الاستدامة والقانون

مسئولية الطبيب بين الواقع والقانون

مسئولية الطبيب

مسئولية الطبيب بين الواقع والقانون

انتشرت في الآونة الأخيـرة أخطاء طبية صادرة عن بعض الأطباء، وبخصوص هذا جاء القانون مُنصِفًا؛ فقد حمـى الطبيبَ في أثناء مزاولة عمله، وأيضًا حمـى المريضَ من الخطأ الطبـيّ، سواء أكان هذا عن قصد أم عن غيـر قصد، وسواء أكان الخطأُ ناتجًا عن إهمال أم رعونة؛ فهناك حالات يُسأل عنها الطبيب، وحالات أخرى ينجو منها، وفي بعض هذه الحالات قد يضيع حق المرضى المجنـيّ عليهم!

ذلك ناتج عن أنَّ بعضَ الأطباء -وكذلك المستشفيات- يُحصِّنون أنفسهم قانونيًّا قبل البدء في العلاج، فعندما يذهب مريضٌ إلى المستشفى تجبـره الإدارةُ -هو أو أهله- على توقيع إقرار طبيّ قبل إجراء العملية؛ حتى تنتفي المسئوليةُ عن الطبيب والمستشفى إذا حَدَثَتْ مضاعفاتٌ، أو أيّ نتائج يمكن أنْ تَحدث!

وبادئ ذي بدء هناك شروط لإباحة العمل الطبيّ، أولها: أنْ يكون الطبيب أو الجرَّاح مُرخصًا له بمزاولة المهنة. والشرط الثاني: موافقة المريض، وهو ما تحدثتُ عنه في الفقرة الماضية. وبالرغم من اشتراط هذه الموافقة إلَّا إنَّ هناك حالاتٍ تُلزِمُ الطبيبَ بالتدخل السريع؛ لإنقاذ المريض دون الحصول على موافقته إذا ترتب على التأخيـر إلحاق ضرر جسيم بالمريض.

وأمَّا الشرط الثالث فهو أنْ يكون غرضُ العلاج الطبيّ علاجَ المريض، وإذا كان لغرضٍ آخرَ فإنَّ الطبيبَ حينئذٍ يُسألُ، حتى لو كان هذا بموافقة المريض. ولكن يظل السؤال: متى تقع المسئولية على الطبيب عند حدوث خطأ طبيّ؟

يتحمل الطبيب مسئولية الخطأ الطبيّ عند إخلاله بواجبات الحيطة والحذر -كالإهمال- التي يفرضها عليه القانون، حيث يجب عليه قبل إجراء أيّ عمل جراحيّ أنْ يقوم باتباع الإجراءات الاحترازية، كتعقيم غرفة العمليات، وإجراء الفحوص اللازمة للمريض قبل إجراء العملية الجراحية. ومِن الأمثلة على هذا أنَّ محكمةً قد أدانت جرَّاحًا تسبب بإهماله وعدم احتياطه في كَسْرِ ساق مريض في أثناء تحريك طاولة العمليات، التي كان راقدًا فوقها وهو مخدر؛ بسبب أنَّ هذا الطبيب لم ينتبه إلى أنَّ الساقَ كانت مربوطةً في الطاولة، فضلًا عن أنَّ الساق كان بها مرض معيـن يقتضي عدم تحريكها.

وأيضًا يُسأل الطبيبُ الذي ينسى بعض أدوات العملية الجراحية في جوف المريض. وقد شاهدنا كثيـرًا من الحالات التي نتجتْ عنها وفاةُ بعض المرضى جرَّاء نسيان آلة أو أداة في أجسادهم.

أيضًا يُسأل الطبيبُ عند تفاقم المرض بسبب الإهمال الطبيّ؛ فهنا يُسأل الطبيبُ -بالرغم من الحصول على موافقة المريض- لإجرائه العملية الجراحية، ليس بسبب مباشرة العمل الطبيّ، ولكن نتيجة الخطأ الطبيّ الذي سبَّبه الإهمالُ الطبيّ. وأيضًا حالات الخطأ الطبيّ الناتجة عن زيادة كمية المخدر في أثناء إجراء العملية الجراحية، التي يمكن أنْ تؤدي إلى فقدان أرواح كثيـرة!

ويكون الطبيب مسئولًا -أيضًا- إذا تكاسل عن قراءة التقارير الخاصة بالمرضى قبل إجراء العملية، حيث ينتج عن هذا كثيرٌ من الوفيات، كالطبيب الذي يحقن المريض بحقنةٍ ملوَّثةٍ في الوريد، فينتج عن هذا خُرَّاج، وكالطبيب الذي يقوم بعلاج مريض من عضة كلب، ثم يدعي أنه شُفي، ثم يظهر بعدها أنه كان من المفترض أنْ يرسله إلى مستشفى الكلب لعلاجه.

وهناك صور أخرى للخطأ الطبيّ، كالخطأ في التشخيص الذي يُعتبر أهم مرحلة. وهناك حالات مرضية عديدة تفاقمتْ، بل إنَّ هناك حالاتٍ تؤدي إلى الوفاة بسبب أخطاء التشخيص؛ لأنَّ الخطأ في التشخيص يؤدي إلى خطأ في وصف العلاج.

وكذلك رفْض علاج المريض، فالطبيب الذي يرفض علاج مريض في مكان ناءٍ ليس به غيـره، أو امتناعه عن التدخل في إنقاذه عند الضرورة – كلها مبـررات لدخول الطبيب تحت طائلة القانون، باستثناء أنْ يوقع المريض إقرارًا يفيد بأنه يرفض العلاج.

ويُعفَى الطبيب من المسئولية في حالات القوةِ القاهرةِ والظروف الخارجة عن إرادته، وهي الظروف التي يُمنَعُ بموجبها من إسعاف المريض؛ فلم يقبل القضاء الفرنسيّ إدانة أحد الأطباء لإخراجه أحد الأطفال من المستشفى بحجة عدم توفر سرير للعناية، حيث كان بإمكان أمه إسعافه في المنـزل. وفي المقابل يُدانُ الطبيب الذي يمتنع عن التدخل الطبيّ بالرغم مِن إبلاغه بخطورة الحالة.

أمَّا عن الخطأ في العلاج فالطبيب مسئول عن العلاج، وليس عن النتيجة؛ فعلَى الرغم من أنه قد يتبع جميع الإجراءات السابقة إلَّا إنَّ المريض قد لا يُشفَى أو يُتوفَّى، وحينئذٍ لا يُسأل الطبيبُ، وتنحصر مسئوليتُه في تنفيذ شروط العمل الطبيّ، وأمَّا عند حدوث إهمال أو رعونة أو عدم اتباع الحذر فالمسئولية واقعة عليه لا محالةَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى