العدالة في الاقتصاد الأخضر.. من يدفع ثمن التحول؟

العدالة في الاقتصاد الأخضر.. من يدفع ثمن التحول؟
في خضم الحديث العالمي المتزايد عن ضرورة التحول إلى الاقتصاد الأخضر، غالبًا ما يُفترض أن هذا التحول بات حتميًّا في ظل الإجماع العلمي على خطورة التغير المناخي، غير أن الحقيقة هي أن هذا الانتقال لا يحمل في طيّاته ضمانًا للعدالة، وإنما على العكس، فإن مفهوم “الانتقال العادل” يُمثّل أحد أبرز التحديات الأخلاقية في هذا المسار، ويكتنفه الكثير من التوترات والتناقضات والمصالح المتضاربة.
الانتقال العادل يُعنى في الأساس بمصير من قد يتضررون من هذا التحول، كعُمال الصناعات كثيفة الكربون، والمجتمعات المُهمّشة، وسكّان الدول النامية؛ فهؤلاء يُواجهون خطر التهميش في خضم سباق لا يرحم نحو أهداف مناخية نبيلة على الورق، لكنها قد تكون مجحفة على الأرض.
وفي هذا السياق، تشير مجموعة العمل المعنية بالانتقال المناخي التابعة لـ”Thinking Ahead” -وهي مؤسسة دولية تعمل على مساعدة المؤسسات المالية والمستثمرين على تبني استراتيجيات استثمارية طويلة الأمد تتوافق مع أهداف المناخ- إلى أن غياب العدالة الاجتماعية واستمرار عدم المساواة يشكّلان خطرًا حقيقيًّا على استقرار أي خطة لإزالة الكربون، وتؤكد المجموعة بوضوح أن التحول إلى اقتصاد أخضر لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل حماية الفئات الأضعف وضمان توزيع عادل لمكاسب هذا التحول.
من يتحمل كلفة العدالة في الاقتصاد الأخضر؟
ورغم الاتفاق النظري على أهمية العدالة في التحول المناخي، فإن الانقسام يظهر بوضوح حين يتعلق الأمر بالسؤال: من المسئول؟ ففي الوقت الذي يرى رُبع أعضاء المجموعة أن المسئولية تقع بالكامل على عاتق الحكومات، لما تمتلكه من أدوات وسلطة تشريعية ومالية، فإن الغالبية -نحو 75% – تؤمن بأن الحكومات وحدها لا تتحمل المسئولية كاملة.
وهذا يُلقي الضوء على دور القطاع الخاص والمستثمرين، بوصفهم مؤثرين رئيسيين في تشكيل السياسات وتوجيه رءوس الأموال، إلا أن الاعتراف بهذا الدور لا يعني بالضرورة الالتزام به؛ فالتناقض سرعان ما يظهر حين يُطلب من هؤلاء التنازل عن جزء من الأرباح من أجل تحقيق العدالة.
وقد أبدى معظم المستثمرين رفضًا قاطعًا لأي تدابير قد تمس عوائدهم المالية، حتى لو كانت تلك التدابير تسعى لتحقيق العدالة المناخية، وهو ما يسلّط الضوء على معضلة أخلاقية عميقة تتمثل في الموازنة بين تعظيم الأرباح والوفاء بمسئولية بناء مجتمع أكثر عدالة واستدامة، وهذه المفارقة تكشف خللًا هيكليًّا في منظومة الحوافز التي تحكم الاقتصاد العالمي، حيث يُكافأ السعي وراء المكاسب السريعة، في حين يُتجاهل الأثر السلبي في الكوكب والمجتمعات.

الاقتصاد الأخضر بين المكاسب السريعة ومتطلبات العدالة
ولا تقتصر التحديات على البنية الاقتصادية، وإنما تمتد إلى القيم الثقافية الراسخة؛ ففي عالم يُمجّد النجاح الفردي والثروة الشخصية، يُنظر إلى مفاهيم مثل العدالة الجماعية والاستدامة بوصفها ترفًا أو تهديدًا للمكاسب الخاصة، وهذه القيم تُشكل حاجزًا أمام أي تغيير جذري في أسلوب التفكير.
فحتى عند عرض مزايا التحول العادل مثل تعزيز الاستقرار الاجتماعي، والحد من الفقر، وضمان مناخ آمن، فإنها غالبًا ما تُعد بعيدة المدى وغير ملموسة أمام إغراء المكاسب السريعة؛ مما يجعل دوافع التحرك محدودة ومقيدة بمنطق السوق القائم على الفورية. وتجاوز هذا الجمود يتطلب إعادة صياغة مفهوم النجاح ذاته ليشمل قيمًا أوسع مثل قوة الروابط الاجتماعية والصحة العامة والازدهار المشترك، وهو مسار طويل لا يمكن المضي فيه إلا بإرادة سياسية وثقافية تعيد تشكيل وعي المجتمعات.
وقد برزت بعض المبادرات الساعية إلى هذا التغيير، مثل إدماج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) في استراتيجيات الاستثمار، إلا أن هذه الجهود واجهت مقاومة قوية من أنصار تعظيم العوائد المالية؛ لتبقى النقطة الأوضح أن غياب التحول الثقافي الحقيقي يجعل العدالة المناخية هدفًا مؤجلًا لا يترجم إلى واقع.
هل يمكن تحقيق العدالة دون التضحية؟
مجرد الاعتراف بأن الانتقال العادل يشكل خطرًا على الأنظمة الاقتصادية لا يكفي ما لم يُترجم إلى خطوات عملية على الأرض، حيث يمتلك المستثمرون أدوات حاسمة للتأثير، سواء عبر إعادة توجيه رءوس الأموال نحو مشروعات تحقق التنمية المستدامة، أو الاستثمار في البنية التحتية الصديقة للبيئة، أو دعم المؤسسات التي تراعي العدالة الاجتماعية، خاصة في الدول النامية، إلى جانب الضغط على الحكومات لتبني تشريعات وسياسات تعزز هذا التحول.
غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب وعيًا جديدًا يعتبر العدالة عنصرًا أساسيًّا لاستدامة الربح لا عائقًا أمامه؛ إذ إن عالمًا تتسع فيه الفجوات الاجتماعية وتتصاعد فيه الكوارث المناخية لن يكون بيئة آمنة للنمو الاقتصادي ولا للاستثمار طويل الأمد، والعدالة هنا تعتبر ضمانًا لبقاء الأسواق واستقرار النظام الاقتصادي العالمي.
وختامًا تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن العدالة في مسار التحول نحو الاقتصاد الأخضر هي ركيزة أساسية لبناء مستقبل مستدام، يوازن بين احتياجات الكوكب ومصالح البشر؛ إذ إن مواجهة التغير المناخي دون معالجة جذور عدم المساواة سوف تقود إلى انتقال ناقص يعمّق الانقسامات بدلًا من تجاوزها.
ومن هنا يصبح دور الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني تكامليًّا في إعادة تصميم المنظومة الاقتصادية والثقافية، بحيث يتم تشجيع الاستدامة طويلة الأمد لا المكاسب السريعة؛ لأن نجاح الانتقال العادل سيقاس بقدرته على تحقيق ازدهار جماعي وحماية المجتمعات الأكثر هشاشة.




