علوم مستدامة

الجوع يزحف بصمت.. تحذير أممي من خطر المجاعة

الجوع

الجوع يزحف بصمت.. تحذير أممي من خطر المجاعة

في تقرير أممي جديد يقرع أجراس الخطر، كشفت كل من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي التابعين للأمم المتحدة عن مستقبل قاتم يهدد ملايين البشر في مناطق متعددة من العالم، حيث يلوح شبح المجاعة في الأفق، مهددًا حياة السكان في مناطق منكوبة مثل غزة والسودان وجنوب السودان، وهاييتي ومالي.

يشير التقرير إلى أن استمرار الصراعات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانخفاض الدعم المالي من المانحين، كلها عوامل تدفع بهذه الدول نحو الكارثة، وفي ظل هذا المشهد المأساوي، تغدو الأزمة الغذائية العالمية تهديدًا مباشرًا ليس فقط لحياة الأفراد، وإنما أيضًا لمسار التنمية المستدامة بأكمله، مما يستدعي تحركًا عاجلًا وجماعيًا لإنقاذ الأرواح وحماية مستقبل الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، تستعرض حماة الأرض من خلال هذا المقال أبعاد التقرير الأممي كما تتناول الأسباب التي أدت إلى هذا الخطر المتصاعد؛ موضِّحةً العلاقةَ التي تربط بين الجوع والصراعات، وتسلط الضوء على أثر التراجع الدولي في تمويل التنمية وما يترتب على ذلك من تداعيات كارثية على ملايين البشر الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين نيران النزاعات وشبح المجاعة.

غزة بين الجوع والرصاص

تعد كارثة المجاعة في قطاع غزة واقعًا يزداد وضوحًا يومًا بعد يوم، حيث يشير التقرير الأممي بوضوح إلى أن العمليات العسكرية الواسعة التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي تعرقل بشكل مباشر وصول المساعدات الإنسانية الضرورية، وتسهم في تضييق الخناق على السكان المدنيين.

غزة بين الجوع والرصاص

وتحت وطأة الحصار المشدد، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانهيار سبل العيش، يتعرض أكثر من مليوني شخص في غزة إلى خطر انعدام الأمن الغذائي، حيث يُتوقع أن يكون جميع السكان بحلول سبتمبر المقبل في وضع “أزمة أو أسوأ”، منهم ما يقارب 470 ألف شخص سيصلون إلى مستوى “كارثة”، وهو المستوى الأعلى قبل إعلان المجاعة.

تُنذر هذه الأزمة -التي تعد جريمة إنسانية- بانهيار اقتصادي واجتماعي كامل في القطاع، وتطرح تساؤلات ملحة حول مصير التنمية والاستقرار في منطقة لطالما عانت من التهميش والإقصاء الدولي. ما يحدث في غزة يُظهر بوضوح كيف أن الحروب تقوّض الركائز الأساسية للتنمية، وتعيد المجتمعات عقودًا إلى الوراء، وتزيد من صعوبة تحقيق أهداف التنمية المستدامة في الصحة، والأمن الغذائي، والمساواة، والعدالة؛ فبدون تدخل عاجل وحقيقي، قد تتحول غزة إلى مرآة قاتمة لفشل المجتمع الدولي في حماية الإنسانية وتحقيق الاستدامة.

الحروب تقوّض الركائز الأساسية للتنمية

السودان بين المجاعة المعلنة والإنكار السياسي

رغم أن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى رصد حالات مجاعة فعلية في السودان منذ عام 2024، فإن الحكومة السودانية ترفض الاعتراف بذلك، وهذا ما يعقّد جهود الإغاثة ويؤخر الاستجابة الدولية، وفي ظل استمرار الحرب والصراع الدموي في مناطق مثل كردفان ودارفور، يجد ملايين المدنيين أنفسهم عالقين بين فكي النزوح والجوع.

تقدّر المنظمة الأممية عدد من هم في حالة “أزمة أو أسوأ” بأكثر من 24 مليون شخص، منهم 637 ألفًا يعيشون بالفعل في ظروف “كارثة”، وهو ما يضع البلاد أمام كارثة إنسانية كبرى، وهذه الأرقام الهائلة لا تعكس فقط حجم الأزمة، وإنما تشير أيضًا إلى حجم العجز الدولي في التعامل مع الكوارث التي تفتك بالمناطق المهمّشة.

السودان بين المجاعة المعلنة والإنكار السياسي

ويُظهر السودان مرة أخرى كيف يمكن أن تتحول النزاعات المسلحة إلى أداة فعالة لتدمير الأمن الغذائي، في بلد كان يُعرف يومًا بأنه سلة غذاء إفريقيا، ومع اشتداد الصراع وتراجع التمويل الدولي، تبدو الاستجابة الإنسانية محاصرة ومعطّلة؛ مما يترك ملايين الأرواح في مواجهة الجوع والموت. وهنا تبرز أهمية دمج مبادئ الاستدامة والسلام في السياسات الإنمائية، فغياب الاستقرار السياسي، وتفاقم التهميش، وغياب العدالة، كلها عوامل تُفشل تحقيق أي من أهداف التنمية المستدامة، وتُبقي شعوبًا بأكملها رهينة للمعاناة.

العنف يصنع المجاعة في هاييتي ومالي

تسير هاييتي أيضًا على طريق الانهيار الغذائي في ظل سيطرة العصابات المسلحة، وتفشي العنف، وتفاقم أزمات النزوح، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 8400 شخص في العاصمة “بورت أو برنس” يعيشون حاليًّا في حالة “كارثة غذائية”، وهو الرقم الأعلى منذ سنوات في هذا البلد الكاريبي الذي يعاني من سلسلة أزمات متلاحقة.

وهاييتي ليست وحدها، فـ”مالي” أيضًا تتجه إلى المصير ذاته؛ فالصراع المزمن، وارتفاع أسعار الحبوب، وضعا أكثر من 2600 شخص على حافة المجاعة، وبرغم أن الأرقام تبدو صغيرة نسبيًّا مقارنة بالسودان أو غزة، فإنها تنذر باتساع رقعة الخطر إذا لم تتخذ إجراءات وقائية.

هذان المثالان يسلطان الضوء على الترابط بين العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية في صناعة الكوارث الغذائية، ويكشفان عن هشاشة النظم الإنسانية في المناطق التي تعاني من ضعف الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. ومن منظور الاستدامة فإن استمرار التدهور في هاييتي ومالي يهدد بانهيار منظومات التعليم، والصحة، والعمل، ويجعل من تحقيق أهداف التنمية المستدامة في تلك الدول أقرب إلى المستحيل، ما لم يتم تعزيز الحلول المحلية والدعم الدولي طويل الأمد.

جنوب السودان يعاني من الجوع

وتواجه جنوب السودان -الدولة الأحدث في العالم- مستقبلًا غامضًا في ظل تفاقم الأزمات السياسية والبيئية؛ فأكثر من 7.7 مليون شخص –أي ما يزيد عن نصف سكان البلاد– يعيشون حاليًّا في ظروف “أزمة أو أسوأ”، وفقًا للتقرير الأممي.
ويعود هذا الوضع الكارثي إلى تضافر عدة عوامل، أبرزها التوترات السياسية الداخلية، واستمرار النزاعات المسلحة، والمخاطر المناخية مثل الفيضانات، بالإضافة إلى تدهور البنية التحتية الاقتصادية.

جنوب السودان يعكس بوضوح كيف يمكن أن تتكامل عوامل الصراع والتغير المناخي في إنتاج كوارث إنسانية شاملة؛ فالمجتمعات المتأثرة في هذا البلد غالبًا ما تكون معزولة عن شبكات الدعم، وتفتقر إلى البنية التحتية الأساسية التي تمكّنها من الصمود أمام الأزمات المتكررة، وهذا الوضع يفرض إعادة النظر في نماذج التنمية المطبقة في تلك الدول، وتبني استراتيجيات مستدامة تأخذ بعين الاعتبار الهشاشة البيئية والاجتماعية، من أجل تمكين المجتمعات من بناء أنظمة غذائية تتكيّف مع الصدمات ولا تنهار عند أول أزمة.

نجاحات ملهمة في مواجهة الجوع

وسط هذا المشهد القاتم، أشار التقرير الأممي إلى خروج بعض الدول من قائمة “النقاط الساخنة” للجوع، مثل إثيوبيا وكينيا ولبنان وزيمبابوي، وذلك بفضل تحسن الظروف المناخية والسياسات المحلية الأكثر مرونة، ورغم أن هذا التقدم مشجّع، فإنه لا يزال هشًّا وقابلًا للانتكاس في أي لحظة.

وقد حذّرت الأمم المتحدة من أن النجاحات التي تحققت ليست دائمة، وأن الحفاظ عليها يتطلب التزامًا سياسيًّا وتمويليًّا طويل الأجل، وهذا ما يؤكد ضرورة التركيز على الوقاية وبناء نظم غذائية مستدامة، بدلًا من الاعتماد على التدخلات الطارئة فقط.
إن الاستفادة من تجارب هذه الدول الناجية يمكن أن تقدم دروسًا مهمة في كيفية التعامل مع الجوع والفقر، خاصة حين تكون هناك إرادة سياسية حقيقية واستثمار في البنية التحتية الزراعية والغذائية.

وفي مواجهة خطر الجوع العالمي الذي لا يفرق بين قارة وأخرى، ولا بين شعب وآخر، ترى حماة الأرض أن الالتزام بتحقيق أهداف التنمية المستدامة قد أصبح ضرورة وجودية؛ فغياب الأمن الغذائي يعني بالضرورة غياب الصحة، والتعليم، والسلام، والكرامة الإنسانية؛ لذلك يُعد تقرير الأمم المتحدة دعوة صريحة للتضامن الدولي والتحرك الجماعي العاجل؛ لتجاوز تلك الأزمات، وتحقيق مستقبل أكثر عدلًا واستدامة للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى