تصاعد دخان الحرائق في أميركا.. أزمة مناخية تتحدى الاقتصاد والاستدامة

تصاعد دخان الحرائق في أميركا.. أزمة مناخية تتحدى الاقتصاد والاستدامة
لا يخفى على أحد أنَّ دخان حرائق غابات الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبح في السنوات الأخيرة أزمةً متصاعدةً، ومشكلةً تحمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية وبيئية معقدة؛ بالتالي تحوَّلت أنظار العالم إلى هذا المشهد المناخي الساخن، خاصةً أنَّ سُحب الدخان الكثيفة صارت تسافر آلاف الكيلومترات إلى دول أخرى!
وبما أنَّ هذه الظاهرة أصبحت بتلك الخطورة فسوف تسلط مؤسسة حماة الأرض في هذا المقالِ الضوءَ على هذا الملف من منظور متوازن؛ منظور يربط بين الكارثة المناخية وتأثيرها في التنمية المستدامة وأهدافها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية؛ فتابعوا القراءة.
الدخان يتجاوز الجغرافيا ويخترق الاقتصاد
إنَّ بيانات مختبر التغير البيئي التابع لجامعة ستانفورد تشير بوضوح إلى أنَّ تغير المناخ -بما يسببه من ارتفاع في درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف- صار عاملًا محوريًّا في تأجيج حرائق الغابات، وهو ما ضاعف بدوره الأخطار الصحية الناتجة عن دخان الحرائق، بل إنَّ الأمر يتجاوز الصحة العامة ليضرب في صميم الاقتصاد وجميع محاور الاستدامة.

كذلك تكشف بيانات مختبر التغير البيئي أنَّ متوسط التعرض السنوي للفرد الأميركي لدخان حرائق الغابات قد ارتفع أربعة أضعاف بين عامَي 2020 و2024، وهذا مقارنةً بالفترة بين 2006 و2019؛ مما يهدد الصحة العامة، ويفرض على الاقتصاد الأمريكي تكاليفَ إضافيةً عديدةً؛ منها: العلاج – الخدمات الصحية – تراجع الإنتاجية.
ذلك لأنَّ الأمراض التنفسية والقلبية الناتجة عن استنشاق الجزيئات الدقيقة (PM2.5) تُرهق أنظمة التأمين الصحي، وتزيد من تكلفة غياب العمال عن أعمالهم.
كما تشير البيانات إلى أنَّ نحو 87% من الدخان المستنشق في الولايات المتحدة يأتي من حرائق نشبت خارج مناطق السكان المحليين؛ مما يجعل الأزمة شبيهة بـ”الأعباء المشتركة” (مصطلح يشير إلى توزيع المسئوليات والالتزامات بين الدول عند مواجهة تحديات التنمية المستدامة، حيث يتكبد الاقتصاد الوطني خسائر ناجمة عن عوامل خارجة عن سيطرة السلطات المحلية.
إذنْ، فإنَّ استدامة أي نظام اقتصادي حديث لم تعد ممكنة من دون بيئة نظيفة؛ لأنَّ الحدود الوطنية أصبحت -داخليًّا وخارجيًّا- عاجزةً عن حماية هذه الأنظمة الاقتصادية من آثار تغير المناخ التي تتجلى في حرائق الغابات، حيث تظل البنى الاقتصادية –من صحة واقتصاد– عرضة لأزمات مناخية لا تعترف بالجغرافيا وحدودها.

تآكل المكاسب الاقتصادية بفعل تدهور الهواء
تلك الحرائق -بدخانها المتصاعد- قد غيَّرت المعادلة؛ فبعدما أحرزت الولايات المتحدة الأمريكية تقدُّمًا عبر “قانون الهواء النظيف” في تقليص التلوث الصناعي وتحسين الصحة العامة؛ إذا بـ30 ولاية أمريكية تسجل تراجعًا في جودة الهواء -خصوصًا كاليفورنيا وأوريجون وواشنطن- بسبب زيادة معدلات الحرائق داخل الغابات.
وتشير الدراسات إلى تسجيل نحو 164 ألف وفاة مبكرة بين عامَي 2006 و2020 في الولايات المتحدة؛ بسبب الجسيمات الدقيقة الناتجة عن دخان الحرائق، منها 15 ألف وفاة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بتغير المناخ. وهذه الخسائر مأساة إنسانية ونزيف اقتصادي؛ لأنها تتسبب في تراجع الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وزيادة التعويضات الاجتماعية.
الأخطر من ذلك هو أنَّ الأعباء الصحية الناجمة عن هذه الحرائق لا تُوزَّع بالتساوي؛ إذ تتحملها الفئات الأكثر هشاشةً، مثل الأطفال، وكبار السن، والعاملين في الهواء الطلق؛ مما يوسع فجوات عدم المساواة الاقتصادية، ويقوِّض أهداف التنمية المستدامة، التي تدعو إلى العدالة الصحية، والحد من أوجه عدم المساواة.

الدخان يهدد مستقبل رأس المال البشري
في السياق نفسه، كشفت أبحاث حديثة أنَّ دخان الحرائق يضر أيضًا بالتحصيل العلمي، حيث تم الربط بين التعرض للجسيمات الدقيقة وتراجع نتائج الاختبارات بين الطلاب الأمريكيين، الذين تتفاوت أعمارهم بين 8 و14 عامًا.
لذلك فإنَّ الاستثمار في مكافحة حرائق الغابات وأسبابها المناخية ليس مجرد حماية للغابات أو إنقاذ للأرواح فقط، بل هو استثمار استراتيجي في رأس المال البشري وقوة الاقتصاد الأمريكي مستقبلًا.

خاصةً أنَّ تأثير حرائق الغابات في أمريكا يطال قطاعات حيوية أخرى، مثل النقل، السياحة، التجارة، حيث إنَّ إغلاق المطارات وتعطيل الأنشطة السياحية وتراجع حركة العمل في المدن الملوثة -على سبيل المثال- انعكاسات مباشرة على الناتج المحلي الإجمالي. كما أنَّ تكلفة الاستجابات الطارئة -من تعزيز قدرات الإطفاء إلى نشر أجهزة تنقية الهواء- تستهلك مليارات الدولارات من الموازنة العامة.
نحو رؤية اقتصادية في مواجهة الحرائق
إنَّ الربط بين دخان حرائق الغابات وتغير المناخ يبرهن على أنَّ الاستدامة لم تعد ترفًا سياسيًّا، بل شرطًا جوهريًّا لاستمرار النمو وحماية الصحة العامة. وإنَّ تحقيق أهداف التنمية المستدامة -خصوصًا المتعلقة بالصحة الجيدة والعمل اللائق والعمل المناخي- يمثل السبيل الوحيد لتقليل الخسائر المتصاعدة من الكوارث المناخية.

ذلك لأنَّ الاقتصادات التي تفشل في التكيف مع آثار التغير المناخي ستدفع فواتير باهظة في الصحة والإنتاجية والتكاليف الاجتماعية، وفي الوقت نفسه سوف تكتسب الاقتصادات التي تستثمر في التحول الأخضر ميزة تنافسية عالمية، وتحقق نموًّا أكثر استدامة وعدالة.
مِن هنا، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ مواجهة دخان حرائق الغابات تتطلب رؤية شاملة تعيد التوازن بين أبعاد التنمية المستدامة، بحيث يكون كل استثمار في العمل المناخي استثمارًا في صحة الإنسان؛ ومِن ثَمَّ يبقى الخيار واضحًا: إمَّا الاستمرار في دفع فواتير التردد، وإمَّا اختيار طريق الاستدامة، الذي يحمي الكوكب ويصون مستقبل الأجيال القادمة.




