سرطان الثدي.. وعي صحي متجدد وجهود مستدامة لمكافحة المرض عالميًّا

سرطان الثدي.. وعي صحي متجدد وجهود مستدامة لمكافحة المرض عالميًّا
يبرز سرطان الثدي اليومَ باعتباره واحدًا من أخطر أمراض العصر؛ لذا فإنَّ لجميع الجهود العالمية أهميةً كبرى في تعزيز الوعي الصحي، وتحفيز إجراءات الوقاية منه ومن جميع الأمراض المزمنة والقاتلة؛ لأنَّ القضايا الصحية الكبرى -مثل سرطان الثدي- انعكاس مباشر لقدرة المجتمعات على حماية مواطنيها، وضمان العدالة في الحصول على الرعاية الصحية، وتحقيق التوازن بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وذلك يُبرز -أيضًا- ضرورةَ تبني خطة التنمية المستدامة بأهدافها السبعة عشر، لا سيما الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه؛ فهي أساس لا غنى عنه لاستمرار عجلة التقدم والإنتاج. وانطلاقًا من هذه الرؤية تلقي مؤسسة حماة الأرض الضوءَ على إحدى أهم مبادرات التوعية العالمية بسرطان الثدي؛ من أجل نشر الوعي بأخطاره، وهذا في إطار العدالة الصحية والتنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
أكتوبر الوردي ورسالة 2025
مع حلول شهر أكتوبر يعود شعار «أكتوبر الوردي» ليذكِّر العالم بواحدة من أهم قضايا الصحة العامة التي تمسُّ حياة الملايين من النساء؛ قضية سرطان الثدي. وقد جاء اختيار شهر أكتوبر نتيجةً لانطلاق أولى الجهود المنظمة للتوعية بسرطان الثدي داخل الولايات المتحدة في أكتوبر من عام 1985، قبل أنْ تتوسَّع المبادرة تدريجيًّا وتتبنَّاها الهيئات الصحية الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية؛ ليصبح هذا الشهر موعدًا سنويًّا عالميًّا يُسهِّل توحيد الحملات الإعلامية والطبية حول المرض سرطان الثدي.
وفي عام 2025 يأتي الشعار العالمي للحملة تحت عنوان: “كل قصة فريدة، وكل رحلة مهمة”، وهو يعكس حقيقة أنَّ كل إصابة بسرطان الثدي وراؤها قصة من الشجاعة والصمود والأمل، وأنَّ كل رحلة علاجية تستحق التعاطف والدعم والرعاية.
كما يؤكد هذا الشعار العالمي أنَّ سرطان الثدي يمس النساء وعائلاتهن بطرق مختلفة حول العالم، وأنَّ العدالة الصحية تتطلب وصولًا متكافئًا إلى التشخيص المبكر والعلاج الفعَّال، وذلك دون النظر إلى الدخل أو الجغرافيا أو الخلفية الاجتماعية.

التحديات العالمية بالأرقام
إنَّ بيانات منظمة الصحة العالمية أشارت في عام 2022 إلى أنه تم تشخيص ما يقرب من ٢.٣ مليون امرأة مصابة بمرض سرطان الثدي، وقد توفيت بسببه ٦٧٠ ألف امرأة أخرى، وذلك ما يكشف بوضوح مدى خطورة هذا المرض على مستوى العالم كله.
مِن جهة أخرى فإنَّ البيانات الأممية تؤكد أنَّ هناك تفاوتًا حادًّا في معدلات النجاة من هذا المرض؛ فبينما تبلغ معدلات البقاء على قيد الحياة في البلدان ذات الدخل المرتفع 90%، فإنَّ هذه الأرقام تنخفض في الهند -على سبيل المثال- إلى ٦٦٪، و٤٠٪ في جنوب إفريقيا.
ويُعزَى هذا التفاوتُ إلى عدم المساواة في الوصول إلى ، وإذا استمر هذا الاتجاه فمن المتوقع أنْ ترتفع معدلات الإصابة والوفيات بنسبة ٤٠٪ بحلول عام ٢٠٥٠؛ مِنْ ثَمَّ تبرز حاجَةٌ إلى اتخاذ إجراءات عالمية وعاجلة ومنسقة.
مبادرة منظمة الصحة العالمية: 60–60–80
ومِن بين الجهود العالمية الأخرى المبادرةُ العالمية لسرطان الثدي (GBCI)، التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية عام 2021، وذلك بالتعاون مع شركاء دوليين؛ بهدف خفض الوفيات عبر تقوية النظم الصحية، وتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية تعرف بـ “60–60–80″، وهي كالتالي:
الكشف المبكر: تشخيص 60% من سرطانات الثدي الغازية في المرحلة الأولى أو الثانية.
التشخيص في الوقت المناسب: ضمان حصول المريضة على التشخيص خلال 60 يومًا من ظهور الأعراض الأولى.
العلاج الشامل: أنْ تكمل 80% من المريضات علاجهنَّ الموصى به دون انقطاع.
سرطان الثدي وأهداف التنمية
والآن، لماذا يجب أنْ يكون هناك رابط بين سرطان الثدي وأهداف التنمية المستدامة؟ الإجابة تكمن في أنَّ الصحة الجيدة والرفاه -الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة- شرط محوري لاستمرار عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛ لأنَّ التشخيص المبكر لسرطان الثدي، وتحسين سلاسل الرعاية من التشخيص إلى العلاج والدعم النفسي؛ كلها عوامل تساعد على خفض معدلات الوفيات، ورفع الأعباء المالية عن كاهل الأُسر الضعيفة في الدول النامية خاصةً، وكذلك تعزز هذه العوامل مشاركةَ المرأة في المجتمع والاقتصاد.

من هذا المنطلق، يمكن اعتبار “أكتوبر الوردي” فرصة استراتيجية لتحريك مؤشرات الهدف الثالث من خلال:
- دمج خدمات الكشف والعلاج ضمن حزم التغطية الصحية الشاملة (UHC).
- تعزيز الفحص المتنقل والبرامج المجتمعية؛ لضمان وصول النساء إلى التشخيص المبكر.
- بناء قواعد بيانات صحية دقيقة؛ لرصد معدلات الإصابة والنجاة وتوجيه الموارد بكفاءة.
- إزالة الحواجز الاجتماعية والثقافية عبر التوعية المجتمعية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمريضات، وتشجيع العائلات على دعم الكشف المبكر.
نحو استجابة فورية
على ما سبق، فإنَّ أكتوبر الوردي -شهر التوعية بسرطان الثدي- مرآة تكشف مدى جدية المجتمع الدولي في تحويل الوعي إلى سياسات وتمويل وخدمات ذات جودة؛ لأنَّ النجاح في مواجهة سرطان الثدي يتطلب إرادة سياسية دولية، وتمويلًا مستدامًا، وبنية تحتية صحية متكاملة، تشمل الكشف والعلاج والدعمينِ النفسي والاجتماعي.
وفي النهاية، فإنَّ نجاح هذه المبادرة العالمية يُقاس بمدى قدرته على إحداث أثر طويل الأمد: زيادة معدلات النجاة، تحسين جودة حياة النساء، تعزيز العدالة الصحية عالميًّا؛ ولذلك تدعو مؤسسة حماة الأرض إلى أنْ يتحد جميع العالم، من أجل سد فجوة الرعاية، وتمكين المصابات بسرطان الثدي من العلاج الفعَّال؛ فلا ينبغي أنْ تواجه امرأةٌ سرطان الثدي وحدها.




