السيسي وبن زايد في العلمين.. صور التعاون والاستدامة بين مصر والإمارات

السيسي وبن زايد في العلمين.. صور التعاون والاستدامة بين مصر والإمارات
لم تكن زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى مدينة العلمين الجديدة مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل كانت نموذجًا من نماذج التعاون الدولي يحمل دلالة مستدامة، حيث امتزجت السياسة بالعفوية، وتجلت الأخوة في صور تذكارية التقطها المواطنون مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وضيفه الكبير.
والصور التي انتشرت كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي لم تعكس فقط علاقة شخصية بين قائدين، بل أظهرت عمق الروابط التي تجمع بين شعبين شقيقين، يجتمعان على التاريخ والمصير المشترك.
هذا اللقاء الذي جاء في قلب مدينة العلمين، المدينة الساحلية التي أرادتها مصر نموذجًا حديثًا للتنمية العمرانية المستدامة، حمل معاني تتجاوز ضيافة رسمية، ليتحول إلى رسالة مباشرة عن قوة العلاقات المصرية الإماراتية، وعن الرؤية المشتركة في بناء مستقبل يوازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

الزيارة التي امتدت لأيام لم تقتصر على المباحثات واللقاءات الرسمية، بل حملت صورًا بسيطة لكنها عميقة المعنى: قادة يجلسون بين الناس، يتناولون الطعام على الشاطئ، ويتركون للتاريخ مشاهد يصعب محوها من الذاكرة. مشاهد تعزز مفهوم أن التنمية المستدامة ليست فقط في الحجر والمشاريع، بل في البشر وبناء الثقة والروابط بين الشعوب.
لذا، سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال أبعاد هذه الزيارة، من الصور العفوية على الشاطئ، إلى الرسائل السياسية والاقتصادية التي تحملها، وصولًا إلى انعكاسها على مسار التنمية المستدامة بين مصر والإمارات، بما يخدم أهداف التنمية الأممية ورؤية المنطقة لمستقبل أكثر استقرارًا.
صور التعاون الدولي على ضفاف البحر
شكلت الصور التذكارية التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي بالشيخ محمد بن زايد في أحد مطاعم العلمين الجديدة لحظة رمزية عميقة. لم يكن الأمر مجرد ظهور عابر أمام عدسات الهواتف، بل كان انعكاسًا لعلاقة تتسم بالبساطة والصدق، حيث ظهر القائدان وسط المواطنين بلا حواجز ولا بروتوكولات صارمة. هذا التداخل بين الرسمي والشعبي أضفى على المشهد بعدًا إنسانيًا عزز مكانة العلمين كمدينة للحياة لا للمؤتمرات فقط.
تفاعل المواطنين الذين سارعوا إلى التقاط صورهم مع القادة كشف عن شغف الناس بلحظات القرب، وعن حاجتهم لرؤية القيادة بشكل مختلف، أقرب إلى واقعهم اليومي. وقد حملت هذه اللقطات دلالات تتجاوز قيمتها الآنية لتصبح جزءًا من ذاكرة العلاقة بين البلدين، ووسيلة لتعزيز الثقة بين الشعوب والقيادات.

انتشار هذه الصور على منصات التواصل الاجتماعي لم يكن وليد الصدفة، بل يعكس حالة من التقدير العميق الذي يحمله المصريون للإماراتيين، ويقابله تقدير مماثل من الشعب الإماراتي لمصر. ومن هنا، تحولت منصات السوشيال ميديا إلى جسر إضافي لتعزيز الأخوة الشعبية، بما يتكامل مع العلاقات السياسية والاقتصادية.
هذه الروح العفوية في اللقاءات تفتح الباب أمام فكرة أن التنمية المستدامة لا تتحقق فقط عبر ضخ الاستثمارات أو تشييد المدن، بل أيضًا عبر بناء جسور الثقة بين الشعوب. وهذا يتماشى مع الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يؤكد على تعزيز المؤسسات الشفافة والاندماج الاجتماعي، كجزء لا يتجزأ من مسيرة التنمية.
شاطئ العلمين
اختيار شاطئ مدينة العلمين ليكون مسرحًا لجلوس السيسي وبن زايد معًا لم يكن تفصيلًا صغيرًا. فالعلمين الجديدة ليست مجرد مدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بل مشروع استراتيجي يجسد رؤية مصر في إعادة تخطيط الساحل الشمالي كمنطقة استثمارية وسياحية وحضرية متكاملة. حين جلس القائدان على ضفاف البحر، كانت الرسالة واضحة: هذه المدينة نموذج للتنمية الحديثة، وأرضية لشراكات استراتيجية مستقبلية.
العلمين التي عُرفت تاريخيًا بكونها أرض معارك دامية خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت اليوم إلى مساحة للسلام والشراكة. وفي ذلك إشارة قوية إلى أن التنمية قادرة على إعادة تشكيل هوية المكان، وتحويله من ساحة صراع إلى منصة للتعاون والأمل. الصور التي وثقت جلوس السيسي وبن زايد على الشاطئ تحت العلمين المصري والإماراتي عكست هذه الفكرة بوضوح.

كما أن وجود الزعيمين في مدينة لا تزال في طور النمو العمراني، يعكس دعمًا مباشرًا لمشروعات التنمية المستدامة. فالعلمين الجديدة تعتمد على أسس حديثة في التصميم العمراني، تراعي البيئة وتتبنى تقنيات حديثة في البنية التحتية، ما يجعلها جزءًا من التحول الحضري الأخضر في مصر.
هذا الربط بين الرمزية السياسية والمشروعات التنموية يعزز فكرة أن العلاقات بين مصر والإمارات لا تقوم على التاريخ وحده، بل أيضًا على رؤية مشتركة للمستقبل. رؤية تضع التنمية المستدامة كخيار استراتيجي، يتلاقى مع أهداف الأمم المتحدة الرامية إلى بناء مدن مستدامة وشاملة للجميع (الهدف 11).
زيارة أخوية ورسائل سياسية واقتصادية
زيارة الشيخ محمد بن زايد لمصر التي وصفتها البيانات الرسمية بـ”الأخوية” لم تكن بعيدة عن السياسة، رغم ما غلب عليها من مشاهد عفوية. فقد أكد البيان الرسمي على أهمية التشاور المستمر بين القيادتين في ما يتعلق بالقضايا الإقليمية، وعلى رأسها أمن المنطقة وتطورات الأوضاع في غزة وسوريا ولبنان. هذا التنسيق يعكس وعيًا مشتركًا بضرورة العمل الجماعي لحماية الاستقرار في المنطقة.
الجانب الاقتصادي كان حاضرًا بقوة أيضًا. فالتقارير الرسمية أوضحت أن حجم الصادرات المصرية إلى الإمارات بلغ 3.8 مليار دولار خلال النصف الأول من 2025، مقارنة بـ1.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعكس نموًا لافتًا في الشراكة التجارية. كذلك بلغت الاستثمارات الإماراتية في مصر 2.2 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي الحالي. هذه الأرقام تعكس حجم الثقة الإماراتية في السوق المصري، ودورها في دعم الاستقرار الاقتصادي.

إلى جانب التجارة، تظل المشاريع الكبرى عنوانًا لهذه الشراكة، وعلى رأسها مشروع “رأس الحكمة” الذي تم تدشينه العام الماضي باستثمارات تصل إلى 150 مليار دولار. المشروع يمثل نموذجًا فريدًا للتعاون في مجال التنمية المستدامة، حيث يسعى إلى إنشاء مدينة متكاملة تعتمد على الطاقة النظيفة والتخطيط الحضري الحديث.
هذه المعطيات الاقتصادية والسياسية مجتمعة تؤكد أن الزيارة، رغم طابعها الودي، لم تخلُ من رسائل استراتيجية. فهي تجسد مفهوم الشراكة التي تخدم مصلحة الشعبين وتدعم أهداف التنمية المستدامة، خصوصًا في ما يتعلق بالهدف الثامن (العمل اللائق والنمو الاقتصادي) والهدف التاسع (الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية).
ختام الزيارة
ودّع الرئيس السيسي ضيفه الإماراتي في مطار العلمين الدولي وسط حفاوة كبيرة، ليختتم زيارة وُصفت بأنها علامة فارقة في مسار العلاقات المصرية الإماراتية. هذا الوداع لم يكن نهاية للحدث، بل بداية لتفاعلات واسعة عبر الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الصور والمشاهد إلى مادة حديث تعكس مشاعر الفخر والأخوة بين الشعبين.
الرسائل التي خرجت من هذه الزيارة متعددة الأبعاد. فهي من جهة تؤكد على أن العلاقات بين مصر والإمارات تتسم بالثبات والرسوخ، ومن جهة أخرى تبرز التزام البلدين بالمضي قدمًا في مسار التنمية المشتركة، سواء عبر الاستثمارات أو عبر المشاريع العملاقة مثل رأس الحكمة والعلمين.

الأهم أن هذه الزيارة أعادت التذكير بأن التنمية المستدامة لا تنفصل عن الاستقرار السياسي والاجتماعي. فالتشاور المستمر بين القيادتين حول قضايا المنطقة يعني العمل على خلق بيئة آمنة للاستثمار والتنمية، وهو شرط أساسي لتحقيق أي تقدم في أهداف التنمية المستدامة.
وفي النهاية، ترى مؤسسة حماة الأرض أن زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى مصر، وصوره العفوية مع الرئيس السيسي، لم تكن مجرد مشاهد بروتوكولية، بل إعلانًا متجددًا عن شراكة تقوم على الثقة والتكامل. شراكة تضع في اعتبارها الحاضر بكل تحدياته، لكنها تنظر أيضًا إلى المستقبل بعين التنمية المستدامة، حيث يتحول البحر والشاطئ والصورة إلى رموز لطريق طويل نحو الاستقرار والازدهار.




