تحول استراتيجي في الأمن الغذائي.. مصر على طريق الاكتفاء الذاتي من القمح

تحول استراتيجي في الأمن الغذائي.. مصر على طريق الاكتفاء الذاتي من القمح
في قلب صحراء مصر وحقولها الممتدة، تُكتب اليوم فصول جديدة من قصة كفاح طويلة مع القمح، حبة الذهب التي شكّلت عبر التاريخ رمزًا للحياة والاستقرار. غير أن المشهد هذه المرة مختلف؛ فالأرقام تعلن عن تحول استراتيجي لم تعرفه البلاد منذ عقود، حيث ينخفض الاعتماد على القمح المستورد إلى مستويات قياسية، ويقترب الحلم الوطني بالاكتفاء الذاتي من أن يصبح واقعًا ملموسًا.
من هنا، لم تعد مصر تكتفي بدور المستورد الأكبر في العالم، وإنما بدأت في طريقها نحو الريادة الزراعية، مستندة إلى إرادة سياسية واضحة، وبحث علمي متطور، ومُزارع يعرف أن كل حبة قمح يزرعها، هي لبنة في جدار أمن غذائي يحمي أجيال المستقبل.
وفي مشهد يعكس ملامح تحول استراتيجي عميق في ملف الأمن الغذائي، سجلت مصر خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 انخفاضًا غير مسبوق في وارداتها من القمح، حيث هبطت الكميات المستوردة بنسبة 31%، من 8 ملايين طن في الفترة ذاتها من عام 2024 إلى 5.5 ملايين طن فقط، وهو أدنى مستوى منذ ثلاث سنوات.
هذه الأرقام تعكس تغيرًا جوهريًّا في طريقة إدارة الدولة لسلعة تُعد شريان حياة على موائد المصريين، كما يعكس هذا التراجع الحاد سياسة حكومية واعية تسعى إلى تقليل الاعتماد على الأسواق العالمية المتقلبة، عبر مزيج متكامل من الاعتماد على المخزون الاستراتيجي، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد. وفي ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع معدلات التضخم عالميًّا، باتت هذه الخطوة ضرورة استراتيجية، حيث عززت من استغلال الموارد الداخلية، وخففت الضغط على العملة الصعبة، ورفعت قدرة البلاد على التفاوض مع الموردين.
وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، فقد حافظ على وتيرة شبه مستقرة في الواردات بانخفاض طفيف لم يتجاوز 7%، وهو ما يعكس أن التغيير الجوهري حدث في الاستراتيجية الحكومية، التي أعادت رسم خريطة إمداد البلاد بالقمح بشكل أكثر توازنًا وأقل عرضة للمخاطر الخارجية.

مصر تعيد رسم خريطة استيراد القمح
لم يقتصر التغيير على خفض حجم الواردات، وإنما امتد ليشمل إعادة رسم خريطة الاستيراد بالكامل؛ فقد شهدت مصر تحولًا واضحًا نحو تنويع مناشئ الاستيراد (يشير مصطلح مناشئ الاستيراد إلى البلدان أو المناطق التي يتم منها تصدير السلع أو الخدمات)؛ لتقليل الاعتماد على مصدر واحد، خصوصًا مع ما يشهده العالم من اضطرابات في سلاسل الإمداد؛ فروسيا -التي كانت المورد الأكبر تقليديًّا- تراجعت صادراتها لمصر بنسبة 47%، في حين ارتفعت الواردات من أوكرانيا بنسبة 15%؛ لتبلغ 1.5 مليون طن.
هذا التغيير جاء ضمن خطة لزيادة عدد مناشئ الاستيراد من 15 منشأ في 2021 إلى 22 منشأ في 2024، مقارنة بـ11 منشأ فقط في 2014. هذه المرونة تمنح مصر قدرة أكبر على التعامل مع أي تقلبات في الأسعار أو توفر الكميات، وتقلل من احتمالية تعرض السوق المحلية لهزات مفاجئة.
ويُضاف إلى ذلك أن تنويع المصادر يمنح الدولة فرصة للاستفادة من الأسعار التنافسية وتحقيق جودة أعلى، خاصة إذا ارتبط الاستيراد بشروط فنية ومعايير جودة، تضمن وصول قمح عالي القيمة الغذائية إلى الأسواق والمخابز. وهذا التوجه يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، تحديدًا الهدف رقم (2) المتعلق بالقضاء التام على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي، حيث يُسهم في بناء نظام غذائي قادر على الصمود أمام الأزمات العالمية.
الثورة الزراعية.. التكنولوجيا في خدمة الفلاح
الأرقام الإيجابية لا يمكن أن تتحقق دون زيادة الإنتاج المحلي، وهو ما قاد الدولة إلى الاستثمار بكثافة في البحث العلمي الزراعي، حيث نجح مركز البحوث الزراعية في استنباط وتسجيل خمسة أصناف جديدة من القمح، تتميز بإنتاجية تتجاوز 20 إردبًّا للفدان، إضافة إلى مقاومتها للأمراض والتغيرات المناخية. هذه الأصناف تمثل نقلة نوعية في زراعة القمح؛ إذ توفر إنتاجية عالية مع جودة متميزة، وهو ما يحفز المزارعين على تبنيها.
ولضمان وصول هذه الأصناف إلى جميع المزارعين، تمت تغطية 100% من المساحات المزروعة بالتقاوي المعتمدة، وتوزيعها عبر المنافذ والجمعيات الزراعية في مختلف المحافظات، حيث تضمن هذه الخطوة عدم تفاوت الإنتاجية بين المناطق، وتمنح الفلاحين فرصة متكافئة للاستفادة من التقدم العلمي.
كما أطلقت الدولة حملة قومية للنهوض بالقمح، تضمنت الحقول الإرشادية والمدارس الحقلية والندوات التدريبية، إضافة إلى إعداد “خريطة صنفية” تحدد الأصناف الأنسب لكل محافظة وفقًا لمناخها ونوعية تربتها، وهو ما يرفع كفاءة الزراعة ويعزز الإنتاج.
وهذا الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية يمثل تطبيقًا عمليًّا للابتكار في خدمة الأمن الغذائي، ويتوافق مع الهدف رقم (9) من أهداف التنمية المستدامة، الذي يركز على تعزيز البحث العلمي وتطوير البنية التحتية.
مشروعات قومية ومنظومة تخزين حديثة
التحول لم يكن على مستوى الإنتاج وحده، وإنما شمل منظومة التخزين والنقل، وهي حلقات حاسمة في ضمان استقرار الإمدادات؛ فمنذ عام 2014 توسعت مصر في إنشاء الصوامع الحديثة؛ ليرتفع عددها من 35 إلى 81 صومعة في 2025، وهو ما ضاعف السعة التخزينية من 1.2 مليون طن إلى 3.4 ملايين طن. كما تم تطوير 21 صومعة وتحويل 105 شون ترابية إلى هناجر مطورة، ما خفّض الفاقد من القمح الذي كان يكلف الدولة مليارات الجنيهات سنويًّا، وأتاح حفظ المحصول بجودة عالية لأطول فترة ممكنة.
وإلى جانب منظومة التخزين، جاءت الطفرة في المشروعات الزراعية الكبرى التي أطلقتها الدولة خلال العقد الأخير، مثل “الدلتا الجديدة“ و”تنمية سيناء” و”شرق العوينات”، والتي أضافت 2.2 مليون فدان من الأراضي المستصلحة منذ 2014؛ لتوفر مساحات جديدة لزراعة القمح والمحاصيل الاستراتيجية الأخرى.
وقد حرص السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على متابعة هذه المشروعات عن قرب، ودائمًا ما يشارك بنفسه في مواسم حصاد القمح في مواقع متعددة،؛ ليؤكد سيادته أنَّ هذا الملف يظل أولوية ثابتة في أجندة الدولة، وأنَّ دعم المزارع وتحقيق الاكتفاء الذاتي قضية أمن قومي قبل أن تكون هدفًا اقتصاديًّا.
لذلك فإن هذه المشروعات لا تحقق الأمن الغذائي فحسب، وإنما تدعم أهداف التنمية المستدامة عبر زيادة الرقعة الزراعية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وضمان الاستخدام الأمثل للأراضي بما يعزز الاستدامة البيئية ويؤسس لاقتصاد زراعي قوي قادر على الصمود أمام التحديات المستقبلية.

دعم المزارع هو حجر الأساس
وإدراكًا من الدولة أن الفلاح هو الركيزة الأولى لتحقيق الاكتفاء الذاتي، جرى رفع سعر توريد القمح إلى 2200 جنيه للإردب في 2025، مقارنة بـ725 جنيهًا في 2021 و420 جنيهًا في 2014. وهذه القفزة في الأسعار تمنح المزارع عائدًا مجزيًا، وتحفزه على التوسع في زراعة القمح.
كما خُفّضت تكلفة معدات الحصاد إلى 1000 جنيه للفدان، وتم تجهيز 420 نقطة تجميع لاستلام المحصول وسداد المستحقات خلال 48 ساعة فقط. هذه التسهيلات اللوجستية والإدارية تجعل عملية التوريد أكثر سهولة وكفاءة، وتزيد من التزام المزارعين بالمشاركة في منظومة التوريد الرسمية.
في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن مصر تدخل مرحلة جديدة في إدارة ملف القمح، مرحلة تتجاوز فكرة سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على الصمود أمام تقلبات المناخ والأسواق العالمية، مع تعزيز قوة المزارع ودعم التكنولوجيا البحثية.
وإنَّ هذا التحول يعد ركيزة من ركائز الأمن القومي، وخطوة عملية على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحصين الأمن الغذائي للأجيال القادمة؛ لذا تجد مؤسسة حماة الأرض في هذه التجربة المصرية نموذجًا ملهمًا لدمج السياسات الزراعية المتطورة مع أهداف التنمية المستدامة، حيث تتلاقى جهود الدولة والبحث العلمي والمجتمع في مسار واحد، يضع البيئة والإنسان في قلب معادلة التنمية، ويبرهن على أنَّ الاستثمار في الأرض والمزارع هو الاستثمار الأجدى لمستقبل أكثر استقرارًا وأمنًا.




