150 عامًا من الأهرام.. جريدة كتبت التاريخ من قلب مصر وصنعت وعي الشعوب

150 عامًا من الأهرام.. جريدة كتبت التاريخ من قلب مصر وصنعت وعي الشعوب
في لحظة استثنائية من لحظات الوفاء للتاريخ، وقفت مصر بأكملها تحيي الذكرى المائة والخمسين لانطلاق صحيفة الأهرام، أعرق الصحف وأكثرها تأثيرًا في الوعي المجتمعي المصري والعربي؛ فهي الكيان الفكري والوطني الذي استطاع صياغة ملامح مصر الحديثة، ودوَّنَ انتصاراتها على مدار قرن ونصف من الزمان.
وهذا الاحتفال برهان على أنَّ مؤسسة الأهرام لا تزال -بعد 150 عامًا من النجاحات- حاضرةً في الضمير المصري والعربي؛ ولذا استعرضت الجريدة في عددها التذكاري مشاهدَ من الذاكرة الوطنية، مؤكدةً أنها شريك فعلي في تشكيل وعي الشعوب العربية.

ومشاركةً في هذا الاحتفاء الوطني سوف تتناول حماة الأرض تاريخ تأسيس صحيفة الأهرام، وكيف شكَّلت الوعي المصري والعربي بين سطورها، فضلًا عن استكشاف دور الصحافة في تحقيق أهداف الاستدامة؛ فتابعوا القراءة.
عناوين الأهرام توثق تاريخ مصر
لم تحتفل الأهرام بذكرى تأسيسها بالحنين فقط، بل كشفت صفحات عددها التذكاري عن ذاكرة من مانشيتات صنعت التاريخ، منذ أول عدد صدر عام 1876 بالإسكندرية، حتى يومنا هذا، واحتفظت في أرشيفها بصورة الوطن وهو يخطو نحو المجد.

من مانشيت الحرب العالمية الأولى عام 1914 إلى إعلان الجمهورية وسقوط الملكية عام 1952، ومن تأميم قناة السويس عام 1956 إلى بناء السد العالي، حيث بدت الأهرام كأنها حافظة وطنية تسجل اللحظة وتمنحها عمرًا أطول.

وأكثر اللحظات تأثيرًا جاءت مع مانشيت “عبور قناة السويس” عام 1973، ثم بداية مفاوضات السلام ورفع العلم المصري على طابا، حيث كل عنوان كان صفحة مضيئة من كتاب تاريخ مصر. وحتى التحديات الحديثة قد مرَّت من بوابة الأهرام، لتُوثّقها للأجيال القادمة، كما لو كانت تقول في عنوان عريض: نحن هنا، نرصد، نكتب، نحفظ، ونشهد.
محطات التحول وصناعة التأثير
في داخل العدد التذكاري، أبحرت الأهرام في رحلتها الخاصة بين مؤسسيها وروّادها، بدايةً من الأخوين بشارة وسليم تقلا، مرورًا بعصر إبراهيم نافع، وانتهاءً بمحمد حسنين هيكل، الذي وصفته الصحيفة بـ”المؤسس الثاني”.
وعلى وجه التفصيل فإنَّ الأخوين تقلا قد أطلقَا الشرارة الأولى من الإسكندرية، حاملين حلمًا عربيًّا في صحافة مصرية متميزة، وبعدها جاء هيكل ليمنح الصحيفة نفَسًا سياسيًّا عابرًا للحدود، ويحولها إلى منصة فكرية تواكب عقل الدولة وتناقش تحوّلاتها بشجاعة واحتراف.
وفي عهد نافع، دخلت الصحيفة عصر التأثير الإقليمي والتوسّع الصحفي، حينما أرسى هيكل مدرسة جديدة في التحقيقات والتحليلات، ومزج بين المعلومة والرؤية. وكان تعامل هيكل مع الأهرام كما يتعامل الفنان مع لوحته؛ يعيد تشكيلها لتصبح أكثر من صحيفة.
الأهرام وضمير الأمة
وتحت عنوان “صاحبة المقام الرفيع”، خصّصت الصحيفة صفحاتها لعرض سرديتها الخاصة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الروح الوطنية؛ فلم تكن الأهرام صحيفةً فحسب، بل كانت -ولا تزال- شاهدًا على كل ما شكل وجدان هذا الوطن، ومرآةً لمستقبله.
ومن خلال مقالات الرأي ومداخلات الشخصيات العامة، عبرت الأهرام عن عمقها الثقافي ودورها الممتد في الحفاظ على الهوية المصرية والعربية؛ إذْ كانت صفحاتها نافذةً مفتوحةً على عالم الفكر والإبداع، ومنبرًا للحوار والاختلاف النبيل.
ولقد فهمت الأهرام منذ أيامها الأولى أنَّ الصحافة مسئولية يجب من خلالها تسجيل الوعي وصيانة الذاكرة؛ ولذا فقد جاء كل عدد من أعدادها بمثابة جدار يعلق عليه المصريون آمالهم وأسئلتهم، وكل مقال رأيٍ كان صوتًا من داخل وجدانهم الجماعي.
أصوات صنعت الأجيال
لم تكتفِ الأهرام بتغطية الأحداث أو توثيق الوقائع، بل كانت دائمًا منبرًا حرًّا لجميع التيارات الفكرية والسياسية؛ فقد شهدت صفحاتها شخصيات بارزة قدَّمت تحليلات وكتبت مقالات شكلت وعي أجيال من القراء.
ووفرت الصحيفة مساحةً واسعة للفكر الحر، واحتضنت أقلامًا جريئة أسهمت في بناء المشهد الثقافي المصري والعربي؛ فكانت النافذة التي أطل منها الفكرين المصري والعربي على الواقع، وتفاعل معها القارئ بعقله وروحه، لا بعينه فقط.

الصحافة ذاكرة لا تموت
اختتمت الأهرام احتفالها بكلماتٍ لمثقفين ومسئولين وسياسيين أعلوا من شأنها، واعتبروها حجر الزاوية في بناء الوعي الثقافي المصري والعربي. وقد جاءت تهنئة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتكرّس هذا المعنى، معتبرًا إياها “صرحًا وطنيًّا” لا يقل أهمية عن أي مؤسسة في مصر.
ومِن هنا فإنَّ الاحتفال بمرور 150 عامًا على الأهرام مناسبةٌ لتأكيد أهمية الصحافة الورقية ودورها في أنْ تصنع وثيقة حضارية، يمكن من خلالها إعادة قراءة التاريخ، ومواصلة السعي إلى بناء إعلام حر ومسئول.
وفي زمنٍ تطغى فيه السرعة على العمق، تبقى الأهرام صوتَ الذاكرة الوطنية، وجسرًا يربط الماضي بالمستقبل، حاملةً لواء الصحافة التي تؤمن بأنَّ الكلمة الصادقة يمكن أنْ تغير مصير أمة؛ ولهذا علينا الحفاظ على مؤسساتنا الصحفية والثقافية، لتكون شريكةً في صياغة وعي أجيال كاملة.

وختامًا، فإنَّ استدامة الوعي لا تقل أهمية عن استدامة المياه أو الهواء أو الطاقة. والأَهرام -بما تُمثّله من نموذج مؤسسي راسخ- تذكّرنا بأنَّ الثقافة والمعرفة هما الأساس لأي مستقبل مستدام، وأنَّ الكلمة الحرة جزء أصيل من منظومة العدالة الاجتماعية والبناء الأخلاقي.
وعلى ذلك تؤمن مؤسسة حماة الأرض بأنَّ مرور 150 عامًا على تأسيس صحيفة الأَهرام تذكير بقوة الكلمة في تشكيل وعي الشعوب وبناء مستقبلها، إذْ إنَّ الصحافة قادرة على أنْ تكون جزءًا من مستقبل مستدام.




