علوم مستدامة

كيف تستخرج الذهب من النفايات الإلكترونية؟ فريق بحثي يجيب

النفاياتكيف تستخرج الذهب من النفايات الإلكترونية؟ فريق بحثي يجيب

في عصر تتحول فيه الأجهزة بسرعة من جديدة إلى منسية، غالبًا ما ينتهي مصير الحواسيب والهواتف الذكية في مكبّات النفايات، دون أن يدرك كثيرون أن هذه النفايات الإلكترونية تخبئ في طياتها كنوزًا حرفية؛ فكل شريحة إلكترونية قد تحتوي على ذرات من الذهب الخالص، تُهدر كل يوم مع ملايين الأطنان من المخلفات الإلكترونية.

وفي الوقت الذي يُعد فيه تعدين الذهب التقليدي أحد أكثر الصناعات تلويثًا للبيئة، من حيث استهلاك الموارد واستخدام المواد الكيميائية السامة مثل الزئبق والسيانيد (السيانيد مركب كيميائي والزئبق عنصر كيميائي، وكلاهما يدخلان في بعض الصناعات، ويشكلان خطرًا على صحة الإنسان)، تظهر حلول مبتكرة تُعيد رسم ملامح الصناعة بأساليب أكثر استدامة وأقل ضررًا. فهل يمكن أن يتحول الحاسوب والهواتف القديمة إلى مصدر للذهب دون تلويث الأرض أو تسميم المياه؟

انطلاقًا من هذه التطورات، سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال كيف توصل فريق بحثي دولي إلى تقنية جديدة تُحدث نقلة نوعية في استخراج الذهب من النفايات الإلكترونية، من خلال عملية غير سامة ومستدامة، وقابلة للتطبيق على نطاق صناعي، مع إبراز صلتها المباشرة بأهداف التنمية المستدامة، لا سيما تلك المتعلقة بالإنتاج المسئول، والابتكار، والإدارة الآمنة للنفايات.

طريقة مستدامة لاستخلاص الذهب

مع تنامي الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية، أصبحت النفايات الرقمية تمثل تحديًا بيئيًّا متزايدًا؛ ففي كل عام يُنتج العالم أكثر من 50 مليون طن من النفايات الإلكترونية التي تحتوي على معادن ثمينة، مثل الذهب والنحاس، غير أن نسبة صغيرة فقط يُعاد تدويرها بطرق فعالة وآمنة.

وعلى ذلك سعت جامعة فليندرز الأسترالية إلى الاعتماد على العلم في إعادة تدوير هذا النوع من النفايات؛ فقد أعلنت عن اكتشاف علمي جديد، يُعد الأول من نوعه في مجال استخلاص الذهب من مصادر متعددة، مثل النفايات الإلكترونية، وأوضح الفريق الذي يضم خبراء في الكيمياء والهندسة والفيزياء، أن الطريقة الجديدة تعتمد على مُركب آمن يُستخدم أصلًا في تعقيم المياه، بديلًا عن المواد السامة المستخدمة تقليديًّا؛ فمن خلال شرائح المعالجة، وبطاقات الذاكرة -بما تحتويه من نِسب كبيرة من معدن الذهب- جاءت النتائج واعدة، وأظهرت كفاءة عالية في استخراج الذَّهبِ بنقاء كبير، حتى من المخلفات المعقدة متعددة المعادن.

وهذا المُركب الذي اعتمد عليه الاكتشاف العلمي الجديد -المعروف باسم “حمض التريكلوروأيزوسيانيوريك”- يُفعَّل باستخدام الماء المالح؛ فيمكنه حينئذٍ إذابة الذهب الموجود في النفايات الإلكترونية، ثم يتم استخلاصه بعد الإذابة باستخدام بوليمر (البوليمرات جزيئات تشمل مواد متعددة مثل البلاستيك والبروتينات والأحماض النووية) غني بالكبريت تم تطويره خصيصًا لهذه العملية، ويمكن إعادة استخدام هذا البوليمر مرارًا؛ مما يجعل العملية مستدامة ومناسبة للاستخدام المتكرر.

وبخلاف الطرق التقليدية، فإن هذه التقنية لا تُنتج نفايات كيميائية خطيرة، كما تقلل من المخاطر البيئية والصحية المصاحبة لعمليات التعدين، لا سيما في المناطق التي يعتمد فيها العاملون على الزئبق لفصل الذهب، وهو ما يدعم الهدف (3) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه. إلى جانب ذلك، تمثل هذه الطريقة تطبيقًا عمليًّا للهدف (12) “الاستهلاك والإنتاج المسئولان”، حيث تقدم نموذجًا لاستخدام الموارد بشكل فعّال دون تلويث البيئة أو تعريض العاملين للخطر.

النفايات مورد اقتصادي

ويشكل هذا الاكتشاف العلمي الجديد فرصةً مهمةً لتطوير الاقتصاد الدائري، من خلال تحويل النفايات إلى موارد، وتقليل الاعتماد على التعدين التقليدي الذي يستهلك طاقة وموارد ضخمة، وهو ما يدعم بشكل مباشر الهدف (9) من أهداف التنمية المستدامة “الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية”، من خلال تطوير عمليات صناعية نظيفة وفعالة، كما يفتح هذا الابتكار الباب أمام تطوير أنظمة وطنية لإدارة النفايات الإلكترونية، خصوصًا في البلدان التي تفتقر إلى بنية تحتية لإعادة التدوير؛ مما يعزز من تحقيق الهدف (11) “مدن ومجتمعات محلية مستدامة”.

 الذهب والنفايات مورد اقتصادي

وهذا التوجه لا يخدم فقط البعدين الاقتصادي والبيئي فحسب، وإنما يخدم البعد الاجتماعي كذلك؛ إذ يعزز من العدالة البيئية والصحية، ويمنح العاملين في التعدين الصغير أدوات أكثر أمانًا واستدامة، وهو ما يتفق مع الهدف (8) “العمل اللائق ونمو الاقتصاد”، من خلال تحسين شروط العمل في قطاع تعدين الذَّهب عالميًّا، كما تسهم هذه التجربة في تعزيز الثقة بالتقنيات الخضراء، وذلك لدعمها مباشر للهدف (13) “العمل المناخي”، الذي يدعو إلى خفض الانبعاثات والتلوث الناجمين عن الصناعات الثقيلة.

آفاق مستقبلية وتحديات واقعية

رغم النتائج المشجعة، فإن تعميم التقنية الجديدة يواجه تحديات تتعلق بقدرة المصانع على التكيف مع الطريقة الجديدة، والحاجة إلى تمويل مراحل الإنتاج الصناعي، إضافة إلى متطلبات الموافقة التنظيمية في الدول المختلفة، ومع ذلك فإن الإمكانات الاقتصادية والبيئية لهذه الطريقة تضعها في موقع متقدم ضمن قائمة الحلول القابلة للتوسع.

ولذلك يسعى فريق الدراسة إلى نقل التقنية من المختبر إلى الميدان، من خلال شراكات مع مؤسسات صناعية وشركات تعدين وإعادة تدوير، كما يواصل الباحثون تحسين خصائص البوليمر المستخدم، وتقليل تكاليف الإنتاج، بما يضمن استدامة العملية على المدى الطويل، ومن هنا تدعو حماة الأرض إلى مواصلة ودعم العمل على مثل هذه المشروعات المبتكرة، مؤكدة أن التطورات العملية، مثل استخراج الذهب بطريقة نظيفة من النفايات الإلكترونية، تبرهن كيف يمكن للابتكار أن يمثل مسارًا مستدامًا يحمي البيئة ويدعم الاقتصاد في آن معًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى