خطى مستدامة

معالجة مياه الصرف الزراعي في مصر.. استراتيجية شاملة نحو التنمية المستدامة

الصرف الزراعي

معالجة مياه الصرف الزراعي في مصر.. استراتيجية شاملة نحو التنمية المستدامة

في ظل تنامي الضغوط المائية والبيئية، تتجه مصر إلى استراتيجيات جديدة لمواجهة تحديات الأمن المائي والغذائي، حيث تعتمد البلاد بنسبة 97% على نهر النيل، ومن بين أبرز التحركات النوعية في هذا المسار ما دشّنته الدولة من ثلاث محطات كبرى لمعالجة مياه الصرف الزراعي، بطاقة إجمالية تبلغ 4.80 مليار متر مكعب سنويًّا، وهو ما يمثل نقلة غير مسبوقة في إدارة الموارد المائية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وفي هذا السياق، ترصد  حماة الأرض في هذا المقال ملامح التحول النوعي الذي تشهده مصر في مجال إدارة الموارد المائية، من خلال إلقاء الضوء على أبرز المشروعات التي أُنجزت لمعالجة مياه الصرف الزراعي، واستكشاف تأثيرها على الأمن المائي والغذائي، ودورها في دعم الاقتصاد الوطني، وتكريس العدالة البيئية والاجتماعية، وكيف تتفق هذه المشروعات مع رؤية مصر 2030.

مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي

في ضوء الحاجة المتزايدة لتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء، لم يكن أمام الدولة المصرية سوى تبني مشروعات جذرية تستوعب التحديات وتقدم حلولًا مبتكرة. ومن هنا جاء التوجه نحو إنشاء محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعي، تجمع بين القدرة التشغيلية الضخمة والتقنيات المتقدمة. ومن أبرز هذه المحطات:

محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر

تُعد محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر نموذجًا فريدًا في العالم، بطاقة إنتاجية تبلغ 5.6 مليون متر مكعب يوميًّا، وتم إنشاؤها جنوب أنفاق بورسعيد على مساحة 155 فدانًا، ويُستخدم إنتاجها في استصلاح 456 ألف فدان، من خلال تدوير مياه الصرف الزراعي والصناعي والصحي، وقد حصلت المحطة على شهادة موسوعة جينيس باعتبارها أكبر محطة معالجة على مستوى العالم.

محطة معالجة مياه صرف بحر البقر

محطة معالجة الدلتا الجديدة

وفي منطقة الحمام بالساحل الشمالي، أُنجزت محطة معالجة الدلتا الجديدة بطاقة 7.5 مليون متر مكعب يوميًّا، لتحقق أرقامًا قياسية عالمية، من أهم هذه الأرقام أنها الأكبر من حيث القدرة التشغيلية، وتخدم مشروع استصلاح 362 ألف فدان بغرب الدلتا، وتسهم في إنشاء مجتمعات زراعية جديدة.

محطة معالجة الدلتا الجديدة

محطة المحسمة

أما المحطة الثالثة فهي محطة المحسمة، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية مليون متر مكعب يوميًّا، وتُستخدم لاستصلاح 50 ألف فدان بسيناء، وقد صُنّفت باعتبارها مشروع العام -عالميًّا- من قِبل مجلة “Engineering News-Record” الأمريكية عام 2020؛ مما يعكس التقدير الدولي لهذا النموذج الهندسي المتميز.

محطة المحمسة

كيف توظف الدولة المشروعات لتحقيق التنمية المستدامة؟

تمضي الدولة قدمًا في توظيف هذه المشروعات العملاقة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية بعيدًا عن الوادي والدلتا، عبر استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، وإقامة مجتمعات زراعية وسكنية متكاملة توفر فرصًا معيشية كريمة، وتدعم العدالة الاجتماعية من خلال توسيع نطاق الاستفادة من التنمية على امتداد جغرافي أوسع.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تُسهم محطات معالجة مياه الصرف الزراعي في توفير ما يقرب من 40 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن دورها في دعم خطط التوسع الزراعي، وتقليص الاعتماد على استيراد محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه. وتُشير التقديرات إلى أن واردات مصر من السلع الغذائية تعادل نحو 33.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًّا، ما يبرز أهمية هذه المشروعات كركيزة محورية لتعزيز الأمن المائي والغذائي.

ومن الناحية البيئية، تُشكل هذه المشروعات خط دفاع حاسم ضد التلوث الناتج عن تصريف المياه غير المعالجة، كما تُسهم في حماية الخزانات الجوفية من تسرب مياه البحر المالحة، وتُحسن من جودة البيئة في المناطق المستصلحة، بما يعزز من فرص التوسع الزراعي المستدام.

وبهذا التكامل تُجسد مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي أحد أبرز أذرع رؤية مصر 2030، عبر تعزيز الحق في المياه والغذاء، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف (6) المتعلق بالمياه النظيفة، والهدف (2) الخاص بالقضاء على الجوع، إلى جانب الأهداف البيئية المرتبطة بالحفاظ على النظم الإيكولوجية.

التكامل مع جهود الدولة في ترشيد الاستهلاك

ولا تُعد مشروعات المعالجة وحدها كافية لتحقيق الأمن المائي، وإنما تأتي ضمن منظومة أشمل تتبناها الدولة لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة. وتشمل هذه المنظومة التوسع في تطبيق أنظمة الري الحديث، وتحديث شبكات الصرف، وتشجيع الزراعة الذكية، وغيرها من السياسات التي تهدف إلى تقليل الفاقد من المياه، ورفع كفاءة الاستخدام في مختلف القطاعات.

وفي هذا السياق، تبرز مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي بوصفها حلقة محورية في سلسلة إعادة التدوير، حيث تُمكّن من تدوير المياه بدلًا من فقدها، وتُعيد ضخها في مشروعات الاستصلاح والإنتاج الزراعي، مما يرفع من كفاءة النظام المائي كله، ويُخفّض الضغط على الموارد الطبيعية.

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي تمثل أحد أنضج تجليات الرؤية البيئية المتكاملة التي تنتهجها مصر، ليس فقط لمواجهة تحديات الأمن المائي، وإنما لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والموارد الطبيعية على أسس الاستدامة. وإن ما تحقق على الأرض هو نموذج يحتذى به في إدارة المياه ضمن مناخ عالمي مضطرب مائيًّا، ويعكس إرادة سياسية واضحة لتكريس العدالة البيئية، وتفعيل الحق في المياه النظيفة والغذاء، بما يتسق مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى