الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة في سباق حاسم نحو التنمية المستدامة

الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة في سباق حاسم نحو التنمية المستدامة
من الرعاية الصحية إلى التعليم، ومن الصناعة إلى التنبؤ بالكوارث المناخية، بات الذكاء الاصطناعي مدمجًا في تفاصيل حياتنا اليومية، حيث أصبح أكثر من مجرد أداة تقنية، وإنما حجر الأساس لعالمنا الرقمي الجديد، غير أن هذا التوسع السريع يثير تساؤلًا ملحًا: من أين سنأتي بالطاقة الكافية لتشغيل كل هذه الخوارزميات؟
ففي الوقت الذي ينصبّ التركيز العالمي على البرمجيات والروبوتات والقدرات التحليلية الهائلة التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما يتم تجاهل أحد أبرز التحديات الخفية، وهي الطاقة؛ فالبنية التحتية التي تقف خلف هذه التكنولوجيا العملاقة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء؛ مما يهدد بتضخم البصمة الكربونية في حال لم يتم التعامل معها ضمن رؤية مستدامة.
ولعل ما يجعل هذا الملف أكثر إلحاحًا هو أن الطاقة التي تحرك قطار الذكاء الاصطناعي اليوم ليست نظيفة في معظم الأحيان؛ إذ تشير توقعات المعهد الأمريكي لأبحاث الطاقة الكهربائية إلى أن مراكز البيانات في الولايات المتحدة وحدها قد تستهلك 9% من إجمالي الطاقة الكهربائية بحلول عام 2030، وهنا تبرز أهمية تفعيل مسار جديد يربط بين تقدم الذكاء الاصطناعي وتوفير حلول طاقة منخفضة الكربون وقادرة على النمو بشكل متوازٍ.
وسوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال كيف يمكن لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية أن تتحول من عبء بيئي محتمل إلى محفز رئيسي نحو مستقبل أكثر استدامة، بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (7) المتعلق بالطاقة النظيفة، والهدف (9) المتعلق بالصناعة والابتكار، والهدف (13) المرتبط بمواجهة تغير المناخ؛ فتابعوا القراءة.
الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى طاقة
في وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم حدود الممكن في شتى الميادين، تتزايد الحاجة إلى إدراك الحقيقة القاسية الكامنة خلف هذا التقدم، وهي أن الطاقة التي يحتاجها ليست بلا ثمن؛ فكل عملية تعلم آلي، وكل تريليون عملية حسابية تُجرى في الثانية، تتطلب موارد طاقة ضخمة.
وفقًا للوكالة الدولية للطاقة، من المتوقع أن يتجاوز استهلاك الكهرباء الخاص بمراكز البيانات عالميًا 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030 أي أكثر من ضعف ما يُستهلك حاليًّا، وما يعادل تقريبًا استهلاك اليابان بأكملها، وتُعد أنظمة الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لهذا النمو، حيث يُتوقع أن تستهلك المراكز المُعدّة لها أربعة أضعاف الكهرباء الحالية في غضون خمس سنوات فقط.
في الولايات المتحدة، يُتوقع أن تمثل مراكز البيانات نحو نصف نمو الطلب على الكهرباء خلال السنوات الخمس المقبلة، وإذا تم الاعتماد على الوقود الأحفوري أو شبكات الكهرباء التقليدية لتلبية هذا الطلب، فإن الثورة الرقمية قد تتحول إلى عبء بيئي يُهدد أهداف المناخ العالمية بدلًا من دعمها.
وفقًا لهذه المعطيات نجد أنفسنا في مفترق طرق، فإما أن نستمر في بناء ذكاء اصطناعي ملوث، أو أن نتبنى نموذجًا يدمج بين التقنية المتقدمة والطاقة النظيفة بشكل متكامل واستراتيجي.
الطاقة النظيفة تطرق أبواب الذكاء الاصطناعي
ولمواكبة القفزات الرقمية، ينبغي إعادة رسم مشهد الطاقة العالمي؛ فما يُشغل مراكز البيانات اليوم في أغلب الأحيان هو مزيج من الشبكات الكهربائية التقليدية، والمولدات العاملة بالديزل، وبطاريات الليثيوم، غير أن هذه المصادر باتت غير كافية، لا من حيث الكفاءة، ولا من حيث الاستدامة، لتلبية احتياجات العصر الجديد.
ومن هنا بدأت الأنظار تتجه نحو حلول بديلة أكثر نظافة ومرونة، مثل الطاقة النووية المتقدمة، والطاقة الحرارية الجوفية، والطاقة الشمسية القابلة للتخزين، وتُعد هذه النماذج واعدة على المدى الطويل؛ إذ توفر طاقة موثوقة ومنخفضة الكربون مع إشغال محدود للأراضي.

وبالرغم من الإمكانيات الهائلة، فإن هذه التقنيات تعاني من معوقات بيروقراطية وتحديات تمويلية وتأخيرات زمنية في الإنشاء، وهذا ما يجعل من الطاقة الشمسية القابلة للتخزين الحراري خيارًا أكثر واقعية في المدى القريب، حيث تسمح بتوليد الطاقة خلال النهار وتخزينها على شكل حرارة، تُحوَّل لاحقًا إلى كهرباء عند الحاجة.
وتجدر الإشارة إلى أن ما يميز هذه الأنظمة هو أنها لا تعتمد على بطاريات قد تتدهور بمرور الوقت؛ مما يجعلها خيارًا أكثر موثوقية لمراكز البيانات التي تتطلب تشغيلًا دائمًا دون انقطاع، وهو ما يجعلها أيضًا ركيزة مثالية لبناء مستقبل ذكاء اصطناعي نظيف ومستدام.
الطاقة التي تحتاج إليها مراكز البيانات
تشير بيانات جديدة من “وود ماكنزي” إلى أن القدرة الاستيعابية لمراكز البيانات في الولايات المتحدة قد وصلت مع نهاية عام 2024 إلى أكثر من 92 جيجاواط، مقارنة بـ 5 جيجاواط فقط في بداية عام 2023، أي زيادة تقارب عشرين ضعفًا خلال أقل من عامين.
وتُظهر هذه القفزة أن شركات التقنية لم تعد تكتفي بالمراكز التقليدية في وادي السيليكون، وإنما باتت تتوسع في مناطق جديدة، بعضها يفتقر إلى بنية تحتية قوية أو مصادر طاقة نظيفة، وهنا تبرز فائدة التقنيات المرنة مثل الطاقة الشمسية الحرارية، التي تسمح ببناء مراكز بيانات عالية الأداء في مناطق نائية أو محدودة الإمكانيات.
هذه المرونة تتيح للمشغلين اختيار المواقع الأنسب دون الحاجة إلى الاعتماد على الشبكات التقليدية أو مصادر الوقود الأحفوري، كما تُسهم في توسيع نطاق الوصول الرقمي ليشمل مناطق كانت مهمّشة تقنيًّا، بما يعزز من العدالة الرقمية ويُحقق الهدف (10) من أهداف التنمية المستدامة والمتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة.
تأسيس بنية تحتية ذكية
ولأن التحوّل الرقمي المستدام لا يُبنى على البرمجيات وحدها، وإنما على بنية تحتية تُمكّن هذا التحول وتُوجّهه، يبرز دور البنية التحتية الذكية باعتبارها العنصر الحاسم في ربط التقنية بالطاقة والاقتصاد؛ فتأسيس منظومات الذكاء الاصطناعي على مصادر طاقة نظيفة لا يقتصر على دعم أهداف المناخ، وإنما يفتح آفاقًا لتحولات اقتصادية أعمق، حيث تتحول مراكز البيانات من عبء بيئي محتمل إلى مراكز تنموية فاعلة تُولّد فرص عمل محلية، وتُعزز الابتكار، وتُعيد رسم خريطة النفوذ الرقمي عالميًّا.
ومن هنا تصبح البنية التحتية الذكية حلقة الوصل بين التكنولوجيا والاستدامة، شريطة أن تُبنى على مصادر طاقة نظيفة وموثوقة؛ فبدلًا من الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري وما يرافقه من مخاطر بيئية وجيوسياسية، يتيح التحول إلى الطاقة النووية الآمنة، والطاقة الحرارية الجوفية، والتخزين الشمسي، تأسيسَ منظومات مرنة تُواكب الذكاء الاصطناعي دون المساس بالكوكب.
إن دمج هذه المصادر النظيفة ضمن شبكة طاقة مرنة بات ضرورة استراتيجية لإعادة بناء البنية التحتية على أسس مستدامة، تُواكب تسارع الذكاء الاصطناعي دون أن تُثقل كاهل البيئة؛ فمزج الطاقة النووية الآمنة، والحرارية الجوفية، والتخزين الشمسي ضمن شبكة متكاملة يخلق نموذجًا عالميًّا يمكن أن يُحتذى به، والأهم من ذلك أنه يُجسّد توافقًا حقيقيًّا بين طموحات التكنولوجيا الحديثة وأولويات التنمية المستدامة، بما في ذلك أمن الطاقة، والعمل المناخي، والنمو الاقتصادي المنصف، والعدالة الاجتماعية.
وفي ضوء هذا التحوّل العالمي، ترى حماة الأرض أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع الذكاء الاصطناعي، وإنما في احتوائه ضمن نموذج تنموي يحترم حدود الكوكب ويُعيد توزيع مكاسب التكنولوجيا بعدالة؛ فالبيئة لا يجب أن تدفع ثمن التحول الرقمي، كما أن المجتمعات الهشة لا ينبغي أن تُترك على هامش الثورة الصناعية الجديدة.




