديسمبر 2021.

كيف يمكن الحصول عليها؟

لفهم أهمية هذه الشهادة وكيفية الحصول عليها، يمكن إلقاء نظرة أعمق على المعايير التي تعتمد عليها وآليات التقييم التي تُطبق على الشركات الراغبة في نيلها، حيث إنَّ شهادة (B Corporation)، المعروفة عالميًّا بـ”B Corp”  تُمنح للشركات التي تثبت التزامها بمعايير اجتماعية وبيئية صارمة، بجانب مستوى عالٍ من الشفافية والمساءلة، وتعتمد هذه الشهادة على تقييم شامل يشمل أداء الشركة في مجالات الحوكمة، الثروات البشرية، المجتمع، البيئة، وخدمة العملاء.

وتهدف الشهادة إلى تعزيز ثقافة الاستدامة في قطاع الأعمال، حيث يُنظر إلى الشركات الحاصلة على الشهادة باعتبارها مؤسسات رائدة في تحقيق التوازن بين الربحية والمسئولية الاجتماعية، ويأتي هذا التقييم ليعكس قدرة الشركة على إحداث تغيير إيجابي ملموس ومستدام؛ مما يعزز من مصداقيتها أمام العملاء والمستثمرين وأصحاب المصلحة الآخرين.

وللحصول على الشهادة، تخضع الشركات لتقييم شامل عبر استبيان يضم 175 سؤالًا تغطي سياسات العمل، والممارسات البيئية، ومدى الالتزام المجتمعي والشفافية، كما يُفرض على الشركات تعديل نظامها الأساسي في السنة الأولى من الحصول على الشهادة، بحيث يُدرج هدف تحقيق تأثير اجتماعي وبيئي إيجابي باعتباره جزءًا من مهمتها الرسمية، وإذا لم تُجرِ الشركة هذه التعديلات تكون ملزَمةً بإعادة التصديق خلال 90 يومًا.

ما التحديات التي تواجه الشهادة؟

ونظرا لصرامة معايير الشهادة تواجه الشركات تحديات التعقيد والتكلفة المرتفعة في بعض الأحيان، وتختلف تكاليف التقديم بناءً على حجم الشركة وإيراداتها، وهذا يمثل تحديًا إضافيًّا للشركات الناشئة. وبالإضافة إلى ذلك يُطلب من الشركات تعديل عقودها القانونية لضمان الالتزام بمعايير B Corp، وهو ما قد يستلزم دعمًا قانونيًّا متخصصًا.

كما يمكن أنْ تكون عملية المحافظة على المعايير المطلوبة تحديًا كبيرًا للشركات، حيث تحتاج إلى متابعة دورية لضمان التزامها المستمر. ومع ذلك، فإنَّ الشركات التي تنجح في الحصول على هذه الشهادة غالبًا ما تعتبر هذه التكاليف استثمارًا طويل الأمد لتحقيق فوائد معنوية ومادية مستدامة.

تأثير شهادة B Corp

تستفيد الشركات التي تحصل على هذه الشهادة بتحسين سمعتها وزيادة الثقة بين المستهلكين والمستثمرين، وتعزيز فرص نموها، حيث تشير دراسات عديدة إلى أن الشركات الحاصلة على شهادة B Corp تظهر مستويات أعلى من الرضا الوظيفي، ومشاركة أكبر في مبادرات المسئولية الاجتماعية، كما تُظهر هذه الشركات التزامًا قويًّا بإحداث تغيير إيجابي في المجتمع؛ مما يسهم في تعزيز الولاء للعملاء وجذب الكفاءات المهنية المتميزة، ويمتد التأثير ليشمل القدرة على جذب مستثمرين يبحثون عن شركات تتوافق مع معايير الاستدامة.

وترى حماة الأرض أنَّ شهادة B Corp تعد نافذة على مستقبل الأعمال، حيث تثبت أنَّ النجاح الاقتصادي لا يتعارض مع حماية الكوكب وخدمة المجتمع، وتُعد المسئولية البيئية والاجتماعية في هذا الإطار قاعدة تنطلق منها الشركات نحو مزيد من المرونة والابتكار، وهذا ما يسهم في رسم ملامح اقتصاد عالمي أكثر توازنًا واستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى