تلوث البلاستيك في المحيطات.. أزمة بيئية واقتصادية تهدد الاستدامة العالمية

تلوث البلاستيك في المحيطات.. أزمة بيئية واقتصادية تهدد الاستدامة العالمية
منذ عقود تتراكم الأدلة العلمية التي تكشف عن الآثار الكارثية للبلاستيك على الحياة البحرية، بدءًا من ابتلاع الكائنات له وتشابكها فيه، مرورًا بتدمير المواطن الطبيعية، وصولًا إلى تسرب المواد الكيميائية السامة. هذه المخاطر دفعت المجتمع الدولي إلى التحرك، عبر تشريعات تستهدف التخلص التدريجي من البلاستيك أحادي الاستخدام، وتطبيق مبدأ مسئولية المنتج الممتدة، وتشجيع البدائل القابلة للتحلل، وفرض قيود على تجارة النفايات البلاستيكية.
ومع ذلك بقيت الاستجابات الوطنية والإقليمية عاجزة عن مواجهة حجم الأزمة؛ مما دفع المجتمع الدولي نحو مفاوضات دولية لإبرام معاهدة عالمية للبلاستيك تكون مُلزمة قانونيًّا، وتشمل معالجة التلوث البحري، غير أنَّ التحدي الأكبر يكمن في الإرث البلاستيكي؛ أي ملايين الأطنان التي تراكمت بالفعل في المحيطات، فحتى لو توقفت الانبعاثات الجديدة غدًا، ستظل هذه الكميات موجودة عقودًا وربما قرونًا، مؤثِّرةً في النظم البيئية والاقتصاد العالمي بخسائر متزايدة، سواء من خلال تراجع الثروة السمكية، أو ارتفاع تكاليف السياحة الساحلية، أو تضرر سلاسل التوريد البحرية.
وهذا ما يجعل القضية ليست بيئية فقط، وإنما اقتصادية أيضًا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خصوصًا الهدف (12) “الاستهلاك والإنتاج المسئولان”، والهدف (14) “الحياة تحت الماء” ، وفي هذا السياق سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال هذه الأزمة، وتستكشف كيفية إسهام السياسات الدولية في تحويل هذه التحديات إلى فرصة نحو تنمية أكثر استدامة.
البلاستيك العائم
تشير الدراسات إلى أن أكثر من نصف الكتلة البلاستيكية المنتجة سنويًّا تتكون من بوليمرات أقل كثافة من مياه البحر، وهذا ما يجعلها تطفو بعد وصولها إلى المحيطات. بعضها يعود سريعًا إلى الشواطئ، فيما يظل جزء كبير عالقًا في الدوامات البحرية، مثل دوامة شمال المحيط الهادئ أو ما يعرف بـ “بقعة النفايات الكبرى”؛ فهذه المنطقة وحدها تضم ملايين الأطنان من البلاستيك، مصدرها الأساسي أدوات الصيد المفقودة أو المهملة.

الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة يتجلى بوضوح في قطاعي الصيد والسياحة؛ فالصيادون يخسرون مواردهم حين تستمر معدات الصيد المفقودة في “الصيد الشبحي” (تحدث ظاهرة الصيد الشبحي عندما تظل تصبح معدات الصيد الملقاة في المياه أو المفقودة في المحيطات فخًّا تقع فيه الأسماك أو الأحياء البحرية الأخرى؛ وهذا قد يقتل كل ما يعلق دون تمييز)؛ مما يقلص المخزون السمكي، ويؤدي إلى خسائر سنوية تقدر بمليارات الدولارات. كما أن الشواطئ الملوثة بالنفايات البحرية تصبح أقل جذبًا للسياح؛ مما ينعكس على عائدات السياحة الساحلية، وهي صناعة تمثل شريانًا اقتصاديًّا أساسيًّا لعديد من الدول الجزرية والدول الساحلية النامية.
إلى جانب ذلك، يترتب على انتشار البلاستيك في سلاسل القيمة البحرية تكاليف خفية، مثل إصلاح السفن المتضررة من الاصطدام بالنفايات، أو تنظيف موانئ الصيد والممرات البحرية. هذه التكاليف المتزايدة تضع عبئًا ماليًّا على الحكومات والقطاع الخاص، وتؤكد أن التلوث البلاستيكي ليس مجرد أزمة بيئية، وإنما تهديد اقتصادي عالمي يستدعي حلولًا قائمة على التعاون الدولي.

خطر الميكروبلاستيك
واحدة من أكثر الجوانب تعقيدًا في أزمة البلاستيك هي تحوله التدريجي إلى جزيئات دقيقة تُعرف بالميكروبلاستيك والنانوبلاستيك، وهذه الجزيئات تنتشر في المياه ويصعب رصدها أو التخلص منها. ورغم إمكانية تقليص الانبعاثات عبر السياسات الوقائية، فإنَّ العبء البيئي الناتج عن البلاستيك المتحلل سيظل متراكمًا في البيئة من حولنا؛ مما يفاقم الأضرار البيئية والاقتصادية على المدى البعيد.
من الناحية الاقتصادية، يؤثر الميكروبلاستيك بشكل مباشر في ما يعرف بـ الاقتصاد الأزرق، أي الأنشطة الاقتصادية المعتمدة على الموارد البحرية؛ إذ تكشف النماذج البيوجيوكيميائية أن تلوث المحيطات بالميكروبلاستيك يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الأولية بنسبة تصل إلى 55% في بعض المناطق، وانخفاض تصدير الكربون الحيوي إلى الأعماق بنسبة قد تصل إلى 65%.
هذا الانخفاض لا يقتصر أثره على البيئة البحرية، وإنما يترجم إلى خسائر في الثروة السمكية وتراجع في الأمن الغذائي، وهذا ما يهدد دخل ملايين البشر الذين يعتمدون على البحر باعتباره مصدر الدخل الأساسي لهم.
كما أن تسرب الميكروبلاستيك إلى السلسلة الغذائية يفتح الباب أمام تكاليف صحية مرتفعة؛ إذ تصل هذه الجزيئات إلى موائد البشر عبر الأسماك والأحياء البحرية، وما بين ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وانخفاض إنتاجية القوى العاملة نتيجة التأثيرات الصحية المحتملة، نجد أن الميكروبلاستيك يشكل عبئًا اقتصاديًّا إضافيًّا غير مرئي، إلا أنه بالغ الخطورة.

التساؤلات حول التكلفة
رغم أن الجميع يدرك أن خفض انبعاثات البلاستيك من المصدر هو المدخل الأكثر فاعلية لمواجهة الأزمة، يبقى السؤال قائمًا: كيف يمكن التعامل مع الإرث البلاستيكي المترسّب في البحار والمحيطات؟ وفي إطار البحث عن طريقة لذلك، أطلقت بعض المبادرات بالفعل مشروعات لتنظيف المسطحات المائية على نطاق واسع، غير أن هذه الجهود لم تسلم من انتقادات حادة تتعلق بكلفتها الاقتصادية وأثرها البيئي.
فمن جانب تعتمد عمليات التنظيف البحري على استثمارات هائلة في المعدات والسفن المتخصصة، وتستهلك كميات ضخمة من الوقود، وهو ما يعني انبعاث المزيد من الغازات الدفيئة، وتقدّر الدراسات أن تنظيف بقعة شمال المحيط الهادئ وحدها خلال عشر سنوات قد يولد نحو 2.9 مليون طن من الكربون، أي ما يعادل الانبعاثات الصادرة عن مدن كاملة، هذه المعادلة تجعل خبراء البيئة يشككون في جدوى توجيه الموارد إلى التنظيف بدلًا من الاستثمار في إجراءات الوقاية.
ومن ناحية أخرى، يرى مؤيدو عمليات التنظيف أن الفوائد الاقتصادية بعيدة المدى قد تتجاوز التكاليف؛ فالتقليل من تفتت البلاستيك إلى ميكروبلاستيك قد يحمي الثروة السمكية وصحة النظم البيئية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الأمن الغذائي والاقتصاد الأزرق، وهنا يظهر البعد الاقتصادي في صورته الكاملة: أي موازنة التكاليف المباشرة للتنظيف مع الخسائر الاقتصادية التي قد تنجم عن ترك التلوث يتفاقم.

الاقتصاد الدائري
الجدل حول تكلفة الوقاية مقابل تكلفة التنظيف يكشف عن ضرورة تبني نهج أكثر شمولية، يقوم على الاقتصاد الدائري، هذا النهج يركز على تقليل إنتاج البلاستيك من الأساس، وإعادة استخدامه وتدويره بشكل فعّال، بدلاً من السماح له بالتسرب إلى البيئة.
من الناحية الاقتصادية فقد يكون الاستثمار في الاقتصاد الدائري أكثر جدوى من استمرار نموذج الإنتاج والاستهلاك الحالي؛ فوفقًا للتقديرات، يمكن أنْ يوفر العالم مئات المليارات من الدولارات سنويًّا عبر تحسين أنظمة إدارة النفايات، وتوسيع نطاق إعادة التدوير، وتطوير بدائل قابلة للتحلل.
كما أنَّ هذه السياسات تولّد فرص عمل جديدة في مجالات التكنولوجيا الخضراء والبنية التحتية البيئية؛ مما يعزز تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (8) “العمل اللائق والنمو الاقتصادي”.
إضافة إلى ذلك، يسهم الاقتصاد الدائري في تقليل الاعتماد على المواد الخام، ويحد من التكاليف البيئية والصحية المترتبة على البلاستيك، وهو ما يعني أن الحل الاقتصادي ليس فقط في معالجة النفايات الحالية، وإنما في إعادة تصميم النظام الإنتاجي بأكمله بحيث يكون متوافقًا مع مبادئ الاستدامة.

نحو معاهدة اقتصادية وبيئية لإنقاذ المحيطات
التلوث البلاستيكي في المحيطات لم يعد مجرد قضية بيئية أو علمية، وإنما أصبح تحديًا اقتصاديًّا عالميًّا يهدد استدامة الموارد الطبيعية وأمن الشعوب؛ فمن خسائر الصيد والسياحة، إلى تكاليف الرعاية الصحية، وصولًا إلى الأعباء الخفية على سلاسل القيمة البحرية، يتضح أن تجاهل المشكلة سيؤدي إلى أضرار اقتصادية تفوق بكثير تكاليف مواجهتها.
وإن المفاوضات الجارية لصياغة معاهدة عالمية للبلاستيك تمثل لحظة فارقة في مسار مواجهة الأزمة؛ فإذا نجحت الدول في التوصل إلى اتفاق ملزم يوازن بين خفض الانبعاثات وتنظيف التلوث القائم وتعزيز الاقتصاد الدائري، فإن العالم قد يضع نفسه على مسار جديد أكثر استدامة، هذا المسار لن يحمي المحيطات فقط، وإنما سيضمن أيضًا مستقبلًا اقتصاديًّا أكثر أمنًا للأجيال القادمة.
في ضوء ما سبق فإنَّ مؤسسة حماة الأرض تنشر الوعي بأهمية تقديم حلول مبتكرة تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وموارده الطبيعية ضمن إطار الاقتصاد الدائري. ومن هنا يصبح الدور الدولي الحاسم في إنجاح معاهدة عالمية للبلاستيك ضرورة استراتيجية لحماية الأمن الغذائي، وضمان استدامة سلاسل القيمة البحرية، وتخفيف الأعباء الصحية والاقتصادية على المجتمعات.




