الأراضي الخثية.. نظم بيئية طبيعية تكافح خطر التغيرات المناخية

الأراضي الخثية.. نظم بيئية طبيعية تكافح خطر التغيرات المناخية
ما زالت الأرض تبوح لنا بأسرارها التي لم تكتشف بعد، وهذه الأسرار قد تكون معجزةً لقدرات الإنسان لكونه لا يستطيع ابتكار ما يماثلها رغم التطور الهائل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وتمتلك الأرض نظمًا بيئية خاصةً بها تساعد على تحقيق التوازن البيئي دون تدخل الإنسان، وأحد هذه الأنظمة ما يعرف باسم “الأراضي الخثية” أو الأراضي الرطبة، التي تتكون بسبب تراكم بقايا النباتات في أرض مغمورة بالمياه، وحينها ينقص الأكسجين؛ فيحدث تحلُّل بطيء وغير مكتمل للمواد العضوية الموجودة في الأرض.
وقد ظلّت الأراضي الخثية غير مقدَّرة لسنوات طويلة، ويرجع ذلك إلى نقص المعرفة العلمية والبيانات الموثوقة والتصورات الثقافية التي غالبًا ما كانت تعتبرها أراضي قاحلة يجب تجفيفها لتصبح صالحة للاستخدام البشري في عمليات الزراعة أو البناء أو الرعي الجائر.
الجندي المجهول في معركة التصدي للتغيرات المناخية
رغم أنها لا تشكل سوى 3% فقط من مساحة اليابسة فإنها تخزن ما يقرب من ضعف كمية الكربون التي تخزنها جميع غابات العالم، ما يجعل منها “جنودًا مجهولة” في معركة التصدي لتغيّر المناخ، إذ إنها تعمل على تنقية المياه وتوفير مأوى لأنواع نادرة من الكائنات الحية.
وبسبب نقص المعرفة العلمية، استنزف الإنسان نسبةً كبيرة من هذه الأراضي لبعض الأغراض، وعند تضررها تطلق كمية كبيرة من الكربون ما يفاقم أزمة المناخ.

المبادرة العالمية للأراضي الخثية
وللحفاظ على هذه النظم البيئية أُطلقت المبادرة العالمية للأراضي الخثية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة باعتبارها أحد الشركاء المؤسسين، إلى جانب أكثر من 60 منظمة أخرى لحماية هذه الأنظمة البيئية الأساسية.
وحصلت المبادرة على تمويل من صندوق حماية الطبيعة التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والمبادرة الدولية المعنية بالمناخ (IKI) الذي ساعد على إطلاق أطلس البؤر الساخنة للأراضي الخثية العالمية.
يعرض الأطلس التهديدات المواجهة للأراضي الخثية ويوضح كيفية إنقاذ هذه الأنظمة البيئية الأساسية، ما يمثل نقلة نوعية في معرفة أماكنها والمخاطر المهددة لها، والأهم من ذلك، كيف يمكن استعادتها وحمايتها باعتبارها خزانات كربون مهمة.
الأراضي الخثية مركز للتنوع البيولوجي
تعد الأراضي الخثية ملاذًا لبعض أندر أنواع النباتات والحيوانات في العالم، بدءًا بحشرة اليراعة الزرقاء المتألقة في منطقة التندرا القطبية وصولاً إلى إنسان الغاب الذي يعيش في غابات بورنيو، في أراضي الغابات المطيرة الخثية، على هذه الأنظمة البيئية لتوفير موائلها ومسارات هجرتها.
ولذلك تعد الأنشطة البشرية الزائدة في هذه الأراضي مهددةً لأكثر من 300 نوع من النباتات وأكثر من 600 نوع من الحيوانات التي توجد فقط في الأراضي الخثية، مما يعرضها لخطر شديد. وتسلط الجهود المبذولة الضوء على المناطق التي تحتضن فيها الأراضي الخثية أنواع الكائنات الحية النادرة، ما يجعلها بؤرًا للتنوع البيولوجي لا بد من حمايتها بشكل عاجل.
حرائق الأراضي الخثية تصدر انبعاثات فائقة
بالرغم من كون حرائق الغابات ظاهرةً طبيعية في الأنظمة البيئية، فإن تعرض الأراضي الخثية المجففة للحرائق قد يؤدي إلى إطلاق غازات دفيئة أكثر من أي نوع آخر من الحرائق قد تصل إلى 10 أضعاف الكربون لكل هكتار (الهكتار الواحد يساوي عشرة آلاف متر مربع) مقارنة بحرائق الغابات العادية، ما يساهم بشكل كبير في تغير المناخ، أما الأراضي الخثية الرطبة فمن الممكن أن تتعرض للحرائق دون خروج انبعاثات الكربون المُخزن.
المزيد من الإجراءات لحماية الأراضي الخثية
تشير الإحصائيات إلى أن 19% فقط من الأراضي الخثية ضمن مناطق محمية، ومع ذلك فإن الأراضي الخثية في المناطق المحمية غالبًا ما تتعرض للتدهور بسبب ضعف تنفيذ القوانين والأنظمة المخصصة لحمايتها.
ومنعًا لذلك فإن خطط الحماية يجب أن تُبنى على واقع الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، وأن تأخذ في الاعتبار الاستجابة للنوع الاجتماعي، إضافة إلى إشراك مجموعة واسعة من الجهات المعنية لتحقق فاعليتها.
تعمل مبادرة الأراضي الخثية العالمية التابعة للبرنامج الأممي للبيئة على تطوير استراتيجيات وطنية جديدة للحفاظ على الأراضي الخثية، كما تعقد شراكات مع الحكومات الوطنية والباحثين المحليين للتحقق من بيانات الأقمار الصناعية ميدانياً، مع إعداد توصيات سياسية مكيَّفة لمواكبة النتائج.
وإجمالًا، من الضروري بعد هذا الاكتشاف والتأكد من مدى قدرته على تخفيف الانبعاثات عبر امتصاص كمية كبيرة من الكربون أن تتكاتف جميع الدول لتحقيق الحماية الشاملة للأراضي الخثية لمواجهة التغير المناخي وتحقيق التنمية الشاملة المستدامة.

في الختام، تظل الأراضي الخثية “الجندي المجهول” في معركتنا ضد التغيرات المناخية، إذ تُعد مخازن كربون حيوية وملاذًا للتنوع البيولوجي الفريد، وإن الجهود المبذولة من خلال المبادرة العالمية للأراضي الخثية تؤكد ضرورة تكاتف الدول لحماية هذه النظم البيئية الأساسية.
وفي هذا السياق، تؤكد مؤسسة حماة الأرض اهتمامها البالغ بهذه الأنظمة البيئية وتتابعها عن كثب، إيمانًا منها بأهمية تسليط الضوء على هذه الحلول الطبيعية ودعم التقدم نحو غاية واحدة، وهي تحقيق أهداف التنمية المستدامة لضمان مستقبل مستدام لكوكبنا.




