خطى مستدامة

15 دقيقة فقط.. المدن المستدامة تساعد سكانها

المدن المستدامة

15 دقيقة فقط.. المدن المستدامة تساعد سكانها

قبل الحديث عن المدن المستدامة وأبرز تطوراتها علينا أنْ ندرك أنَّ العالم أصبح أقرب -للأسف- إلى احتمالية تجاوز درجة الحرارة التي تنص عليها اتفاقية باريس، مع توقعات بارتفاع قد يصل إلى 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، وذلك بسبب الكوارث المناخية كالعواصف وارتفاع مستوى البحر.

ولا يمكننا أنْ نتغافل -فضلًا عما سبق- عن أنَّ أكثر من 55٪ من سكان العالم يعيشون في المدن الحضرية، ومن المتوقع أنْ تصل هذه النسبة -وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية- إلى 68٪ بحلول 2050؛ مما يجعل المناطق الحضرية محوريةً في الاقتصاد العالمي.

وفي الوقت نفسه أصبحت هذه المدن الحضرية مسئولة عن 60٪ من الانبعاثات العالمية؛ فهي تُطلِق في الغلاف الجويّ أكاسيد الكربون، وغيرها من الملوثات الضارة، فضلًا عما تستهلكه هذه المدن من طاقةٍ مرتفعة -حوالي ثلثي الطاقة العالمية– في قطاعات النقل والبناء والصناعات التحويلية المتمركزة في المدن.

وانطلاقًا مما سبق سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال نموذجًا من نماذج المدن المستدامة؛ إسهامًا منها في معالجة مشكلات الازدحام والتلوث البيئي، وتحقيقًا لأهداف التنمية المستدامة؛ لذا تابعوا قراءة المقال.

مدينة الخمس عشرة دقيقة

يشير تقرير الاستثمار العالمي في الطاقة -الصادر عن وكالة الطاقة الدولية عامَ 2024- إلى أنَّ الاستثمارات في المباني والنقل والصناعة هي الأوسع انتشارًا بين جميع جهود التنمية المستدامة، وفي هذا الإطار يأتي أحدث نموذج من نماذج المدن المستدامة، والذي يمثله مصطلح “مدينة الخمس عشرة دقيقة” (The 15-Minute City)، حيث يمكن تحقيق الاستدامة ومعاييرها داخل المدن؛ مما يتيح للسكان الذهاب إلى أعمالهم ووظائفهم، وشراء احتياجاتهم اليومية، والوصول إلى المراكز الصحية والمدارس، والاستمتاع بمساحات خضراء، وذلك كله في حدود 15 دقيقة.

وليست فكرة “مدينة الخمس عشرة دقيقة” جديدة تمامًا، فقد اكتسبت زخمًا واسع النطاق بفضل الجهود التي بذلها البروفيسور “كارلوس مورينو”، الذي طوَّر هذا المفهوم عام 2016، ليصبح -لاحقًا- محورَ اهتمام شديد في سياسات التخطيط الحضري، خاصةً بعد جائحة كورونا التي أصابت العالم منذ أعوام قليلة.

وقد صار ذلك واقعًا في دولة أوروبية مثل هولندا، حيث فازت مدينتها “أوتريخت” بجائزة “مدينة الـ 15 دقيقة“، بعدما تبنَّت هذه الفلسفة الحضرية المستدامة. وفي رؤيتها المستقبلية تسعى المدينة -مدينة أوتريخت- إلى أنْ تصبح “مدينة الـ10 دقائق” بحلول عام 2040.

ولإدراك طبيعة هذه الفكرة علينا أنْ نمعن نظرنا في البنية التحتية للمدن الحالية، فهي معتمِدةٌ اعتمادًا كاملًا على السيارات ووسائل النقل العامة التقليدية، حيث يقضي الإنسان ساعاتٍ طويلةً في التنقل بين العمل والمنزل وأماكن الترفيه والتسوق.

وأمَّا “مدينة الخمس عشرة دقيقة” فهي تَقلِبُ هذه الصورة التقليدية، وتعيد توزيع الوظائف الحضرية بشكل أكثر توازنًا، بحيث تصبح الأحياء ذات وظائف حضرية متعددة، مع توفر جميع الخدمات الأساسية من متاجر، ومدارس، ومراكز صحية، ومناطق ترفيهية، وذلك كله مع تحوُّل الشوارع إلى مساحات للمشي وركوب الدراجات الهوائية، بدلًا من أنْ تكون ممرات مزدحمة بالمركبات التي تلوث البيئة.

مدينة الخمس عشرة دقيقة تحقق التنمية المستدامة

المدن المستدامة تحقق الرفاهية

في التحول إلى هذا النموذج من نماذج المدن المستدامة لا تكون البيئة ونظافتها محورَ الاهتمام الوحيد، فهي نمو حضري شامل وتنمية عمرانية واسعة، وهي كذلك خطة تستهدف تحقيق أعلى معدلات الرفاهية بين سكان المدينة، مع الإسهام في دعم الاقتصاد على أسسٍ من الرقمنةِ والحوكمةِ في القطاعات كافةً.

ذلك لأنَّ “مدينة الخمس عشرة دقيقة” توفر -من الناحية الاقتصادية- فرصًا لازدهار النشاط الاقتصادي المحلي، وحينها تحظى سلاسل الإمداد والتوريد واللوجستيات الأكثر ابتكارًا بمزيد من الانتشار والتوسع، وهو ما يدعم العلامات التجارية المحلية التي تساعد على نمو العائد الاقتصادي، بخاصة أنَّ التنقل القصير بين أماكن الشراء والخدمات والوظائف يُزيد من القدرة الشرائية للسكان.

ومن الناحية المجتمعية يساعد هذا النموذج على دعم مفهوم المدن المستدامة، التي تسعى إليه جميع الدول في ظل التحرك الملحوظ نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ لأنَّ مثل هذه المدن -المدن ذات المسافات القصيرة- تتيح لسكانها قضاء وقت طويل داخل منازلهم، حيث تنشأ بينهم روابط اجتماعية أقوى، وهو ما يعزز الانتماءَ، ويدعم استقرارَ المجتمعات.

التخطيط العمراني أولًا

لنا أنْ نعلم أنَّ مدن العالم تتلقى أقل من 20% من التمويل اللازم لتحويلها نحو الاستدامة، فهي تكافح لجذب التمويل المناخي المناسب، لا سيما في المشروعات المحلية الصغيرة، وذلك ما أكده تقرير “مدن العالم لعام 2024“؛ لذا فإنَّ “مدينة الخمس عشرة دقيقة” فرصة تستطيع بها المجتمعات أنْ تقدم أكثر فأكثر ناحية الاستدامة، وهذا لا يمنع أنَّ هناك عددًا من التحديات التي يمكنها أنْ تَحول بيننا وبين تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ومن أبرز تحديات هذا المجال هو كيفية إعادة تصميم المدن الحالية -كي تتناسب مع رؤية المدن المستدامة- إضافةً إلى التكلفة المالية التي يمكن أنْ تكون عقبة كبرى أمام تحوُّل الدول النامية نحو مجال المدن المستدامة بصورة عامة؛ فقد يكون من الصعب إقناع الحكومات والقطاع الخاص بتمويل مشروعات ضخمة لإعادة تأهيل الشوارع، وتطوير وسائل النقل التقليدية، وتحويل المباني إلى منشآت متعددة الاستخدام؛ ولعل ذلك هو السبب وراء تراجع التمويل المقدم إلى المدن مثلما أشرنا من قبل.

ومن هذا المنطلق، تواصل حماة الأرض التزامها بنشر الوعي حول مثل هذه القضايا؛ حشدًا للجهود، ودفعًا لعملية التحول نحو تخضير القطاعات كلها؛ كي نساعد على جعل العالم مكانًا أفضل للعيش، حيث يكون الإنسان والبيئة في انسجام تام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى