أخبار الاستدامة

اليابان وإفريقيا ومصر.. شراكة اقتصادية لبناء مستقبل مستدام انطلاقًا من “تيكاد 9”

اليابان

اليابان وإفريقيا ومصر.. شراكة اقتصادية لبناء مستقبل مستدام انطلاقًا من “تيكاد 9”

في مدينة يوكوهاما اليابانية، حيث تتقاطع حضارة الشرق الآسيوي مع تطلعات القارة الإفريقية، انطلقت فعاليات الدورة التاسعة من مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا “تيكاد 9” بين 20 و22 أغسطس، لتجمع قادة نحو خمسين دولة إفريقية إلى جانب كبار مسئولي المنظمات الدولية. ويُنظر إلى هذا المؤتمر باعتباره منصة استراتيجية لإعادة رسم ملامح الشراكة بين اليابان وإفريقيا، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحولات كبرى مع تراجع النفوذ الأميركي وتنامي الحضور الصيني.

وفي المؤتمر أعلن رئيس الوزراء الياباني “شيجيرو إيشيبا” عن مبادرة اقتصادية طموحة تربط بين المحيط الهندي وإفريقيا، في محاولة لجعل القارة مركز جذب جديد للاستثمارات اليابانية. هذه المبادرة تحمل بعدًا متعدد الأوجه يشمل الطاقة، الصحة، الزراعة، والابتكار، في إطار ما يُعرف بـ”الاستثمار ذي الأثر” الذي يجمع بين الربح المالي والفائدة الاجتماعية والبيئية.

غير أن الأهمية الكبرى لهذا التوجه الياباني تكمن في الرؤية التي يطرحها: اقتصاد لا ينفصل عن الاستدامة، ونمو لا يتعارض مع البيئة أو رفاه الإنسان. هنا يظهر دور تيكاد 9 الذي يعد جسرًا جديدًا بين شمال العالم وجنوبه، يربط الطموح الاستثماري بالمسئولية الإنسانية.

الاقتصاد في قلب الشراكة اليابانية – الإفريقية

يُدرك صناع القرار في طوكيو أن إفريقيا لم تعد مجرد سوق ناشئة، وإنما باتت فضاء اقتصاديًّا متناميًا يمتلك قوة بشرية شابة وموارد طبيعية هائلة، ومن هنا جاءت فكرة “المنطقة الاقتصادية إفريقيا–المحيط الهندي”، التي تهدف إلى جذب الشركات اليابانية، خصوصًا تلك التي تتمركز في الهند والشرق الأوسط، نحو الاستثمار في القارة.

هذا التوجه يتجاوز المنطق التقليدي للاستثمارات؛ إذ لا يقتصر على ضخ رءوس الأموال، وإنما يسعى إلى بناء شراكات طويلة الأمد قائمة على خلق القيمة المضافة محليًّا؛ فاليابان لا تراهن فقط على البنية التحتية أو استخراج الموارد، وإنما على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي الإفريقي بما يتيح فرص عمل حقيقية، ويعزز الإنتاجية الصناعية والزراعية.

الاقتصاد الدائري

الرهان الأكبر هنا هو تحرير التجارة بين إفريقيا ومنطقة آسيا–المحيط الهادئ، بما يفتح مجالًا جديدًا للتبادل التجاري بعيدًا عن المحاور التقليدية المرتبطة بأوروبا أو الولايات المتحدة. هذا التوجه -إذا نجح- يمكن أن يغير قواعد اللعبة الاقتصادية على الساحة العالمية، ويخلق نموذجًا جديدًا للتكامل بين الجنوب والشرق.

في هذا الإطار، تبدو الاستدامة جزءًا لا يتجزأ من المعادلة؛ فاليابان تسعى إلى توظيف خبراتها في التكنولوجيا الخضراء والطاقة المتجددة، من أجل تحويل إفريقيا إلى مركز اقتصادي يوازن بين النمو والعدالة البيئية، وهو ما يتوافق مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف (7) “الطاقة النظيفة، وبأسعار معقولة”، والهدف (8) “العمل اللائق ونمو الاقتصاد”.

الاستثمار في الطاقة والتحول الأخضر

من بين أبرز ملامح المبادرة اليابانية تخصيص 1.5 مليار دولار لمشروعات تحول الطاقة في إفريقيا، هذه الخطوة تحمل دلالة مزدوجة؛ فمن جهة، هي استثمار اقتصادي يعزز مكانة الشركات اليابانية في سوق ناشئة، ومن جهة أخرى، هي استثمار بيئي يسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية ويدعم استقلالية القارة في مجال الطاقة.

التركيز على مشروعات الطاقة المتجددة، خاصة في مجالات الرياح والطاقة الشمسية، يعكس وعيًا استراتيجيًّا بضرورة بناء اقتصاد منخفض الكربون؛ فاليابان -التي خبرت التحديات البيئية بعد عقود من التصنيع الكثيف- تسعى إلى تصدير نموذجها في التنمية الخضراء إلى القارة الإفريقية.

الطاقة المتجددة

هذه المشروعات لا تقتصر على البنية التحتية فحسب، وإنما تحمل آثارًا اقتصادية بعيدة المدى؛ فإقامة محطات طاقة محلية تعني خلق وظائف جديدة في مجالات البناء والتشغيل والصيانة، وتعني أيضًا تخفيف الاعتماد على الوقود المستورد، بما يقلل من أعباء الميزانيات الوطنية. ومن زاوية أوسع، فإن الاستثمار الياباني في الطاقة النظيفة يعزز قدرة إفريقيا على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبالأخص الهدف (13) “العمل المناخي”.

الصحة على قمة أولويات التنمية الاقتصادية

يمتد طموح اليابان في إفريقيا ليشمل تعزيز البنية التحتية الصحية؛ إذ تتضمن المبادرة الاستثمار في الشركات الناشئة التي تقدم حلولًا مبتكرة لإدارة المستشفيات وتحسين الخدمات الطبية. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن الاقتصاد القوي لا يقوم إلا على مجتمع يتمتع بالصحة والقدرة على الإنتاج والإبداع.

وفي قارة ما تزال تواجه فجوات واسعة في مجال الرعاية الصحية، يكتسب هذا الاستثمار قيمة مضاعفة، فهو من جهة يفتح آفاقًا لقطاع يَعِد بعوائد اقتصادية، ومن جهة أخرى يسهم مباشرة في تحسين حياة الملايين عبر توسيع نطاق الخدمات الصحية.

وتقوم هذه الرؤية على إدراك متزايد بأن الصحة لم تعد تُعامل باعتبارها قطاعًا اجتماعيًّا فحسب، وإنما باعتبارها داعمة اقتصادية أساسية؛ إذ تتيح قوة عاملة أكثر إنتاجًا ومجتمعات أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات، ومن هنا يتجلى الهدف (3) من أهداف التنمية المستدامة، “الصحة الجيدة والرفاه”، باعتباره جزءًا أصيلًا من الإستراتيجية اليابانية، في صياغة توازن يجمع بين الربح والاستدامة ضمن مفهوم “الاستثمار ذي الأثر”.

المنتدى المصري الياباني

ومع هذا التوجه الذي يربط بين الاقتصاد والتنمية البشرية، برزت مصر في قمة تيكاد 9 بحضور فعال، حملت من خلاله أجندة ثرية للتعاون الثنائي، تُوّجت بعقد المنتدى المصري الياباني للاستثمار؛ فقد حملت مصر على وجه الخصوص ملفًا ثريًّا للتعاون مع اليابان، تُوّج بعقد منتدى الاستثمار المصري الياباني الذي جمع كبرى الشركات من الجانبين.

وذلك التعاون كان من خلال مشاركة رئيس الوزراء المصري الدكتور/ مصطفى مدبولي، رفقة وزراء بارزين، مثل الدكتورة/ رانيا المشاط وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والدكتور/ محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، إضافة إلى المهندس/ وليد جمال الدين “رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس”. ومن الجانب الياباني، حضر “يوويتشيرو كوجا” وزير الدولة للاقتصاد والتجارة والصناعة، وكذلك قيادات بارزة في مجلس الأعمال المصري الياباني المشترك.

رئيس مجلس الوزراء

هذا المنتدى كان ساحة فعلية لتوقيع 12 اتفاقية وخطابات نوايا تعكس الرغبة في تعزيز التعاون الاستثماري المتبادل، شملت هذه الاتفاقيات قطاعات استراتيجية واسعة، من التعليم الفني وتطوير المناهج الدراسية، إلى الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، مرورًا بالتصنيع والصناعات الهندسية، ووصولًا إلى السياحة والترفيه. هذا التنوع يعكس وعيًا مشتركًا بأن الاقتصاد المستدام لا يقوم على قطاع واحد، وإنما على شبكة مترابطة من المجالات التي تدعم بعضها البعض وتخلق قيمة مضافة مستدامة.

أحد أبرز محاور المنتدى تمثل في توقيع اتفاقيات لتطوير البنية التحتية للطاقة النظيفة، حيث شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس شراكات مع شركات يابانية لتطوير مرافق التزود بالوقود الأخضر، خاصة الأمونيا والهيدروجين. هذه الخطوات تضع مصر في موقع متقدم باعتبارها مركزًا إقليميًّا للطاقة النظيفة، بما يتفق مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف (7) “الطاقة النظيفة”، ويخدم أيضًا جهود تقليل الانبعاثات على مستوى النقل البحري العالمي.

أما في مجال التعليم، فقد حمل المنتدى طابعًا مختلفًا يقوم على نقل المعرفة والخبرة اليابانية إلى المنظومة المصرية؛ فالاتفاقيات الموقعة مع شركات مثل “كاسيو” و”سبريكس” و”ياماها” ركزت على تحديث مناهج الرياضيات، وإدخال تقنيات تعليمية جديدة، وتعزيز تعليم الموسيقى في المدارس المصرية. مثل هذه الخطوات لا تقتصر على البعد الثقافي والتعليمي، وإنما تمثل أيضًا استثمارًا طويل المدى في رأس المال البشري، بما يضمن تكوين جيل مؤهل للمنافسة في سوق العمل العالمية، محققًا الهدف (4) “التعليم الجيد”.

امتدت الاتفاقيات -كذلك- إلى مجالات السياحة، واللوجستيات، والصناعات التكنولوجية، بما يعزز قدرة مصر على تنويع مصادر الدخل القومي، ويفتح أمام الشركات اليابانية فرصًا جديدة في سوق حيوية مثل السوق المصري. هذه الشراكات لا تخدم طرفًا واحدًا، بل تخلق مصالح متبادلة تُعزز من قوة الاقتصادات المحلية وتدعم سلاسل التوريد على المستويين الإقليمي والعالمي.

منافسة الصين

لا يمكن قراءة التوجه الياباني في إفريقيا بمعزل عن المنافسة مع الصين؛ ففي حين اعتمدت بكين على سياسة القروض الضخمة وتمويل البنية التحتية السريعة، اختارت طوكيو مسارًا مختلفًا يقوم على الاستثمار طويل الأمد في القطاعات الاجتماعية والبيئية. هذا الاختلاف في النهج يعكس فلسفة اقتصادية متمايزة؛ فاليابان تراهن على “الاستثمار المسئول” الذي يترك أثرًا حقيقيًّا في حياة الشعوب، بدلًا من التركيز على المؤشرات السطحية للنمو.

الابتكار وتمكين الشباب

يتجلى في الرؤية اليابانية وعي عميق بدور الشباب الإفريقي الذين يشكلون أكثر من نصف سكان القارة، وهو ما جعلهم محورًا رئيسيًّا في مبادرات طموحة مثل برنامج “NINJA” لدعم الشركات الناشئة، ومبادرة “Tomoni Africa” التي تسعى إلى تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين شباب اليابان وإفريقيا.

ولا تقف هذه البرامج عند حدود التعليم أو النشاط الاجتماعي، وإنما تمثل استثمارًا مباشرًا في المستقبل؛ إذ تُتيح للشركات الناشئة إنشاء أسواق جديدة، فيما يسهم التبادل الثقافي في ترسيخ جسور الثقة وبناء شراكات طويلة الأمد بين الشعوب.

وفي الختام، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ قمة “تيكاد 9” وما رافقها من منتديات موازية -مثل المنتدى المصري الياباني- أظهرت بوضوح أنَّ مستقبل الاقتصاد الدولي يتجه نحو شراكات قائمة على الاستثمار المسئول والتنمية المستدامة؛ لأنَّ اليابان تقدم نموذجًا اقتصاديًّا يوازن بين الطموح الاستثماري والحس الإنساني، في لحظة يحتاج فيها العالم إلى حلول تتجاوز النمو الكمي لتلامس النوعية الحقيقية للحياة المستدامة؛ مما يجعل من أهداف التنمية المستدامة إطارًا عمليًّا يوجه السياسات والمشروعات، ويحول الاستثمار إلى وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى