من أزمة الديون إلى فرص التنمية.. خطط جديدة قد تغير المعادلة

من أزمة الديون إلى فرص التنمية.. خطط جديدة قد تغير المعادلة
تتزايد تحذيرات الأمم المتحدة من أزمة ديون عالمية تنذر بإغراق البلدان الفقيرة، وتعطيل مسار التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وفي خطوة طال انتظارها صدر مؤخرًا تقرير دولي جديد يرسم خطة عمل واضحة لإنقاذ الاقتصاد العالمي من فخ الديون، وتحويل التمويل من عبءٍ يُعيق التنمية إلى محرّكٍ يُعزّزها؛ فهل تنجح هذه الخطة في إعادة رسم ملامح النظام المالي العالمي؟
وللإجابة عن هذا السؤال تستعرض حماة الأرض في السطور الآتية أبرز ما ورد في هذا التقرير التاريخي، وتُحلّل دلالاته، وتناقش إمكانات تحويله من مجرد وثيقة إلى لحظة مفصلية في مسار التنمية المستدامة على مستوى العالم كله؛ فتابعوا القراءة.
من الديون إلى التنمية
في وقتٍ تتصاعد فيه تكاليف “خدمة الديون” إلى مستويات غير مسبوقة، وهو الأمر الذي يُجبر أكثر من نصف سكان العالم على العيش في دولٍ تنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفقه على الصحة أو التعليم؛ كشفت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة –أمينة محمد– عن تقرير بعنوان “مواجهة أزمة الديون: 11 إجراءً لإطلاق التمويل المستدام“.
هذا التقرير لا يكتفي برصد مظاهر الأزمة، بل يقدّم خريطة طريق مدروسة للتحرك العاجل. وقد جاء الإعلان عنه قبيل انعقاد المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية في مدينة إشبيلية الإسبانية؛ مما يضفي على التقرير بُعدًا سياسيًّا واستباقيًّا في آنٍ معًا.
وإلى جانب السيدة/ أمينة محمد، شارك في إطلاق التقرير كلٌّ مِن الخبير الاقتصادي الدكتور/ محمود محيي الدين، والمفوض الأوروبي “باولو جينتيلوني“، ورئيسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “ريبيكا جرينسبان“، مؤكدينَ أنَّ الأزمة لم تعد “صامتة”، بل باتت تُهدّد استراتيجيات إنفاق بعض الدول على قطاعَي التعليم والصحة، وتُقيّد أي أمل في تنمية حقيقية.
وتُظهر الأرقام التي يقدمها التقرير أنَّ خطورة الوضع لم تعد محلّ نقاش؛ إذ تجاوزت خدمة الديون في الدول النامية 921 مليار دولار، بزيادة بلغت 74 مليارًا خلال عامٍ واحد، وهذا في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 3.4 مليار إنسان في بلدان تُنفق على فوائد الديون أكثر مما تنفقه على الخدمات الاجتماعية الأساسية.

أزمة تتضخم
في هذا السياق تحذِّر الأمم المتحدة من أنَّ الاقتراض لم يعد يخدم مصالح الدول ذات الدخل المنخفض بالرغم من كونه أداةً تنموية مهمة؛ إذْ إنَّ ثلثي هذه الدول أصبحت إمَّا غارقةً في ضائقة ديون وإمَّا على وشك السقوط فيها. ويبدو أنَّ الأمل الوحيد يكمن في إعادة هيكلة النظام المالي الدولي؛ كي يراعي العدالة ويحقِّق التوازن.
وقد أشار المفوض الأوروبي “جينتيلوني“ إلى أنَّ جذور الأزمة تعود بالأساس إلى ارتفاع تكلفة خدمة الديون، التي تضاعفت فعليًّا في أثناء العقد الماضي. وأمَّا “ريبيكا جرينسبان“ فقد وصفت تسارع الأزمة بأنه “خطير”، مؤكدةً أنَّ أكثر من 100 مليون إنسان قد انضموا هذا العام إلى قائمة أولئك الذين يعيشون في دولٍ تستهلك فوائدُ ديونها الحصةَ الكبرى من ميزانياتها العامة.
ولا تقف التحديات عند الحجم المتنامي للديون، بل تتعداها إلى مشكلات تتعلّق بغياب الشفافية، وسوء التنسيق بين المدينين والدائنين، وضعف القدرات المؤسسية في كثير من البلدان النامية؛ ولهذا يُجمِعُ الخبراءُ على ضرورة إصلاح شامل للنظام المالي العالمي، بدءًا من إجراءات قابلة للتطبيق، ثم شراكات دولية حقيقية.
وفي هذا الإطار يقدّم التقرير الأممي أحد عشر مقترحًا تفصيليًّا لإطلاق التمويل المستدام، تشمل إعادة توزيع السيولة، وإنشاء منصات حوار بين الدائنين والمدينين، وتعزيز القدرات المحلية في إدارة المخاطر والسياسات النقدية.
هل يشكل التزام إشبيلية مرحلة تحوّل؟
مع تفاقم الفجوة التمويلية، التي تُقدَّر بنحو4 تريليونات دولار سنويًّا، يأتي مؤتمر إشبيلية بوصفه محاولة حثيثة لحشد الإرادة السياسية من أجل إعادة تشكيل النظام المالي العالمي. وهو المؤتمر الذي تم اعتماد وثيقة تمهيدية له بعنوان “التزام إشبيلية“، تتضمّن مبادئ وأولويات لمواجهة الأزمة المالية، والعمل على تحقيق تحوّل جذري نحو نظام تمويلي أكثر عدالة وكفاءة.
ومن الجدير بالذكر، هو أنَّ التزامات هذا المؤتمر الدولي تتمحور حول تعزيز الشفافية، وإنشاء سجل عالمي للديون، وضمان تمثيل صوت الدول التي ترزح تحت وطأة الأعباء المالية، بما يحقق العدالة التنموية، في إطار شراكات عالمية تضع في حسبانها حق الشعوب في حياة مستدامة.
كما يدعو “التزام إشبيلية” إلى مضاعفة المساعدة الإنمائية الرسمية، وتوسيع نطاق إقراض بنوك التنمية المتعددة الأطراف بثلاثة أضعاف ما هي عليه الآن، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في الدول النامية، بما يُسهِم في بناء منظومة مالية أكثر شمولًا وإنصافًا.

وبخصوص هذا، أكدت أمينة محمد أنَّ الأدوات اللازمة لإحداث التغيير متوافرة بالفعل، إلا أنَّ ما ينقصها هو الإرادة السياسية. وقالت أيضًا: «الزخم الموجود اليوم هو فرصة لا ينبغي إهدارها، بل يجب تحويله إلى أفعال ملموسة». وهذا ما تسعى الأمم المتحدة إلى تحقيقه من خلال مؤتمر إشبيلية.
من أزمة إلى فرصة
لا شكَّ في أنَّ أزمة الديون تُهدّد مستقبل التنمية المستدامة وأهدافها، لكنها في المقابل تُبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاح جذري في بنية النظام المالي العالمي، وابتكار منظومة تمويل تراعي خصوصية أوضاع الدول المختلفة، وتمنحها الأدوات اللازمة للنمو الذاتي المستدام.
وعلى ذلك فإنَّ تحويل مسار الأزمة إلى فرصة ليس أمرًا مستحيلًا، بل رؤية قابلة للتحقّق، بشرط وجود التزام جماعي، وتضامن دولي، وابتكار في نماذج الحلول. ومن هذا المنطلق، يمكن لـ”التزام إشبيلية” أن يشكّل نقطة انطلاق نحو هذا التحوّل، إذا ما تمّ تنفيذه بصدق، ورافقته آليات رقابة دولية فاعلة.
ففي ظلّ تحديات اجتماعية واقتصادية وبيئية متشابكة، يمكن أنْ يسبب أيُّ تعثِّر خاص بتمويل التنمية في تداعيات مباشرة على قطاعات حيوية مثل التعليم، والصحة، والطاقة، والعمل المناخي؛ ولذا فإنَّ إصلاح نظام الديون لا يُعدّ مجرد ضرورة مالية، بل شرطًا أساسيًّا لتحقيق العدالة والتنمية.
وبناءً على ما سبق ترى حماة الأرض أنَّ الحلول المستدامة لأزمة الديون العالمية لا تقتصر على إعادة الجدولة أو تخفيف الأعباء، بل تشمل أيضًا إعادة تصوّر مفهوم التنمية بحدّ ذاته، بوصفه أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي، وضمان ألا تبقى العدالة حبيسة الجداول الحسابية.




