كيف تعيد أهداف التنمية المستدامة تشكيل قطاعات الصناعات المختلفة؟

كيف تعيد أهداف التنمية المستدامة تشكيل قطاعات الصناعات المختلفة؟
في عالم يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية وبيئية متزايدة، باتت التنمية المستدامة محورًا رئيسيًّا لصناعة القرارات الاقتصادية والصناعية، وتحولت من الإطار النظري إلى خطة عمل للشركات والمؤسسات الصناعية لتحقيق النمو المستدام، وتعزيز الابتكار، وضمان المساءلة أمام المجتمعات.
ومع ما يواجهه العالم من تفاوت اجتماعي وتسارع رقمي وتغيّر مناخي، تُمثّل أهداف التنمية المستدامة، التي اعتمدتها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2015، رؤية عالمية؛ فإنها تعد خريطة طريق لإعادة تشكيل عمل الصناعات؛ فمع ازدياد أهمية تلك الأهداف في توجيه نماذج الأعمال وأنظمة الإنتاج ومحاسبة الأطراف المعنية، تتسارع الشركات الكبرى والمصانع إلى تطبيقها وإدخالها حيز التنفيذ.
ومع حلول نهاية عام 2025، نجد الشركات الطموحة قد تجاوزت مفهوم المسئولية الاجتماعية التقليدية؛ إذْ باتت تدمج مبادئ الاستدامة داخل استراتيجياتها الأساسية وسلاسل القيمة ودورات الابتكار، بما يحقق توازنًا بين الربح والغاية.
وتتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال كيف تعيد أهداف التنمية المستدامة تشكيل مختلف قطاعات الصناعة، وما الذي يتعيَّن على المؤسسات فعله لتظل ذات صلة ومسئولة وقادرة على الصمود في عالم سريع التحوُّل.
ما أهداف التنمية المستدامة؟
تندرج الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة ضمن أجندة الأمم المتحدة لعام 2030، وتستهدف معالجة تحديات عالمية مترابطة، تتراوح بين الفقر والتعليم والمساواة بين الجنسين، وصولًا إلى العمل المناخي، والصناعة المستدامة، وتعزيز السلام، كما يرافق كل هدف مجموعة من المؤشرات والغايات المحددة، ليصبح بذلك دعوة عالمية للعمل توجه الحكومات والشركات ومؤسسات المجتمع المدني على حد سواء.

أهمية أهداف التنمية المستدامة لقطاع الصناعة
تؤدي أهداف التنمية المستدامة دورًا محوريًّا في قطاع الصناعة؛ إذْ تتيح:
- وضع إطار للابتكار المستدام داخل الشركات ومشروعاتها.
- تحسين إدارة المخاطر والامتثال التنظيمي بما يعزز الكفاءة والمسئولية القانونية.
- تعزيز السمعة وثقة الأطراف المعنية من عملاء وشركاء ومجتمع محلي.
- فتح آفاق التمويل والاستثمار الموجه نحو التأثير الإيجابي بما يدعم الاستدامة والنمو المستدام.
لماذا تُعد الأهداف الأممية استراتيجية أعمال؟
مع تزايد التركيز العالمي على التنمية المستدامة أصبحت أهدافها جزءًا مؤثرًا في طريقة عمل الشركات وتقييم أدائها؛ وذلك عبر عدة مجالات، مِن أبرزها:
تغير توقعات المستثمرين
لقد أصبحت معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) الآن مراجع رئيسية للاستثمار، ويواصل مديرو الأصول المطالبة بشكل متزايد بإثبات توافق الشركات مع مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، فبحسب تقرير شركة برايس وترهاوس كوبر (شركة خدمات مهنية مقرها لندن) يعتقد 79% من المستثمرين أنَّ الالتزام بأهداف التنمية المستدامة يعزز الأداء المالي الطويل الأجل.
تغير سلوك المستهلكين
تتزايد مطالب جيل الألفية وجيل Z بالشفافية والمساءلة، مع تزايد رغبتهم في دعم العلامات التجارية، التي تسهم بشكل فعَّال في الصالح الاجتماعي، وتعزز القدرة على مواجهة التحديات البيئية.
تصاعد الضغوط التنظيمية
تشدد الحكومات على متطلبات الإفصاح المناخي وتقديم معايير المشتريات الخضراء؛ إذْ تتمتع الصناعات التي تتبنى أهداف التنمية المستدامة بشكل استباقي بميزة أفضل فيما يتعلق بالامتثال وتنمية القدرة التنافسية.

كيف تعيد أهداف التنمية المستدامة تشكيل الممارسات الصناعية؟
ومع تسارع التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، باتت الصناعات مطالَبة بإعادة النظر في نماذج عملها بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، كما تقدم الأهداف الأممية إطارًا عمليًّا يدفع الشركات إلى تحديث تقنياتها، وترشيد مواردها، وتعزيز مسئوليتها البيئية والاجتماعية، ونذكر لكم هنا بعضًا من تلك الأهداف وآثارها على الصناعات:
الهدف 7: توفر طاقة نظيفة وبأسعار ميسَّرة
تتزايد استثمارات الصناعات في مصادر الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، وتقنيات إزالة الكربون؛ لتقليل الانبعاثات، وخفض تكاليف التشغيل، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- تحول مصانع الإنتاج إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
- اعتماد مراكز البيانات على الحوسبة السحابية الخضراء.
- اعتماد اللوجستيات الحضرية على أساطيل من المركبات الكهربائية.
الهدف 8: العمل اللائق ونمو الاقتصاد
تؤدي تقنيات الثورة الصناعية الرابعة دورًا مزدوجًا؛ إذْ يمكنها تمكين العمال أو إقصاؤهم ما لم تُستخدم بوعي. ويعني الالتزام بالهدف 8 من أهداف التنمية المستدامة الحرص على:
- توفير أجور عادلة وضمان بيئات عمل آمنة.
- إعادة تأهيل الموظفين من خلال برامج التعلم مدى الحياة.
- تبنِّي سياسات توظيف شاملة تضمن تكافؤ الفرص للجميع.
الهدف 9: الصناعة والابتكار والبنية التحتية
يرتبط هذا الهدف ارتباطًا وثيقًا بمسار الرقمنة الصناعية، ما يفرض على الشركات تحديث بنيتها التشغيلية وتطوير تقنيات إنتاج أكثر كفاءة ومرونة، ويشمل:
- تطوير بنية تحتية مرنة تدعم سرعة الاستجابة عبر سلاسل الإمداد.
- إنشاء مصانع ذكية تعتمد على إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات.
- بناء منصات للابتكار المفتوح تتيح التعاون وتبادل المعرفة بين الجهات المختلفة.
الهدف 12: الاستهلاك والإنتاج المسئولان
يتصاعد وعي المستهلكين اليوم نحو المطالبة بقدر أكبر من الشفافية حول كيفية إنتاج السلع ومصادرها. وتستجيب الصناعات لتلك الأسئلة عبر:
- إعادة تصميم المنتجات بما يتناسب مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
- اعتماد أساليب تقييم دورة الحياة (LCA) لقياس الأثر البيئي عبر مراحل الإنتاج كافة.
- تقليل الهدر عبر تبنِّي سياسات “صفر نفايات” وتحسين كفاءة الاستخدام.
الهدف 13: العمل المناخي
أصبحت الاستدامة اليوم عنصرًا محوريًّا في استراتيجيات الأعمال؛ إذْ باتت المخاطر المناخية تُترجم مباشرة إلى مخاطر مالية وتشغيلية، وللاستجابة لمتطلبات الهدف 13، تتجه الصناعات إلى:
- تبني أهداف علمية محددة؛ لخفض الانبعاثات وفق منهجيات معتمدة دوليًّا.
- الانخراط في أسواق الكربون من خلال آليات التعويض، وخفض الانبعاثات القابلة للتحقق.
- دمج مفاهيم القدرة على الصمود المناخي ضمن العمليات الأساسية للشركة.

أهداف التنمية المستدامة قيد التنفيذ
ومع تنامي التركيز على الاستدامة داخل استراتيجيات الأعمال -مثلما أشرنا من قبل- بدأت قطاعات مختلفة في ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات عملية واضحة. ويبرز ذلك في أمثلة متنوعة تُظهر كيف يمكن لأهداف التنمية المستدامة أنْ تتجسد داخل صناعات كبرى حول العالم، ومن بينها:
قطاع السيارات
يمرُّ قطاع السيارات بمرحلة تحول جذري، بدءًا من الاعتماد المتزايد على السيارات الكهربائية ووصولًا إلى تبنِّي ممارسات التعدين المسئول (وفق معايير بيئية واجتماعية صارمة)؛ ما دفع الشركات إلى إعادة تقييم استدامتها عبر سلسلة القيمة بالكامل، ويظهر هذا التحول جليًّا في الممارسات التي تتبنَّاها الشركات الرائدة عالميًا، ومنها:
- التزام شركات سيارات عالمية بأهداف متوافقة مع أهداف التنمية المستدامة لتحقيق الحياد الكربوني والتأثير الاجتماعي الإيجابي عبر سلاسل التوريد.
- إعادة تعريف الشركات العالمية لمعايير التصنيع المستدام عبر نموذج متكامل يغطي كل مراحل الإنتاج والتوزيع.
صناعة النسيج
تُعد صناعة النسيج والأزياء من أكثر القطاعات تحديًا على صعيد الاستدامة، خصوصًا مع انتشار نماذج الأزياء السريعة التي تستهلك الموارد بكثافة. ومع ذلك بدأت الشركات الرائدة في هذا القطاع بإعادة صياغة ممارساتها بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، من خلال مبادرات مبتكرة تشمل:
- استخدام الألياف المعاد تدويرها والمواد القابلة للتحلل الحيوي؛ للحد من الأثر البيئي، وتقليل الاعتماد على المواد الخام التقليدية.
- رقمنة عمليات التصميم والإنتاج؛ للحد من الهدر، وتحسين كفاءة استهلاك الموارد.
- إطلاق برامج لاسترجاع الملابس بهدف إعادة تدويرها وإدخالها مجددًا في دورة الإنتاج، دعمًا لاقتصاد دائري أكثر مسئولية.
قطاع الزراعة والأغذية
يعمل قطاع الزراعة والأغذية على تبنِّي ممارسات مستدامة تعزز الإنتاج المسئول وتحسن أثره البيئي، بما يتوافق مع الهدف 2 (القضاء على الجوع) والهدف 12 (الاستهلاك والإنتاج المسئولان) من أهداف التنمية المستدامة، ومن أبرز أمثلتها:
- تعهد شركات غذائية عالمية بتطوير سلاسل توريد خالية من الانبعاثات، بما يحد من الأثر الكربوني للمنتجات.
- استخدام الشركات الناشئة لتقنية “البلوك تشين”؛ لضمان تتبع مصادر المواد الغذائية، والتحقق من استدامتها، وتعزيز الشفافية أمام المستهلكين.
تحديات أهداف التنمية المستدامة في الصناعة
على الرغم من الزخم الذي تشهده قطاعات الصناعة نحو الاستدامة، فلا تزال هناك مجموعة من العقبات التي تعرقل تطبيق أهداف التنمية المستدامة بشكل فعَّال، أبرزها:
- غياب المعايير الموحدة لقياس مؤشرات أهداف التنمية المستدامة عبر القطاعات المختلفة.
- التركيز على المكاسب القصيرة المدى في اجتماعات مجالس الإدارة والأهداف الربع سنوية.
- مخاطر الغسل الأخضر (Greenwashing)؛ إذْ تبالغ الشركات في إبراز تأثيرها الإيجابي.
- نقص المهارات والخبرات في القيادة المستدامة وإدارة البيانات.
دور التحوُّل الرقمي في تسريع التنمية المستدامة
تتيح الأدوات الرقمية للشركات مستوًى أعلى من الشفافية والمساءلة والتوسع في المبادرات المستدامة، من خلال:
- إسهام الذكاء الاصطناعي في كشف نقاط الفشل وزيادة الانبعاثات الكربونية.
- رصد مستشعرات إنترنت الأشياء ومراقبتها لاستهلاك الطاقة والانبعاثات.
- تعزز المنصات الرقمية التعاون وتبادل البيانات عبر سلاسل الإمداد العالمية.

وبالتالي، أصبح التحوّل الرقمي ركيزةً أساسيةً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، فإنه يتيح للشركات مراقبة أدائها الاجتماعي والبيئي بدقة أكبر، وتحسين استهلاك الموارد، وتعزيز كفاءة العمليات التشغيلية.
كما يسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة أمام الأطراف المعنية، ويُمكّن المؤسسات من استباق المخاطر، وابتكار حلول مستدامة، بما يضمن دمج الاستدامة بشكل متكامل ضمن استراتيجياتها التشغيلية.
الاستدامة بوصفها استراتيجية
في عام 2025، أصبح الالتزام بأهداف التنمية المستدامة عنصرًا أساسيًّا للنجاح التجاري، بعد أن كان مجرد عمل خيري؛ لذا نجد أن الصناعات التي تدمج الاستدامة بشكل استباقي في عملياتها لا تكتفي بالمسئوليات العالمية فحسب، وتتخطاها لتفتح أيضًا أبواب الابتكار، والحفاظ على المواهب، وتعزيز المرونة الطويلة الأمد.
وانطلاقًا من هذا الأساس تؤمن مؤسسة حماة الأرض بأن التنمية المستدامة يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع القدرات الرقمية والتنظيمية؛ فإنَّ هاتين القضيتين تشكلان مسارين متماثلين، تدعم كل واحدة منهما الأخرى من خلال دمج الاستدامة مع التحوُّل الرقمي؛ فتصبح الشركات أكثر قدرة على الابتكار، واستباق المخاطر، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، بما يمكِّنها من الإسهام الفعليِّ في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستويين المحلي والعالمي.




