كيف تقود مجموعة السبع الإنتاج الأخضر وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية؟

كيف تقود مجموعة السبع الإنتاج الأخضر وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية؟
حين تبدأ الدول الصناعية الكبرى بمراجعة مسارها التنموي، تكتشف أنَّ تحقيق النمو الاقتصادي لا يمكن أنْ ينفصل عن مسئولية الحفاظ على البيئة في ظل المخاطر الجيوسياسية الحالية؛ لذا لم يعد الإنتاج الأخضر خيارًا هامشيًّا، وإنما أصبح أداة استراتيجية تفرض حضورها بقوة في النقاشات حول المستقبل، لما تحمله من وعود بتحقيق التوازن والاستدامة.
ومع تزايد الوعي بتأثير السياسات الصناعية في البيئة، بدأ مفهوم الإنتاج الأخضر في لَفْتِ أنظار الباحثين وصنّاع القرار معًا، بوصفه مدخلًا لفهم أوسع لديناميكيات الاقتصاد المعاصر؛ فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالتقنيات أو مصادر الطاقة، بل باتت تمسّ طبيعة التفكير ذاته في كيفية بناء نماذج اقتصادية أكثر مرونة، وقادرة على مواجهة التقلبات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية.

ومِن هنا تُقدم اقتصادات دول مجموعة السبع (G7 – Group of Seven) نماذج متنوعة في هذا المجال، وذلك ما تلقي عليه حماة الأرض الضوء في السطور القادمة من خلال دراسة حديثة نُشرت في المنصة العلمية (Springer Open)، حيث ناقشت مجموعة من الباحثين –أحسن أنور، وأفشان حامد، وماجدالينا رادوليسكو، وأرشيان شريف– تأثير ثلاثة عوامل رئيسة في مسار الإنتاج الأخضر داخل دول مجموعة السبع (G7)؛ وهي: المخاطر الجيوسياسية، واردات السلع ذات البصمة البيئية المرتفعة، ومدى صرامة السياسات البيئية المطبقة؛ فتابعوا القراءة.
المخاطر الجيوسياسية تعوق التنمية المستدامة
مما لا شك فيه أنَّ المخاطر الجيوسياسية تُشكِّل تحديًا هائلًا ومعقدًا أمام تبني ممارسات الإنتاج الأخضر وتوسيع نطاقها في دول مجموعة السبع (كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة). وتُظهر دراسات حديثة ومعمقة -شملت بيانات هذا الدول بين عامي 1990 و2020- أنَّ هذه المخاطر المتعددة الأوجه، التي تشمل الكوارث الطبيعية والنزاعات الإقليمية، لها تأثير سلبي في على الإنتاج الأخضر؛ مما يعكس مدى الضرر الذي تُلحقه هذه العوامل بالجهود البيئية. ويتجلى هذا التأثير السلبي بوضوح كبير في المراحل المبكرة لتصاعد التوترات الجيوسياسية، حيث تواجه الدول اضطرابات حادة وغير متوقعة في سلاسل توريد مصادر الطاقة الحيوية؛ وبالتالي ارتفاع هائل في تكاليف الإنتاج الأخضر، والحد من قدرة الشركات على الاستثمار في التقنيات المستدامة.
ومن الجدير بالذكر أن البيئة المليئة بعدم اليقين السياسي والمخاطر الأمنية تدفع الحكومات بشكل طبيعي إلى تحويل تركيزها ومواردها من مبادرات الاستدامة والتحول الأخضر إلى قضايا الأمن القومي والدفاع. ويؤدي هذا التحول في الأولويات إلى انحراف تدفقات الاستثمار بعيدًا عن القطاعات الإنتاجية المستدامة نحو أنشطة إعادة التأهيل وإعادة الإعمار بعد الكوارث أو النزاعات.
كما أن الضغط المتزايد على الإنفاق العام، والناجم عن هذه المخاطر، يُعيق الاستثمار الخاص في التقنيات الخضراء ويُسهم في نقص التمويل اللازم للبحث والتطوير، مما يَحدُّ من القدرة على تطبيق حلول الطاقة المتجددة المبتكرة وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بفاعلية.
وقد أظهرت نتائج الدراسة كيف أنَّ المخاطر الجيوسياسية قادرة على تحفيز بعض الدول على تبني مصادر الطاقة المتجددة؛ حتى يمكنها تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المتعلقة بالنزاعات وتقلبات الأسعار. ومع ذلك تؤكد الدراسة أنَّ الأمر مختلف في دول مجموعة السبع؛ حيث تؤدي هذه المخاطر إلى زيادة مستويات انبعاثات الكربون، وتقليل استخدام مصادر الطاقة المتجددة؛ مما يُعيق بشكل كبير جهود النمو الأخضر، ويجعل تحقيق أهداف التنمية المستدامة -مثل الهدف رقم (13) المتعلق بالعمل المناخي، والهدف (16) الخاص بالسلام والعدالة والمؤسسات القوية- أكثر صعوبة وبعيد المنال؛ لذا فإنَّ مواجهة هذا التحدي تتطلب وضع استراتيجيات دولية شاملة للحد من هذه المخاطر، وتعزيز الاستقرار العالمي لضمان بيئة مواتية للابتكار والإنتاج الأخضر.

الواردات في معركة الاستدامة
تُعدُّ الواردات جزءًا لا يتجزأ من سلاسل التوريد العالمية المعقدة، وتؤدي دورًا حيويًّا في دفع عجلة النمو الاقتصادي، حيث توفر للدول إمكانية الوصول إلى الموارد النادرة والتقنيات المتطورة اللازمة لعمليات التصنيع وتجميع المنتجات. ومع ذلك، فإنَّ للواردات تأثيرًا سلبيًّا ملحوظًا على ممارسات الإنتاج الأخضر في دول مجموعة السبع، الأمر الذي يعكس مدى الضغط الذي تفرضه الواردات على البيئة.
ويُعزى هذا التأثير الضار إلى الانبعاثات الكربونية الكبيرة المرتبطة بالإنتاج والنقل والتصنيع للسلع المستوردة، التي تحدث في كل مرحلة من مراحل سلسلة التوريد العالمية، بدءًا من استخراج المواد الخام وصولًا إلى المنتج النهائي؛ وذلك كله يزيد من مستويات التلوث في الدول المستوردة بشكل مباشر وغير مباشر.
الأمر المدهش هنا، هو أنَّ هذه المشكلة تتفاقم بشكل خاص عندما تستورد الدول المتقدمة -مثل دول مجموعة السبع- سلعًا من بلدان أخرى تعتمد على صناعات كثيفة التلوث، وتمتلك معايير بيئية متدنية أو ضعيفة في بلدانها الأم؛ فيشكِّل هذا الواقع منافسة غير عادلة وغير مستدامة للصناعات المحلية، التي تلتزم بممارسات الإنتاج الأخضر والمعايير البيئية العالية، مما يجهض فرص الاستثمار وجهود النمو الأخضر، ويؤثر سلبًا في استقرار الاقتصاد المحلي وقدرته التنافسية.
ومِن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ الحد من التأثير السلبي للواردات يتطلب تنفيذ سياسات بيئية صارمة وواضحة على السلع المستوردة، سواء المنتجات المصنعة محليًّا والمنتجات المتداولة دوليًّا؛ من أجل تحقيق استدامة جميع سلاسل التوريد.
ولذلك ينبغي فرض تعريفات كربونية حدودية على الواردات التي تتميز ببصمة كربونية عالية؛ لتحفيز المنتجين في البلدان المصدِّرة على تبني تقنيات إنتاج نظيفة وأكثر خضرة؛ وبالتالي الإسهام في تقليل الانبعاثات الكربونية العالمية. ومن شأن هذا النهج الاستراتيجي أنْ يساعد على تحقيق أهداف التنمية المستدامة الحاسمة، مثل الهدف رقم (12) “الاستهلاك والإنتاج المسئولان”، والهدف رقم (13) “العمل المناخي”.

صرامة السياسات البيئية محرك المستقبل المستدام
على النقيض تمامًا من التأثيرات السلبية للمخاطر الجيوسياسية والواردات غير المستدامة، أشارت الدراسة إلى أنَّ صرامة السياسات البيئية تؤثر تأثيرًا إيجابيًّا في ممارسات الإنتاج الأخضر داخل دول مجموعة السبع. ويتزايد هذا التأثير باستمرار عبر جميع مستويات تحليل البيانات؛ مما يؤكد -بشكل قاطع- الأهميةَ المحوريةَ للإطار التنظيمي البيئي القوي والفعال في توجيه الصناعات نحو مسار الاستدامة الحقيقية.
وتشمل هذه السياسات البيئية مجموعةً واسعةً من الحوافز، مثل الإعفاءات الضريبية، والإعانات المالية للشركات التي تتبنى ممارسات خضراء، بالإضافة إلى التدابير الرقابية الصارمة كضرائب الكربون المباشرة، والاستثمار السخي في برامج البحث والتطوير الموجهة نحو الابتكار البيئي.
ولا تنحصر فوائد هذه السياسات البيئية الصارمة في السيطرة الفعالة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون فحسب، وإنما تُشجع بقوة على تبني ممارسات نمو خضراء شاملة، وتُحفز الصناعات على الاستثمار الجاد في تقنيات الطاقة النظيفة ومصادر الطاقة المتجددة. وإنَّ التطبيق الذكي للتكنولوجيا الخضراء -بالاقتران مع سياسة بيئية صارمة ومدعومة بدور مؤسسي قوي ومستقر- يساعد على تعزيز ممارسات الإنتاج الأخضر، وتحسين الظروف البيئية بشكل عام على المديينِ القصير والطويل.
وكذلك يمكن لهذا النهج الشامل والمتكامل أنْ يُنشئ ما يُعرف بـ “الأرباح المزدوجة”، التي تتمثل في رفع معايير النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، وهذا بالتوازي مع تحسين البيئة الطبيعية، وزيادة الرفاه الاجتماعي للسكان.
ولنجاح هذه السياسات البيئية يجب أنْ تعتمد على تحفيز الابتكار المستمر، وتوجيه إعادة التوزيع القطاعي لرأس المال والعمالة من القطاعات الضارة بالبيئة إلى القطاعات الأكثر استدامة والأقل تلوثًا، وكذلك يكمن التحدي الحقيقي في تصميم سياسات ذكية ومرنة تتناسب مع القدرات المالية والمؤسسية المتقدمة للدول مثل مجموعة السبع، بحيث تُشجع على التحول التكنولوجي السريع نحو الأخضر دون أن تعوق النمو الاقتصادي أو تُشكل أعباءً غير مبررة على الصناعات.

الطاقة المتجددة من أجل إنتاج أخضر
بالإضافة إلى العوامل الرئيسة التي تم تحليلها بشكل معمق، تلعب متغيرات أخرى دورًا حاسمًا في تشكيل مشهد الإنتاج الأخضر في دول مجموعة السبع؛ إذْ يبرز استهلاك الطاقة المتجددة باعتباره عاملًا إيجابيًّا ومهمًّا للغاية، حيث يؤثر تأثيرًا إيجابيًّا في جهود تعزيز ممارسات الإنتاج الأخضر؛ فكلما زاد استهلاك الطاقة المتجددة زادت قدرة الدول على تحقيق إنتاج أخضر وتنمية نظيفة ومستدامة.
وهناك أيضًا رأس المال -أو الاستثمار المادي- الذي يؤثر تأثيرًا سلبيًّا في معدلات الإنتاج الأخضر داخل دول مجموعة السبع؛ لأنه يتم توجيه استثمارات رأس المال الضخمة -غالبًا- نحو بناء وتطوير بنية تحتية تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري وممارسات أخرى ضارة بالبيئة؛ مما يُنشئ ما يُعرف بـ “الارتباط التكنولوجي” بالتقنيات القديمة.
ويُشكل هذا التحول في الموارد بعيدًا عن التقنيات الخضراء صعوبةً كبيرةً في الانتقال إلى تكنولوجيا صديقة للبيئة. وللتحكم في التأثير السلبي للاستثمارات التقليدية يجب على الحكومات تبني لوائح بيئية صارمة وذكية، مثل تقديم إعانات للتقنيات الخضراء؛ من أجل توجيه رأس المال نحو استثمارات مستدامة بيئيًّا.
وفي هذا الإطار يمكن أنْ يكون للعمالة -خاصة العمالة الماهرة والمدربة- دورًا محوريًّا في تعزيز ممارسات الإنتاج الأخضر؛ إذ تُظهر البيانات أنَّ زيادة مشاركة القوة العاملة ترتبط -بشكل أو بآخرَ- بتحسين الأداء البيئي في القطاعات الإنتاجية؛ لأنه كلما زادت نسبة التوظيف زادت فرص تطبيق تقنيات مستدامة تعتمد على الخبرة والابتكار. وتُعد هذه الكفاءات ضرورية لتبنِّي التكنولوجيا النظيفة، وتنفيذ ممارسات قائمة على البحث والتطوير؛ مما يجعل تأهيلها وتوفيرها عنصرًا أساسيًّا في دفع التحول الأخضر داخل اقتصادات الدول المتقدمة.

كيف تستلهم الدول النامية السياسات البيئية الناجحة؟
في الوقت الذي تكافح فيه الدول النامية لإيجاد توازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والالتزامات البيئية، تبرز تجربة دول مجموعة السبع في مجال السياسات البيئية الصارمة باعتبارها نموذجًا يمكن الاحتذاء به في مسار التحول الأخضر؛ فقد أظهرت هذه الدول أنَّ النجاح يكمن في تصميم سياسات متكاملة تجمع بين الجرأة السياسية والابتكار العلمي، فضلًا عن تحفيز القطاع الخاص.
وعلى الدول النامية أيضًا أنْ تبني شراكات فعالة بين الحكومات والجامعات والقطاعات الصناعية؛ فهذه القطاعات محرك أساسي في جهود الابتكار العلمي البيئي، كما يجب ألَّا تغفل هذه الدول البعدَ الاجتماعيَّ؛ فتعزيز وعي المستهلكين، وتطبيق معايير شراء خضراء أصبحَا من أدوات السياسات البيئية التي تخترق الحياة اليومية وتعيد تشكيل أنماط الاستهلاك. وكذلك يجب التخلص من الوقود الأحفوري والاعتماد على مصادر متجددة؛ لمواجهة المخاطر الجيوسياسية وتقلبات السوق.
نحو غد أكثر استدامة
لقد كشفت هذه الدراسة المعمقة -بتحليلها الدقيق لبيانات دول مجموعة السبع- عن خيوط معقدة ومتشابكة تربط بين العوامل الجيوسياسية المتقلبة، والتأثيرات المتفاوتة للواردات، والدور المحوري للسياسات البيئية الصارمة في تشكيل مستقبل الإنتاج الأخضر.
وهذه البيانات ليست مجرد مجموعة من النتائج الإحصائية، بل هي دعوة واضحة وملحة للعمل، تُسلط الضوء بشكل لا يدع مجالًا للشك على الفرص الهائلة والتحديات الجسيمة، التي يجب على هذه الاقتصادات الرائدة التعامل معها بحكمة وبصيرة لضمان مسار تنموي مستدام وعادل. وإنَّ الفهم الدقيق والعميق لهذه الديناميكيات المتشابكة هو الخطوة الأولى والأساسية نحو صياغة حلول مبتكرة وفعالة، قادرة على إحداث الفارق الحقيقي.
وختامًا، فإنَّ أبرز ما تكشفه هذه الدراسة هو القدرة الكامنة في السياسات الذكية والمؤسسات القوية على إعادة توجيه مسار التنمية بالرغم من المخاطر الجيوسياسية العالمية المتسارعة؛ فحين تقترن صرامة السياسات البيئية بحوافز الابتكار، وتتحول الأسواق إلى محفزات للتغيير الأخضر -بدلًا من أن تكون عوائق له- يمكن بناء نموذج إنتاجي أكثر توازنًا واستقرارًا. ومع أنَّ التجربة التي تخوضها دول مجموعة السبع متقدمة في أدواتها ومؤسساتها، فإنَّ ملامحها الخاصة بالسياسات البيئية تحمل دروسًا قابلة للتطبيق في الدول النامية؛ من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.




