خطى مستدامة

اليوم العالمي للعمل الإنساني 2025.. صرخة من أجل الإنسانية والاستدامة

العمل الإنساني

اليوم العالمي للعمل الإنساني 2025.. صرخة من أجل الإنسانية والاستدامة

في التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يقف العالم في لحظة تأمل عميقة أمام يومٍ يتجاوز كونه مناسبة أممية، ليغدو وقفة ضمير جماعية تُعيد التذكير بجوهر الإنسانية، وتجدّد العهد مع أولئك الذين يشقون طريقهم إلى بؤر الأزمات والحروب والكوارث؛ ليكونوا خط الدفاع الأول عن الحياة، حيث يجيء اليوم العالمي للعمل الإنساني؛ ليحمل في طياته شهادة حيّة على ما يقدمه هؤلاء من تضحيات جسيمة، وقد جعلوا من أرواحهم جسرًا يصون حياة الآخرين ويمنح الأمل في أصعب الظروف.

هذا العام تتجلى الرسالة بوضوح غير مسبوق؛ فالمنظومة الإنسانية العالمية بلغت أقصى طاقتها في وقت تتسارع فيه الأزمات، ويتراجع التمويل، وتتصاعد الهجمات ضد العاملين الإنسانيين بشكل لم يشهده العالم من قبل. وهؤلاء الذين يُفترض أن يكونوا محميين أصبحوا أهدافًا مباشرة للنيران، حيث سُجّل في عام 2024 مقتل أكثر من 380 عاملًا إنسانيًّا، بينهم من استُهدفوا داخل منازلهم، فيما ينذر عام 2025 بمشهد أكثر قسوة مع ارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدة إلى ما يزيد على 305 ملايين إنسان حول العالم.

إن هذا الواقع المأساوي لا يفضح فقط هشاشة النظام الإنساني، وإنما يكشف كذلك عجز المجتمع الدولي عن فرض القوانين التي يفترض أن تحمي المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، حيث أصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة، وتحول الصمت الدولي إلى غطاء لاستمرار الانتهاكات.

ومن هذا المنطلق، يكتسب اليوم العالمي للعمل الإنساني أهميته القصوى باعتباره تذكيرًا عاجلًا بضرورة تحرك جماعي يحمي المنظومة من الانهيار، دفاعًا عن حياة ملايين المدنيين الذين يتوقف بقاؤهم على المساعدات، وصونًا لحقوق العاملين الذين يدفعون ثمن التزامهم بالإنسانية.

الإنسانية تحت الحصار

تكشف الأرقام عن حجم الأزمة الإنسانية التي يعيشها العالم اليوم؛ لتؤكد أن ما نواجهه ليس مجرد تحدٍ عابر، وإنما هو أزمة تهدد جوهر وجودنا الإنسان؛. ففي عام 2025، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 305.1 مليون شخص في 72 بلدًا سيحتاجون إلى مساعدات عاجلة، بتكلفة تصل إلى 47.4 مليار دولار، ومع ذلك، فإن التمويل لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات، وهو ما يعني أن الملايين سيبقون دون إغاثة.

وقد كان الأطفال الضحايا الأكثر هشاشةً في هذه الأزمات؛ لأنَّ هناك نحو 400 مليون طفل حول العالم يعيشون في مناطق نزاع أو يفرون منها، أي أن طفلًا من بين كل خمسة أطفال يُحرم من الأمان والاستقرار. وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 2024 وحده حُرم أكثر من 52 مليون طفل من التعليم بسبب النزاعات.

أمَّا الكوارث المناخية فتزيد الوضع خطورة؛ ففي عام 2023 شهد العالم 363 كارثة مرتبطة بالمناخ تسببت في نزوح 26.4 مليون شخص، وأثرت بشكل مباشر في السكن والغذاء والاقتصادات؛ فلم يعد تغيّر المناخ أزمة بيئية فقط، وإنما أصبح تحديًا إنسانيًا متكاملًا يهدد الأمن الغذائي، والصحة، والاستقرار الاجتماعي.

الأطفال الضحايا الأكثر هشاشةً

وذلك كله يضعنا -بشكل أو بآخر- أمام ارتباط وثيق بين العمل الإنساني وأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، خاصة الهدف رقم (13) المتعلق بالعمل المناخي والهدف رقم (2) القضاء على الجوع.

غزة والسودان.. جرح الإنسانية المفتوح

وفي الوقت الذي يزداد المشهد قتامة في مناطق متعددة من العالم، تبقى غزة والسودان نموذجين صارخين للألم الإنساني؛ ففي غزة جرى تهجير نحو 90% من السكان بحلول منتصف عام 2024، أي ما يقارب 1.9 مليون إنسان اقتُلعوا من بيوتهم، إلى جانب ذلك يعاني القطاع من دمار شبه شامل في البنية التحتية التعليمية والصحية؛ ليترك جرحًا عميقًا في مستقبل المجتمع.

وفي السودان، تتفاقم المأساة الإنسانية يومًا بعد يوم؛ فهناك ما يقرب من 11 مليون نازح داخلي، أي ما يعادل 30% من السكان، كما يواجه نحو 25 مليون شخص أزمة غذاء حادة، فيما يُقدّر أن أكثر من 755 ألفًا يعيشون فعليًّا في أوضاع شبيهة بالمجاعة. هذه المآسي تكشف أن النزاعات المسلحة لا تقتصر آثارها على القتل المباشر، وإنما تمتد لتضرب أساسيات الحياة من مأوى وغذاء وتعليم.

ما يحدث في غزة والسودان هو جزء من سياق عالمي يتسم بالانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين، حيث قُتل أكثر من 36 ألف مدني في 14 نزاعًا مسلحًا في عام 2024، معظمهم بأسلحة متفجرة في المناطق الحضرية. هذه الأرقام -حين ترتبط بالقصور في التمويل والغياب المستمر للمساءلة- تؤكد أن العالم يسير في اتجاه فقدان إنسانيته.

المناشدة العالمية

في مواجهة هذه الحقائق، أعاد العالم إطلاق حملة من أجل الإنسانية؛ لتكون صرخة في وجه الصمت الدولي، ومحاولة لإعادة تسليط الضوء على أولويات لا تحتمل التأجيل، مثل حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين، وإعمال القانون الدولي، وتمويل عمليات الإغاثة بشكل كامل.

وإلى جانب دعوة المؤسسات، فإن الحملة تسعى أيضا إلى حشد الضغوط الشعبية لتغيير موازين القوى ودفع الحكومات وأطراف النزاع إلى تحمل مسئولياتها. إن حملة “من أجل الإنسانية” هي محاولة لانتشال النظام الإنساني من حافة الانهيار، وهنا يتجلى دور الإعلام، والمنظمات المدنية، والجمهور العريض في المشاركة عبر نشر الوعي، ومساءلة صناع القرار، والمطالبة بمحاسبة من ينتهكون القانون الدولي الإنساني.

العمل الإنساني ركيزة لبناء مستقبل آمن

العمل الإنساني ليس مجرد استجابة طارئة للأزمات، وإنما هو فعل يرسخ أسس الحياة الكريمة ويصون حق الإنسان في الأمان والعدالة؛ فعندما تُمد يد العون لإنقاذ الأرواح أو لحماية المدنيين من ويلات العنف، فإننا لا نوقف نزيف المعاناة فقط، وإنما نفتح الطريق أمام المجتمعات لتتعافى وتعيد بناء نفسها على أسس أكثر قوة وإنصافًا.

ويأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني ليذكرنا بأن النزاعات والكوارث بكل صورها لا تُقاس فقط بخسائرها المباشرة، وإنما بما تتركه من أثر طويل على مسار التنمية والعدالة الاجتماعية؛ فأي انتهاك لكرامة الإنسان هو تراجع عن الأهداف المشتركة للبشرية، وأي تأخير في دعم الجهود الإنسانية يعني إطالة أمد الفقر والجوع والحرمان.

أهداف التنمية المستدامة

لذلك تؤمن مؤسسة حماة الأرض بأنَّ إحياء هذا اليوم في عام 2025 ليس مجرد مناسبة للتأمل أو الحداد، وإنما هو دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في منظومتنا الإنسانية، وكيف يمكن أن تصبح أكثر عدلًا وفعالية، حيث إن العالم يقف أمام مفترق طرق يفرض علينا إعلاء قيم التضامن، والتمسك بالقانون الدولي، والعمل بروح جماعية تضع الإنسان في صدارة الأولويات؛ فحماية العاملين وصون كرامتهم هي مقياس لإنسانيتنا، وحين نربط بين العمل الإنساني وأهداف التنمية المستدامة، فإننا نصنع الأمل في مستقبل أفضل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى