2025 عام التحول في مسار التنمية المستدامة

2025 عام التحول في مسار التنمية المستدامة
شهد عام 2025 تصاعدًا في وتيرة التحولات البيئية والاقتصادية العالمية، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل التنمية المستدامة. ومع تفاقم ظاهرة تغير المناخ وتوالي الكوارث الطبيعية، بدا أن التحديات تتجاوز حدود التوقعات، لتفرض واقعًا جديدًا على صناع القرار في مختلف أنحاء العالم.
في بداية العام فاجأت الولايات المتحدة المجتمع الدولي بقرار انسحابها مجددًا من اتفاقية باريس للمناخ، فيما شهدت مؤسسات مالية كبرى تراجعًا ملحوظًا عن التزاماتها بتحالفات إزالة الكربون، وفي الوقت نفسه سُجلت درجات حرارة قياسية على مستوى العالم، وازدادت وتيرة الكوارث المناخية في مختلف مناطق الكوكب؛ مما رسم صورة ظاهرية لتراجع عالمي عن الالتزام بأهداف الاستدامة.
غير أن هذه الصورة تخفي تحولات أعمق في كيفية فهم الاستدامة وتنفيذها؛ إذ أصبحت النتائج الملموسة والمؤشرات القابلة للقياس المعيار الحقيقي للتقدم نحو التنمية المستدامة؛ فالاستدامة لم تفقد موقعها، وإنما أعادت تشكيل طبيعتها لتغدو أكثر عملية وتكاملًا مع الاقتصاد، وأكثر قدرة على التكيف مع واقع عالمي متغير.
في قلب هذا التحول، تظهر ثلاث اتجاهات رئيسية تعيد رسم خريطة الاستدامة، وسوف تأخذكم حماة الأرض في هذا المقال في جولة معمقة داخل هذه الاتجاهات الثلاثة؛ لتكشف كيف يمكن للأزمات أن تشكل نقطة انطلاق جديدة وقوية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
من الوعود إلى الأفعال
شهد العقد الماضي سباقًا محتدمًا بين الشركات الكبرى نحو إطلاق الوعود البيئية الطموحة، من تعهدات بـ”صفر انبعاثات بحلول 2050″ إلى أهداف “الحياد الكربوني خلال 10 سنوات”. ورغم هذه التصريحات الواسعة، ظل السؤال قائمًا: ما الذي تحقق فعليًّا في أرض الواقع؟
في عام 2025 طرأ تحول جوهري على هذا المشهد، حيث لم تعد الشركات تكتفي بإطلاق التصريحات الإعلامية، وإنما بدأ التركيز يتحول نحو تنفيذ تلك الوعود بشكل ملموس وواقعي، مع التأكيد على أهمية جعل هذه الالتزامات خاضعة للمساءلة والشفافية، جاء هذا التغير استجابة لضغوط سياسية وقانونية متزايدة، خاصة في دول مثل الولايات المتحدة، التي ترى أنَّ مبادرات الاستدامة قد تشتت الانتباه عن تعظيم الأرباح، كما تشكل هذه الخطوة رد فعل على الحملات ضد ما يُعرف بـ”الغسل الأخضر” الذي يشير إلى الترويج لممارسات بيئية غير حقيقية أو مضللة.
لم يعد الأمر مجرد خيار بين الصواب البيئي والتجاري، وإنما في عالم تُقاس فيه الثقة بالأرقام والنتائج، أصبحت الشفافية والالتزام الفعلي شرطًا لا غنى عنه لاستمرارية المؤسسات ونموها؛ ومن ثم تتضح اليوم رؤية الاستدامة باعتبارها أداة تنفيذ فعالة وجوهرية ضمن استراتيجيات المؤسسات، لا مجرد شعار يُرفع.
دمج الاستدامة في الأعمال اليومية
وهذا التحول في الفهم لم يقتصر على السياسات العامة فقط، وإنما انعكس أيضًا على طريقة دمج الاستدامة في نسيج الأعمال اليومية؛ ففي السابق، كانت أقسام الاستدامة تُعامل باعتبارها ملاحق أو وحدات مستقلة، تقدم تقارير موسمية وتتعامل مع المبادرات البيئية باعتبارها مشروعات جانبية، أما في عام 2025، فقد بدأنا نشهد تحولًا جذريًّا في هذا التصور، حيث أصبحت الاستدامة جزءًا أساسيًّا من كل قرار يُتخذ داخل الشركة.
مديرو الاستدامة اليوم لم يعودوا مجرد موظفين مختصين بتقديم أرقام للتقارير السنوية، وإنما أصبحوا شركاء استراتيجيين في اتخاذ القرار، سواء أكان الأمر يتعلق بتوقيع عقد جديد، أو الدخول في شراكة، أو اختيار موردين، أو حتى تصميم المنتج نفسه، فإن البُعد الاجتماعي والبيئي صار حاضرًا في كل خطوة، وهذا الاندماج بين الاستدامة والعمليات التشغيلية يعيد تعريف معنى الكفاءة والفعالية داخل المؤسسات.
تمامًا كما أصبحت حماية البيانات أمرًا لا يمكن تجاوزه في أي عملية رقمية، تُعامل الاستدامة اليوم باعتبارها من أعمدة المرونة المؤسسية طويلة الأجل. وفي هذا السياق، يُعاد إحياء أحد المبادئ المحورية لأهداف التنمية المستدامة، وهو الشمولية؛ فلا يمكن تحقيق هذه الأهداف بمعزل عن الاقتصاد أو المجتمع أو من خلال جهود منفصلة، وإنما يجب أن تكون جزءًا من “نظام تشغيل” المؤسسة، راسخة في ثقافتها وآليات عملها.
الاستدامة محرّك اقتصادي
ومن هنا ينبع التحول الجوهري في النظرة إلى الاستدامة، حيث لم تعد تُعتبر تكلفة إضافية، وإنما باتت محرّكًا اقتصاديًّا حيويًّا؛ إذ أصبحت الشركات الذكية في عام 2025، ترى فيها فرصة للنمو وتعزيز الربحية، لا عائقًا أمامها، وهذا التغيير يعكس تحولًا حقيقيًّا في طريقة اتخاذ القرار الاستثماري.
وبناء على ذلك، نشهد الآن موجة متسارعة من الاستثمارات في الطاقة المتجددة، والنقل الكهربائي، والتكنولوجيا النظيفة، هذه القطاعات لم تعد حكرًا على المتحمسين للبيئة كما سبق، وإنما باتت وجهة استراتيجية للمستثمرين الباحثين عن عوائد مستدامة. وفي هذا السياق، تلعب الحوافز الحكومية وميول المستهلكين دورًا رئيسيًّا في تسريع التحول الأخضر؛ مما يعزز فرص تحقيق التنمية المستدامة على نطاق أوسع.
وعلى صعيد العمليات، يسهم تحسين كفاءة الطاقة وتطوير سلاسل الإمداد الخضراء في خفض التكاليف وتقليل المخاطر، فضلًا عن تعزيز القدرة التنافسية للشركات. أما من ناحية العلاقة مع العملاء، فتبرز الاستدامة باعتبارها عاملًا مهمًّا لجذبهم وكسب ولائهم. وفي هذا الإطار، بدأت المؤسسات المالية بدورها تغير من نهجها، فبدلًا من الضغط على العملاء لتحقيق أهدافها البيئية، أصبحت تقدم أدوات مالية خضراء وخدمات استشارية تدعم الامتثال للتشريعات وتعزز الأداء البيئي، معيدة بذلك تعريف العلاقة بين القطاع المالي وأهداف التنمية المستدامة باعتبارها شراكة متكاملة قائمة على المنفعة المشتركة.
ماذا عن مستقبل التنمية المستدامة؟
إذا نظرنا إلى هذه التحولات الثلاثة معًا، تتضح ملامح جديدة لعصر الاستدامة، عصر يرتكز على الأفعال لا الوعود، وعلى التكامل لا العزلة، ويُعلي من القيمة الاقتصادية بدلًا من اعتبار الاستدامة عبئًا إضافيًّا، وهذا لا يعني أن الطريق أصبح سهلًا، وإنما على العكس؛ فقد ازدادت المعايير صرامة، وتكاثرت التحديات؛ مما يجعل الفرص أكثر تعقيدًا إلا أنها في الوقت نفسه أكثر أهمية.
وفي ضوء هذا الواقع الجديد، تدرك المؤسسات الطموحة أن مجرد إدراج “الالتزام البيئي” في التقارير السنوية لم يعد كافيًا، وإنما ينبغي أن تتحول الاستدامة إلى أن تكون المحرك الاستراتيجي الذي يوجه كل قرار، أو علاقة تجارية. وعلى نطاق أوسع، تعيد هذه التحولات التأكيد على الحاجة الماسة لإعادة صياغة آليات تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ إذ إن النضج في فهم الاستدامة وربطها بالمنظومة الاقتصادية هو السبيل الأكثر واقعية لتحقيق هذه الأهداف.
وفي هذا الإطار، تؤكد حماة الأرض أن الاستدامة الحقيقية لا تُقاس بعدد المؤتمرات أو التصريحات، وإنما بقدرتنا على تحويل المبادئ إلى أفعال، والرؤى إلى أنظمة تشغيل فعلية في عالم الأعمال والحياة اليومية؛ فكل شركة تتبنى المسئولية في قراراتها وتأخذ بعين الاعتبار أثرها الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، تكون قد خطت خطوة ثابتة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.




