علوم مستدامة

تراجع قوانين المناخ يهدد الاستدامة في أمريكا وأوروبا

المناخ

تراجع قوانين المناخ يهدد الاستدامة في أمريكا وأوروبا

في مشهد يبدو وكأنه خطوة إلى الوراء في سباق العالم نحو مستقبل أكثر استدامة، تتجه كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تخفيف تشريعاتهما المناخية، مما يثير القلق بشأن الالتزام الدولي بالتصدي لتغير المناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ ففي حين تتسارع تداعيات التغير المناخي عالميًّا، تختار بعض الحكومات تفكيك السياسات البيئية بدلًا من تعزيزها، وهو ما يهدد موثوقية المنظومات السياسية والاقتصادية الغربية.

في الولايات المتحدة، أطلق الرئيس دونالد ترامب تصريحات مثيرة للجدل، معلنًا عزمه تفكيك وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA) بعد انتهاء موسم الأعاصير، وتحويل موارد الاستجابة للكوارث مباشرة من مكتبه الرئاسي، وأوضح ترامب أن الدعم المالي الفيدرالي للولايات في مواجهة الكوارث الطبيعية سيتقلص، في خطوة تحمل في طياتها مخاطر كبرى على قدرة المجتمعات المحلية على الصمود في وجه الكوارث المرتبطة بالمناخ.

هذا التحول لا يأتي بمعزل عن السياق الأوسع لسياسات ترامب؛ إذ تؤكد تقارير أن وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) تعتزم التراجع عن قوانين كانت إدارة بايدن قد فرضتها للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والزئبق وغيره من ملوثات الهواء الصادرة عن محطات الطاقة، هذه الخطوات تأتي تنفيذًا لوعد قطعه المسئولون في مارس الماضي، ما يعكس اتجاهًا حادًّا نحو تفكيك منظومة الحماية البيئية التي تم بناؤها على مدار سنوات.

وفي هذا المقال تتناول حماة الأرض أبرز ملامح هذا التراجع في السياسات المناخية داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مسلطة الضوء على الدوافع السياسية والاقتصادية خلف هذه الخطوات، ومدى تأثيرها في التزامات الدول بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (13) المعني بالعمل المناخي.

أوروبا تحت المجهر

ولم تكن الولايات المتحدة الوحيدة في هذا المسار؛ إذ يواجه الاتحاد الأوروبي ضغوطًا داخلية مماثلة، خصوصًا من قبل بعض الحكومات والشخصيات السياسية التي تدعو إلى تقليص القوانين المتعلقة بالاستدامة والمسئولية البيئية للشركات. أحد هذه المقترحات جاء من نائب سويدي من يمين الوسط، اقترح فيه خفض عدد الشركات الخاضعة لقوانين الاستدامة البيئية والمؤسسية، وهو توجه يتوافق مع ما وصفته المفوضية الأوروبية بمشروع “التبسيط الشامل“.

في فبراير الماضي، طرحت المفوضية هذا المشروع بهدف تقليص العبء التنظيمي عن الشركات الأوروبية، خصوصًا في مواجهة منافسة الشركات الأجنبية، عبر تقليص متطلبات التقارير البيئية وتخفيف التزامات مراقبة سلاسل الإمداد، غير أن هذا التوجه يثير مخاوف جدية حول مصير الالتزامات الأوروبية فيما يخص أهداف التنمية المستدامة، خاصة وأن هذه الخطوات ينظر إليها باعتبارها تنازلات قد تضعف من قدرة الاتحاد على جذب الاستثمارات المستدامة.

وقد أعرب عدد من المستثمرين والناشطين البيئيين عن قلقهم من هذه التراجعات، مؤكدين أن تقليل متطلبات الشفافية والمساءلة قد يضعف الثقة في بيئة الأعمال داخل أوروبا، ويعرقل جهود التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، موضحين أنه لا يوجد تعارض بين تعزيز الاقتصاد وحماية البيئة.

غاز الميثان في مرمى التبسيط

ولم تتوقف دعوات التراجع عند حدود التشريعات العامة، وإنما طالت واحدة من أكثر القوانين البيئية أهمية في الاتحاد الأوروبي، وهي تلك المتعلقة بانبعاثات الميثان، الذي يعد ثاني أكبر غازات الدفيئة بعد ثاني أكسيد الكربون، حيث تشير وثيقة اطلعت عليها وكالة رويترز إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تضغط على بروكسل لإدراج قانون الميثان ضمن خطة “التبسيط”، بما يعني تخفيف الإجراءات التنظيمية المفروضة على مستوردي النفط والغاز.

هذه المطالبات قد تؤدي إلى تخفيف قبضة الاتحاد الأوروبي على قطاع الطاقة، وهو ما يتناقض مع التزامات اتفاقية باريس للمناخ، ومع مبدأ “الملوث يدفع” الذي تتبناه السياسات البيئية الحديثة؛ فالتراجع في قوانين الميثان قد يفتح الباب أمام مزيد من التراخي في مراقبة الانبعاثات، وهو ما يعيد أوروبا إلى نقطة الصفر في معركتها ضد تغير المناخ.

بين التنافسية والاستدامة

يعكس المشهد العام توجهًا مقلقًا نحو التراجع التقدم الذي تم إحرازه في السنوات الماضية على صعيد التشريعات البيئية، سواء في الغرب أو خارجه، وفي وقت تتعاظم فيه الحاجة إلى سياسات طموحة لمواجهة تحديات المناخ، يبدو أن بعض القوى السياسية تعود إلى الوراء، مفضلة المصالح قصيرة الأجل على مستقبل الكوكب.

وفي حين تكافح دول الجنوب العالمي لجذب الاستثمارات نحو مشروعات البنية التحتية الخضراء والطاقة النظيفة، تُرسل التراجعات الأوروبية عن بعض التشريعات البيئية إشارات مقلقة قد تُضعف الزخم العالمي للتمويل المناخي، وترى حماة الأرض أن هذه اللحظة تتطلب وقفة ناقدة؛ لأن مستقبل الكوكب لا يحتمل مزيدًا من التراخي أو المساومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى