تراجع صادم في عقود الطاقة النظيفة بأوروبا رغم انتعاش الطاقة الشمسية

تراجع صادم في عقود الطاقة النظيفة بأوروبا رغم انتعاش الطاقة الشمسية
في مفارقة لافتة، ورغم الانتعاش المفاجئ الذي قادته الطاقة الشمسية في يونيو، سجّلت أوروبا خلال النصف الأول من عام 2025 تراجعًا حادًّا بنسبة 26% في حجم اتفاقيات شراء الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. وكشف تقرير صادر عن شركة “بكسابارك” السويسرية لأبحاث الطاقة المتجددة، أن متوسط كميات الكهرباء المتفق عليها في هذه العقود بلغ 1013 ميجاواط فقط، مقابل 1376 ميجاواط خلال عام 2024، وهو ما يعكس نمطًا متذبذبًا في أداء السوق الأوروبية للطاقة النظيفة.
هذا التراجع المفاجئ يسلّط الضوء على الفجوة بين التوقعات والخطط الفعلية في سوق الطاقة الأوروبية، خصوصًا أن تقديرات العام الماضي رسمت مسارًا تصاعديًّا غير منقطع؛ فقد توقّع “ريان ألكسندر” مدير المشروعات في شركة أورورا، في يوليو 2024، أن تصل عقود شراء الكهرباء المتجددة إلى 21 جيجاواط بنهاية العام بزيادة قدرها 3 جيجاواط عن 2023، بعد تسجيل 272 اتفاقية بحجم 16.2 جيجاواط آنذاك، غير أن نتائج النصف الأول من 2025 تكشف أن السوق تواجه تحديات هيكلية أعمق تتعلق بالسياسات والحوافز والاستقرار التشريعي.
هذه التحولات تلقي بظلالها على صُنّاع القرار، وتفرض إعادة تقييم للسياسات والحوافز التي تدعم استثمارات الطاقة المتجددة؛ ففي ظل تقلبات السوق العالمية واشتداد المنافسة على الموارد، تصبح الخطط طويلة الأمد ضرورة؛ لضمان أمن الطاقة وتحقيق استدامة حقيقية.
انتعاش الطاقة الشمسية في أوروبا خلال يونيو
في الوقت الذي سجّل النصف الأول من عام 2025 تراجعًا عامًّا، برز شهر يونيو باعتباره استثناء في الأداء الأوروبي للطاقة المتجددة، محققًا انتعاشًا قويًّا بنسبة نمو 40% مقارنة بشهر مايو؛ إذ بلغ حجم الكهرباء المتعاقد عليها 1429 ميجاواط، وفق ما أورده تقرير “بكسابارك”، وهو ما يعني قفزة غير مسبوقة مقارنةً بالشهر السابق الذي سجّل أدنى المستويات منذ عام 2020.
وهذا التعافي القوي يعكس ثقة متزايدة في مشروعات الطاقة الشمسية تحديدًا، التي استحوذت على النصيب الأكبر من الاتفاقيات الجديدة؛ فقد تم توقيع 20 اتفاقية جديدة في يونيو، منها 12 تتعلق بالطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 1183 ميجاواط. ومن بين أبرز هذه الاتفاقيات، تلك التي أبرمتها شركة “إنفينيتي جلوبال” مع شركة تقنيات أميركية لتوريد 420 ميجاواط في إيطاليا، وهي تُعد الأكبر خلال الشهر.
وتجدر الإشارة إلى أن الموقع الجغرافي لإيطاليا وبيئتها التنظيمية المشجعة ربما لَعِبَا دورًا في جذب هذا النوع من الاتفاقيات الضخمة، كما أن توافر الأراضي والمشروعات المهيّأة للربط بالشبكة يعزز من جاذبية البلاد للاستثمارات الشمسية. أما ثاني أكبر الاتفاقيات، فكانت من نصيب إسبانيا، عبر عقد بين شركتي “صنديكس” و”رينف”؛ لتطوير محفظة طاقة شمسية بطاقة 240 ميجاواط.

هيئة النقل في لندن تدخل سوق الطاقة النظيفة
وأشار تقرير “بكسابارك” إلى مشاركة نوعية جديدة في سوق اتفاقيات شراء الكهرباء المتجددة، تمثّلت في دخول هيئة النقل في لندن لأول مرة إلى هذا المضمار؛ فقد وقّعت الهيئة اتفاقية مدتها 15 عامًا مع شركة “EDF Renewables UK”؛ للاستحواذ على 20% من مشروع طاقة شمسية سيتم إنشاؤه العام المقبل، وهو ما يمثل تطورًا في انخراط مؤسسات النقل العامة في التحول الطاقي.
هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الحكومات المحلية بأهمية ربط المرافق العامة بمصادر طاقة نظيفة، بما يعزز من أهداف المدن الذكية وخفض الانبعاثات في القطاعات الخدمية، وبحسب التقرير فإن 93% من الاتفاقيات في يونيو كانت من نصيب الشركات، وهو ما يبرز هيمنة القطاع الخاص على هذا المشهد، رغم بعض المبادرات الحكومية اللافتة.
مؤشرات أسعار الطاقة في اتفاقيات يونيو
أما من الناحية الاقتصادية، فقد كشفت “بكسابارك” عن استقرار نسبي في أسعار الكهرباء ضمن الاتفاقيات الموقعة، حيث بلغت 49.6 يورو لكل ميجاواط/ساعة، بزيادة طفيفة بلغت 0.5% عن مايو، ورغم أن هذه الزيادة تبدو هامشية، فإنها تعكس توازنًا نسبيًّا في سوق يشهد عادةً تقلبات حادة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية.
غير أنه لا يمكن إغفال الفروقات بين الدول؛ إذ شهدت البرتغال وإسبانيا أعلى الزيادات السعرية بنسبة 4.9% و4.2% على التوالي، في حين تراجعت الأسعار في المملكة المتحدة بنسبة 2.7%، هذا التباين يؤكد أن أسعار الطاقة في أوروبا لا تزال خاضعة لمحددات محلية بحتة، سواءً كانت سياسية أو مناخية أو اقتصادية.
تفاوت الأسعار يكشف تحديات السوق الأوروبية
أوضح تقرير “بكسابارك” أن تباين الأسعار في أوروبا خلال يونيو هو استمرار لنمط يظهر بوضوح منذ اندلاع أزمة الطاقة في 2022 عقب الحرب الأوكرانية، التي أحدثت تحولات جذرية في سلاسل الإمداد وأسعار الغاز والكهرباء. وفي هذا السياق، شهدت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا زيادات متفاوتة في أسعار الطاقة المتجددة ضمن عقود الشراء.
وفي المقابل، سجّلت المملكة المتحدة تراجعًا ملحوظًا في الأسعار بنسبة 2.7%، وهو ما قد يكون ناتجًا عن عوامل محلية تخص إنتاج الكهرباء أو انخفاض الطلب المؤقت. أما دول شمال أوروبا وهولندا، فشهدت انخفاضات طفيفة تراوحت بين 0.2 و0.4%، وهو ما يعكس حالة من التذبذب الطبيعي في أسواق مستقرة نسبيًّا.
تُظهر هذه البيانات أن توحيد سوق الطاقة الأوروبية لا يزال بعيدًا عن التحقق، في ظل استمرار الفروقات الهيكلية والتشريعية بين الدول، ورغم الجهود الكبيرة نحو تكامل البنى التحتية وربط الشبكات القارية، فإن الفروقات في الكلفة والطاقة الإنتاجية تجعل كل دولة تسير بخطى مختلفة نحو الاستدامة.
وختامًا تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن التراجع الأخير في عقود الطاقة النظيفة بأوروبا، رغم الانتعاش الذي قادته الطاقة الشمسية في يونيو، يمثل إشارة تحذيرية لمدى هشاشة التحول الطاقي إذا لم يُدعَم بسياسات مستقرة ورؤية طويلة الأمد. وهذا التذبذب يعكس فجوة بين الطموحات المناخية والواقع الاستثماري، ويؤكد أن التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة يحتاج إلى أطر تشريعية متماسكة؛ ولذلك فإن تعزيز الحوافز، وإزالة العوائق التنظيمية، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أصبحت خطوات حتمية لضمان استدامة هذا المسار، وحماية الالتزامات المناخية للقارة الأوروبية.




