علوم مستدامة

ابتكارات مرحلة ما بعد الحصاد ودورها في تعزيز الأمن الغذائي العالمي

الأمن الغذائي

ابتكارات مرحلة ما بعد الحصاد ودورها في تعزيز الأمن الغذائي العالمي

يفقد العالم سنويًّا كميات هائلة من الغذاء في المسافة الفاصلة بين الحصاد ووصول المنتجات إلى الأسواق، في ظاهرة تعد أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن الغذائي على المستوى العالمي، فالتلف الذي يصيب المحاصيل خلال النقل أو التداول أو المعالجة ينعكس مباشرة على دخل المزارعين ويزيد الضغوط على منظومات الإنتاج وسلاسل الإمداد، ولا يقتصر أثره على تقليص المعروض الغذائي.

غير أن هذا الواقع لا يخلو من فرص واعدة، فيشهد قطاع ما بعد الحصاد تسارعًا ملحوظًا في الابتكار، مع بروز تقنيات قادرة على الحد من الهدر وتحسين كفاءة التخزين والنقل والتوزيع. ويأتي هذا التحول في لحظة فارقة، تتقاطع فيها الحلول التقنية مع الحاجة الملحَّة إلى نماذج إنتاج أكثر كفاءة واستدامة، بما ينسجم مع مساعي تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها القضاء على الجوع، وتعزيز أنماط الإنتاج والاستهلاك المسؤول.

الهدر بعد الحصاد يهدد الأمن الغذائي

يؤثر تلف المحاصيل الزراعية خلال مرحلة ما بعد الحصاد بشكل مباشر في تراجع المعروض الغذائي وارتفاع الأسعار، وتراجع دخل المزارعين، لا سيما في الدول النامية، على نحو يفاقم هشاشة الفئات الأكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي، ولا تقتصر الخسارة هنا على البعد الاقتصادي فحسب، لأنها تتضمن كذلك إهدار ما استُهلك في إنتاج هذا الغذاء من موارد طبيعية، مثل المياه والطاقة والأراضي.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 9% من الغذاء المحصود في أوروبا وأمريكا الشمالية يُهدر خلال مرحلة ما بعد الحصاد وهي مراحل التداول والتخزين والنقل والتوزيع، وهو ما يجعل هذا المهدور مسهمًا رئيسيًّا في ارتفاع انبعاثات النطاق الثالث (Scope 3) -الناتجة عن إنتاج ونقل سلع لا تُستهلك- في قطاعي الغذاء والزراعة، سواء عبر إنتاج سلع لا تُستهلك، أو نقلها بلا جدوى، أو انبعاث غاز الميثان الناتج عن تحللها في مكبات النفايات.

وأمام هذه التحديات، تبرز ابتكارات ما بعد الحصاد بوصفها حلولًا قادرة على تقليص الهدر وتعزيز كفاءة المنظومة الغذائية، لاشتمالها على التقنيات المطبَّقة بعد جمع المنتجات الزراعية، وتشمل التخزين والمعالجة والنقل، مع الحفاظ على الجودة والقيمة الغذائية، بما يعزِّز كفاءة سلاسل الإمداد ويزيد العائد الاقتصادي. وفي هذا السياق، يجري استعراض مراحل ما بعد الحصاد وأثر الابتكارات الحديثة في كل مرحلة.

الأمن الغذائي

تقنيات جديدة لحفظ الغذاء وتخزينه

تمثِّل حماية الغذاء بعد الحصاد التحدي الأول في سلاسل الإمداد، لأن المنتج الزراعي يحتاج إلى حلول مبتكرة تمنع فساده المبكر وتُطيل عمره التخزيني. وقد شهد هذا المجال تطورًا ملحوظًا مع بروز تقنيات تعزِّز كفاءة التخزين وتحدُّ من الهدر، بما يدعم الأمن الغذائي ويُحسِّن استدامة المنظومة الزراعية.

التخزين المحكم

يُعد التخزين المحكم من أكثر الحلول فاعلية لحماية المحاصيل الجافة من الآفات والرطوبة، لأن هذه التقنية تعتمد على أكياس أو صوامع مانعة للهواء يستهلك فيها المحصول الأكسجين المتبقي، ما يحرم الكائنات المسببة للتلف من مقومات البقاء. وتعمل هذه الآلية دون مواد كيميائية، وتُسهم في خفض فاقد التخزين إلى أقل من 1%، مع قابلية عالية للتطبيق لدى صغار المزارعين والمشروعات التجارية الكبرى على حد سواء.

التحكم في بيئة التخزين

يمثِّل هذا النَّهج تطورًا للتبريد التقليدي، وهو موجَّه للمنتجات مرتفعة القيمة وسريعة التلف. وتعتمد هذه التقنية على ضبط دقيق لدرجة الحرارة ونِسَب الغازات والرطوبة، بما يبطئ عمليات النضج والفساد، ويُطيل العمر الافتراضي مع الحفاظ على الجودة الغذائية. ويتيح ذلك نقل منتجات حساسة لمسافات طويلة والوصول بها إلى أسواق عالمية جديدة.

الطلاءات الصالحة للأكل

تعتمد الطلاءات الصالحة للأكل على مواد طبيعية لتشكيل طبقة رقيقة غير مرئية حول الثمار، تعمل كمناخ دقيق يبطئ فسادها ويحدُّ من فقدان الرطوبة ونمو الميكروبات. وتؤدي هذه التقنية إلى خفض مباشر للهدر الغذائي، وتقليل الاعتماد على التغليف البلاستيكي، مع الحفاظ على جودة المنتج وقيمته السوقية، بما يعزز جاذبيته لدى المستهلكين المهتمين بالاستدامة.

وتترجم هذه الفوائد إلى انخفاض مباشر في الهدر الغذائي وحماية أكبر لإيرادات المنتجين، مع تقليل الحاجة إلى التغليف البلاستيكي أحادي الاستخدام، وهو ما يساعد الشركات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خفض الانبعاثات وتقليل النفايات البلاستيكية مما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي على مستوى العالم.

غير أن دور تقنيات ما بعد الحصاد يمتد لما هو أبعد من حفظ الغذاء، ليشمل إعادة توظيفه عبر المعالجة الذكية لإطالة عمره التخزيني وتعظيم قيمته الاقتصادية. ومن هذه التقنيات:

المعالجة الذكية وإطالة عمر الغذاء

بعد الانتهاء من عملية الحفظ والتخزين، تبرز مرحلة حاسمة في سلسلة ما بعد الحصاد تتمثل في تحويل الأغذية سريعة التلف إلى منتجات أطول عمرًا وأكثر قيمة، وتؤدي تقنيات المعالجة الذكية دورًا محوريًّا في هذا التحول، لأنها تتيح إطالة العمر التخزيني للغذاء مع الحفاظ على قيمته الغذائية والاقتصادية، بما يعزِّز كفاءة المنظومة ويدعم الأمن الغذائي.

التجفيف بالتجميد

تبرز تقنية التجفيف بالتجميد كعملية معروفة في إنتاج الغذاء، لكنها تشهد اليوم تطورًا ملحوظًا نحو كفاءة أعلى واستدامة أفضل. فبعد أن كانت هذه العملية كثيفة استهلاك الطاقة، أتاحت الابتكارات الحديثة استخدام الموجات الميكروية أو الأشعة تحت الحمراء لتقليص زمن التجفيف وخفض التكاليف، مع الحفاظ على جودة الغذاء، مما يهدف إلى تسريع حركة المنتجات عبر سلسلة الإمداد.

كما يتيح هذا الأسلوب إنتاج سلع عالية القيمة وطويلة العمر، مثل القهوة سريعة الذوبان، وأغذية الرحلات الفضائية، وحصص الإعاشة، ووجبات الفاكهة المجففة، بما يقلِّل الهدر ويحوِّل المنتجات القابلة للتلف إلى قيمة اقتصادية مضافة. ومع ذلك تظل هذه الجهود ناقصة، لعدم استكمالها بإدارة فعالة لمرحلة النقل، والتي تمثل أحد أكثر حلقات سلسلة الإمداد هشاشة.

ابتكارات في النقل والتوزيع

بعد عمليات الحصاد والتخزين والمعالجة عند الحاجة، يظل التحدي الأخير هو نقل الغذاء بأمان إلى الأسواق دون فقد أو تلف. وتمثل مرحلة الانتقال من المزرعة إلى رفوف الأسواق إحدى أكثر نقاط سلسلة الإمداد هشاشة، إذ يؤدي أي ضرر في أثناء النقل إلى خسائر كبيرة، لا سيما للمنتجات الحساسة وسريعة التلف، بما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي.

الزراعة

حلول التحميل المؤتمتة

تُحدث أنظمة التحميل المؤتمتة، مثل آلات الربط الذكية، تحولًا ملحوظًا في حماية الشحنات، لأنها توفر شدًّا متوازنًا ودقيقًا يمنع الانضغاط أو الانبعاج الناتج عادة عن طرق الربط اليدوية. ويسهم ذلك في تحسين استقرار الحمولات خلال النقل وتقليل التلف والهدر، إلى جانب رفع كفاءة العمليات، حيث تستطيع هذه الأنظمة التعامل مع ما يصل إلى 70 منصة نقل في الساعة.

وإلى جانب ذلك، تسهم ابتكارات لوجستية أخرى في تقليل الهدر الغذائي، مثل مراقبة درجات الحرارة داخل سلاسل التبريد للحفاظ على جودة المنتجات، إلى جانب تحسين مسارات الشحن عبر أنظمة التتبع (GPS) بما يقلل زمن النقل. ويساعد هذا التكامل في وصول الغذاء إلى الأسواق في أفضل حالة ممكنة، والحد من الهدر عبر مختلف مراحل السلسلة.

ومع تزايد تعقيد سلاسل الإمداد واتساع نطاقها، بات الاعتماد على الحلول الرقمية والبيانات عاملًا حاسمًا لتعزيز الكفاءة والحد من الهدر الغذائي.

نحو مستقبل قائم على البيانات

يتجه الابتكار في مراحل ما بعد الحصاد بصورة متزايدة نحو حلول قائمة على البيانات، مع تصاعد دور مستشعرات إنترنت الأشياء وتقنيات البلوك تشين -هي تقنية رقمية لتسجيل وتبادل البيانات عبر سجل موزع وآمن، يضمن الشفافية وعدم التلاعب- في بناء سلاسل إمداد أكثر شفافية واستجابة. وتتيح تحليلات البيانات التنبؤ بمناطق التلف المحتملة، وتحسين إدارة المخزون، وتعزيز قابلية تتبع الغذاء عبر مختلف مراحل السلسلة، بما يدعم كفاءة المنظومة ويخدم الأمن الغذائي.

ومن بين الابتكارات البارزة التي لا تزال قيد التطوير، هو استخدام التوائم الرقمية، من خلال دمج بيانات إنترنت الأشياء مع نماذج تنبؤية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإنشاء نسخة افتراضية للشحنات. وتسمح هذه المقاربة بمراقبة الجودة بصورة ديناميكية والتدخل المبكر لمنع التلف قبل حدوثه.

ويمثل توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع الغذائي مسارًا متواصلًا، يشمل التنبؤ بتوقيتات الحصاد المثلى، وأتمتة تخطيط المسارات اللوجستية، وفرز المنتجات الزراعية آليًّا. ورغم أن بعض هذه التطبيقات بات مستخدمًا بالفعل، فإن تعميمها يواجه تحديات تتعلق بتكاليف الاستثمار، والبنية التحتية للاتصال، ومخاوف الخصوصية. ومع تجاوز هذه العقبات، يُتوقع أن تتسارع وتيرة تبنِّي الحلول المعتمدة على البيانات، بما يقلِّل الهدر ويعزِّز كفاءة النظام الغذائي ككل.

رؤية مستقبلية للأمن الغذائي المستدام

تسهم الابتكارات في مراحل ما بعد الحصاد في بناء منظومة إنتاج غذائي أكثر كفاءة وقدرة على الصمود، من التخزين المحكم إلى اللوجستيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يضمن وصول نسبة أكبر من المحاصيل إلى الأسواق بدلًا من فقدانها. ولا يقتصر أثر هذا التحول على تقليص الهدر، بل يمتد إلى دعم دخل المزارعين وتحسين فرص وصول الغذاء إلى الفئات الأكثر هشاشة، بما يعزِّز الأمن الغذائي ويحد من البصمة البيئية لقطاع الزراعة والغذاء.

أنظمة الغذاء العالمية والأمن الغذائي

وفي هذا الإطار، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن تعميم الحلول القائمة على الابتكار والبيانات في قطاع ما بعد الحصاد يعد مسارًا ضروريًّا لبناء نظم غذائية أكثر عدلًا واستدامة. كما تدعو إلى توسيع نطاق تطبيق هذه النماذج الفعالة عبر مختلف الدول، باعتبارها أدوات عملية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها القضاء على الجوع، وترشيد استخدام الموارد، وتعزيز أنماط الإنتاج والاستهلاك المسؤول، بما يرسِّخ الأمن الغذائي باعتباره حقًّا إنسانيًّا وأولويةً تنمويةً عالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى