منتدى مصر للتعدين.. بوابة جديدة لاستثمار الثروات المعدنية

منتدى مصر للتعدين.. بوابة جديدة لاستثمار الثروات المعدنية
في ظل توجهات الدولة المصرية نحو تعزيز الاقتصاد المصري، شهدت القاهرة يوم الاثنين 15 يوليو 2025 انطلاق فعاليات منتدى مصر للتعدين في نسخته الرابعة، بمشاركة محلية ودولية واسعة. ويأتي هذا الحدث في وقت تتجه فيه الدولة لتعظيم الاستفادة من ثرواتها الطبيعية من خلال استراتيجيات تُعلي من شأن البنية التحتية المستدامة، وترتكز على مناخ استثماري مرن يدعم تحولًا حقيقيًّا نحو التنمية المستدامة.
ويعكس منتدى مصر للتعدين توجهًا وطنيًّا لدمج القطاع التعديني في مسار التحول المستدام والاقتصاد منخفض الانبعاثات، مع تعزيز الحوكمة المؤسسية والعدالة الاقتصادية في توزيع العوائد؛ لذا سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال أبرز ملامح المنتدى، من الإصلاح المؤسسي وتحديث البنية التحتية، إلى التكامل بين التعدين والطاقة النظيفة، وصولًا إلى العدالة البيئية وعلاقتها برؤية مصر 2030، وأهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
إصلاحات هيكلية لإعادة بناء قطاع التعدين
يأتي منتدى مصر للتعدين في إطار خطة الدولة لتحديث قطاع التعدين، من خلال تحويل الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية إلى هيئة اقتصادية حديثة، تدير الموارد الطبيعية بكفاءة وشفافية، مع تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين وتحديث العقود الخاصة باستغلال الثروات.

ويركز المنتدى على الإصلاحات الجارية لتطوير هذا القطاع الحيوي، بما يجعله أكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل، ومن خلال تعديل نظام التراخيص ومراجعة العقود، تسعى الدولة لضمان توازن عادل بين حقوق الدولة والمستثمرين والمجتمعات المحلية، بما يتوافق مع مبادئ التنمية المستدامة.
وتعمل الدولة أيضًا على رقمنة خدمات التعدين، وإتاحة بيانات جيولوجية حديثة عبر بوابات إلكترونية، تتيح للمستثمرين الحصول على المعلومات بسهولة. وتندرج هذه الجهود ضمن منظومة قانونية وتنظيمية أوسع، تهدف إلى تحسين بيئة الاستثمار وتقليل فجوة الثقة بين المستثمرين والحكومة، وزيادة إسهام القطاع في الاقتصاد الوطني وتحقيق قيمة مضافة محلية حقيقية.
البنية التحتية الذكية لتحفيز الاستثمار
وفي هذا السياق، تلعب البنية التحتية دورًا أساسيًّا في دعم نجاح هذه الخطط؛ ولذلك تم تسليط الضوء في جلسات منتدى مصر للتعدين على الترابط الوثيق بين جودة البنية التحتية وقدرة قطاع التعدين على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة؛ إذ يشكّل تطوير شبكات الطرق، وتوفير إمدادات الطاقة، وخدمات المياه والنقل، أساسًا لا غنى عنه لنجاح أي استثمار تعديني، خصوصًا في المناطق الحدودية ذات الإمكانات الجيولوجية العالية التي تتطلب وصولًا آمنًا ومستدامًا.
ولم يقتصر الطرح على الجانب الفني، وإنما شمل رؤية شمولية تجعل من البنية التحتية المستدامة أداة لتمكين المجتمعات المحلية من الاستفادة الفعلية من النشاط التعديني في محيطها؛ فحين تُربط مواقع الإنتاج بمراكز التوزيع، وتُؤسس شبكات مستدامة للخدمات اللوجستية، يصبح الاستثمار أكثر أمنًا وأقل كلفة وأكثر جذبًا لرؤوس الأموال الباحثة عن بيئات استقرار وتنمية.
بالإضافة إلى ذلك، نوقشت إمكانية دمج البنية التحتية مع أهداف تنموية أخرى، مثل إنشاء مراكز تدريب متخصصة، وخدمات تأمين صناعي، ومرافق لإعادة التدوير، بما يعزز مفهوم التكامل بين قطاعات الاقتصاد ويحول التعدين من نشاط معزول إلى محرّك ضمن منظومة تنموية متكاملة.
استخدام الطاقة النظيفة في مواقع التعدين
وفي أكثر من جلسة خلال منتدى مصر للتعدين، طُرحت تساؤلات جوهرية حول سبل دمج الطاقة المتجددة في عمليات التعدين، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وخفض الانبعاثات، وتحقيق كفاءة أكبر في استهلاك الموارد، وقد عُرضت نماذج حقيقية لمواقع تعدين تستخدم محطات طاقة شمسية لتلبية جزء من احتياجاتها التشغيلية، ضمن رؤية أشمل للتحول المستدام في القطاع الصناعي.
وقد أصبح هذا التوجه ضرورة متزايدة في ظل المتغيرات المناخية، وضغوطات السوق العالمية التي باتت تشترط التزامًا بيئيًّا أعلى من قبل الشركات المنتجة للمعادن، ويشكّل إدماج الطاقة النظيفة في سلاسل الإنتاج فرصة لتقليل التكاليف التشغيلية على المدى البعيد، وتحسين الصورة البيئية للقطاع أمام المؤسسات المالية والمستثمرين الدوليين.
مناخ استثماري تنافسي يدعم القيمة المضافة
غير أن هذا التحول يتطلب منظومة متكاملة من السياسات والتقنيات والتمويل، كما يتطلب شراكات محلية وإقليمية، ومن هنا أكد منتدى مصر للتعدين في جلساته أن النجاح في تطوير قطاع التعدين لا يُقاس فقط بحجم الاكتشافات، وإنما بقدرة الدولة على تعظيم القيمة المضافة من الخامات، من خلال التصنيع المحلي، وتطوير الصناعات الوسيطة، ودمجها في سلاسل القيمة العالمية، ويشكّل ذلك مدخلًا أساسيًّا نحو تقليص الاعتماد على تصدير المواد الخام دون معالجة أو تنمية حقيقية.
وقد أبدت وفود دولية مشاركة في المنتدى اهتمامًا واضحًا بالفرص التعدينية في مصر، خاصة في مجالات الذهب والنحاس والفوسفات، هذا الاهتمام يُعزى إلى الاستقرار التنظيمي، وتوفر البيانات الجيولوجية، والتحركات الأخيرة لتوسيع نطاق المناقصات المعلنة لاستكشاف الثروات في الصحراء الشرقية ومناطق أخرى واعدة تمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة بعد.
ولكي يكون الاستثمار طويل الأمد حقًا، يجب أن يترافق مع سياسات تحفز التوطين، وتربط بين رأس المال الأجنبي والعمالة المحلية، وتسهم في توفير فرص عمل مستدامة، ومجتمعات أكثر تماسكًا. ومن هذا المنظور، لم يكن الحديث عن القيمة المضافة اقتصاديًّا بحتًا، وإنما كان استراتيجيًّا إنمائيًّا يعيد صياغة العلاقة بين الموارد والمجتمع.

العدالة الاجتماعية في صلب التنمية التعدينية
ولفت المنتدى النظر إلى أهمية تطوير نموذج تنموي يربط بين النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، بحيث تصبح المجتمعات المحلية طرفًا فاعلًا لا متلقيًا في منظومة التعدين، ويشمل ذلك إشراك هذه المجتمعات في اتخاذ القرار، وضمان توزيع عادل للعوائد والفرص التنموية الناتجة عن استغلال الموارد في بيئتهم الجغرافية.
كما ناقش المشاركون الحاجة إلى تعزيز نظم السلامة المهنية والصحة البيئية داخل مواقع الإنتاج، بما يحقق التوازن بين الربحية وحماية العنصر البشري والطبيعة المحيطة. وهذا يتطلب التزامًا متبادلًا من الدولة والقطاع الخاص، يقوم على المسئولية الاجتماعية وتكافؤ المصالح في إطار من الشفافية والمساءلة المشتركة.
وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن منتدى مصر للتعدين لا يمثّل مجرد منصة لمناقشة قضايا قطاع التعدين، وإنما يعكس تحولًا نوعيًّا في النظرة إلى الثروات الطبيعية باعتبارها مدخلًا لبناء تنمية شاملة ومستدامة؛ فالرهان اليوم لم يعد على حجم الاكتشافات، وإنما على قدرة الدولة على توظيف هذه الموارد في تحسين جودة الحياة، وتمكين المجتمعات، وتحقيق عدالة بيئية واقتصادية متوازنة.
ويُظهر المنتدى أن النجاح في هذا المسار يتطلب شراكة واعية بين الدولة والمستثمرين وأفراد المجتمع، وأنْ تكون شراكة قائمة على الحوكمة الشفافة، والتكامل المؤسسي، والتوزيع العادل للعوائد، وهكذا يتحول التعدين من نشاط تقليدي إلى ركيزة تنموية متكاملة في مسار الانتقال نحو اقتصاد قوي، يعيد رسم العلاقة بين الإنسان والموارد على أسس من العدالة والاستدامة.




