مصر والبنك الدولي.. شراكة لتعزيز التنمية السكانية وصحة الإنسان

مصر والبنك الدولي.. شراكة لتعزيز التنمية السكانية وصحة الإنسان
في العاصمة الإدارية الجديدة، حيث تنبض مؤسسات الدولة برؤية حديثة لمستقبل أكثر استدامةً، التقى الدكتور/ خالد عبد الغفار “نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الصحة والسكان” وفدَ البنك الدولي برئاسة الدكتورة/ سميرة التويجري “كبيرة خبراء السكان والتنمية وقطاع الممارسات العالمية للصحة والتغذية والسكان في البنك الدولي”.
لم يكن اللقاء مجرد اجتماع رسمي، بل كان محطة مهمة لتأكيد أنَّ ملف السكان هو أساس التنمية المستدامة، ومدخل رئيسي لتحقيق أجندة مصر الوطنية “رؤية مصر 2030″؛ ومِن هنا ستأخذنا مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال إلى قراءة معمقة لأبعاد هذا اللقاء، وما يحمله من فرص وتحديات على مسار القضية السكانية في مصر.
القضية السكانية في قلب التنمية
كانت القضية السكانية -ولا تزال- التحدي الأكبر أمام الدول النامية، فهي مرتبطة بجودة التعليم، ومستوى الصحة، والقدرة الإنتاجية، وبالأمن القومي ذاته؛ لذا ألقى الاجتماع الأخير الضوءَ على هذه العلاقة الجوهرية، حيث شدد الدكتور/ خالد عبد الغفار على أنَّ مواجهة التحديات السكانية لا تعني تقليل الأعداد فحسب، وإنما تحسين “الخصائص السكانية”.
ذلك لأنَّ التعليمَ الجيد، والرعايةَ الصحية المتكاملة، وفرصَ العمل اللائق؛ هي عوامل تجعل المواطن المصري أكثر قدرة على العطاء والإسهام في زيادة معدلات النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، استعرضت وزارة الصحة جهودَ الدولة في السنوات الأخيرة لتحسين الخصائص السكانية وفقًا لاحتياجات كل منطقة جغرافية، وهو ما يعكس نهجًا قائمًا على العدالة المكانية والإنصاف الاجتماعي.

وهذه السياسات تهدف إلى خفض معدلات الإنجاب، وتسعى إلى تأسيس مجتمع يتمتع بعمر صحي أطول، وإنتاجية أعلى، وحياة كريمة تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، خاصةً الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.
كما أنَّ هذه الرؤية تتقاطع مع مفهوم “الأسرة المصرية الكريمة”، الذي طرحه الوزير باعتباره إطارًا مرجعيًّا لصياغة السياسات السكانية؛ لأنَّ الأسرة هي الوحدة الاجتماعية والنواة الأولى في التنمية، وإذا حظيت بالرعاية والوعي فستكون المحرك الأول للاستدامة الشاملة داخل المجتمع المصري.
استثمار في الإنسان
وكان أحد أبرز محاور الاجتماع هو الاستثمار في صحة الإنسان المصري، خاصةً كبار السن، وذلك عبر التغطية التأمينية، وأنظمة المعاشات والدعم الاجتماعي. وهو توجُّه يحمل دلالات عميقة؛ فهو اعتراف بأنَّ التنمية لا تتحقق إلا بتوفير مظلة حماية لكل مراحل العمر، بدءًا من الطفولة وحتى الشيخوخة.
وبذلك يصبح المسار السكاني متسقًا مع الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، وهو القضاء على الفقر، وكذلك الهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق ونمو الاقتصاد.
كذلك فتح الاجتماع نقاشًا حول الفرص والتحديات أمام الاستثمار في رأس المال البشري؛ فمصر تدرك أنَّ الفرد السليم بدنيًّا ونفسيًّا هو الأكثر قدرةً على الإنتاج والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد والمجتمع؛ لهذا تسعى الحكومة -بدعم من البنك الدولي- إلى تطوير أنظمة الرعاية الصحية، وتوسيع نطاق الخدمات التأمينية، بما يضمن حياة كريمة ومستقرة.
كما أكد المجتمعون أنَّ تعزيز وعي الأفراد بأهمية العمر الصحي المديد يعد أداة أساسية لضمان إنتاجية أكبر، وتقليل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الأمراض غير السارية، وهو ما ينسجم تمامًا مع الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة (الصحة الجيدة والرفاه)، ويعزز قدرة مصر على المضي قُدمًا نحو تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

التوعية والتمكين المجتمعي
من بين النقاط البارزة التي تناولها الاجتماع أهميةُ دمج القضايا السكانية في المناهج الدراسية، واستخدام منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب، وتوسيع برامج محو الأمية.
وهذه الاستراتيجية تعكس وعيًا بأهمية الثقافة السكانية باعتبارها جزءًا من الهوية المجتمعية؛ لأنَّ التركيزَ على الأنشطة الرياضية والغذاء الصحي، وتعزيزَ الانتماء الوطني والمشاركة المجتمعية؛ امتدادٌ لفكرة أنَّ التنمية السكانية مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
وهذا البعد التشاركي يعكس التزام مصر بالهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف السادس عشر حول تعزيز المؤسسات القوية والمجتمعات السلمية.
التعاون الدولي ورؤية مصر
وفي هذا الإطار لم تكن إشادة البنك الدولي بجهود مصر مجرد مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف بحقيقة أنَّ الدولة استطاعت تحقيق تقدم ملموس في خفض معدلات الإنجاب، وتحسين الخصائص السكانية؛ لذا أكدت الدكتورة/ سميرة التويجري أنَّ الاستثمار في العنصر البشري هو السبيل الأمثل لدفع عجلة التنمية، وذلك عبر توفير التعليم، والرعاية الصحية، وتنمية المهارات، بما يمكن الأفراد من الاستقلالية المادية والصحية.
وهذا البعد الدولي يفتح الباب أمام مصر للاستفادة من التجارب العالمية، وتبادل الخبرات مع الدول التي واجهت تحديات مشابهة. وهو ما يتوافق مع الرؤية المصرية القائمة على استدامة النجاحات، وتجنب تكرار الأخطاء، وضمان توافر أدوات الدعم اللازمة للحفاظ على مسار التنمية.
وعلى ذلك فإنَّ التعاونَ مع البنك الدولي في هذا المجال يعكس إدراك مصر بأنَّ القضايا السكانية تتجاوز الحدود الوطنية، فهي متصلة مباشرة بالقضايا العالمية، مثل التغير المناخي، والأمن الغذائي، وغيرهما من القضايا؛ ومِن هنا يصبح التعاون الدولي خيارًا ضروريًّا لضمان أنْ تكون التنمية السكانية ركيزة للاستقرار والازدهار على المستويين المحلي والعالمي.

في المحصلة يُثبت هذا اللقاء أنَّ مصر تتعامل مع القضية السكانية باعتبارها محورًا من محاور التنمية المستدامة، لا مجرد تحدٍّ ديموجرافي؛ فالرؤية المصرية تقوم على تحسين جودة حياة المواطن، والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز التوعية المجتمعية، مع الاستفادة بالشراكات الدولية.
لذلك فإنَّ مؤسسة حماة الأرض تؤكد أنَّ القضية السكانية ليست مجرد أرقام، بل قصة استدامة متكاملة ترتبط بالموارد الطبيعية، وأنماط الاستهلاك، وجودة الحياة، وعدالة توزيع الفرص بين الأجيال؛ لأنها تعكس في جوهرها مستقبل الإنسان والأرض معًا.




