الشمس الاصطناعية حلم يتحول إلى حقيقة علمية

الشمس الاصطناعية حلم يتحول إلى حقيقة علمية
البحث عن مصادر طاقة نظيفة ومستدامة حلم يراود البشرية؛ إذ يمثل الحل الأمثل للحد من اعتمادنا على الوقود الأحفوري، وتقليل تأثيرات التغير المناخي. وفي الوقت الذي تتنوع فيه الحلول الواعدة، يبرز الاندماج النووي الذي يحاكي التفاعلات الطبيعية داخل الشمس؛ ليصبح أملًا حقيقيًّا في إنتاج طاقة غير محدودة ونظيفة تمامًا.
من هنا -في إنجاز غير مسبوق- حقق علماء صينيون إنجازًا علميًّا مذهلًا في هذا المجال، حيث تمكن المفاعل التجريبي فائق التوصيل (EAST)، المعروف باسم “الشمس الاصطناعية”، من الحفاظ على بلازما فائقة الحرارة لمدة 1,066 ثانية (أكثر من 17 دقيقة متواصلة)، متجاوزًا رقمه القياسي السابق البالغ 403 ثوانٍ.
هذه القفزة العلمية ليست مجرد رقم يُضاف إلى سجل الإنجازات، بل تحمل في طياتها دلالات عميقة على اقتراب البشرية من تحقيق ثورة في مجال الطاقة النظيفة؛ لذا سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال تفاصيل هذا الإنجاز المذهل، ونتائجه، والتحديات التي تعترض طريق تحقيق حلم الطاقة غير المحدودة؛ فتابعوا قراءة المقال.
طاقة متجددة من الشمس الاصطناعية
ليس من قبيل المصادفة أن يُطلق العلماء على مفاعل (EAST) لقب “الشمس الاصطناعية”؛ فهو مصمم ليحاكي التفاعلات النووية التي تحدث داخل الشمس، حيث تندمج ذرات الهيدروجين في ظل حرارة وضغط هائلين، مولدة كميات هائلة من الطاقة، غير أن الفارق الجوهري هنا أن العلماء يسعون إلى السيطرة على هذه التفاعلات داخل بيئة آمنة، مما يتيح إمكانية إنتاج طاقة نظيفة وغير محدودة دون أي أخطار نووية.
وعلى عكس الانشطار النووي المستخدم في المفاعلات النووية التقليدية، فإن الاندماج النووي الذي يحدث في الشمس الاصطناعية لا يولد نفايات مشعة طويلة الأمد ولا ينطوي على أخطار كارثية مثل الانفجارات النووية، وإذا نجحت التجارب في تحويل هذه التقنية إلى مصدر طاقة تجاري؛ فقد يكون بإمكان البشرية الاستفادة من طاقة مستدامة لا تنضب، تمامًا كما تفعل الشمس منذ مليارات السنين.
ما يجعل هذا الإنجاز الصيني استثنائيًّا هو المدة غير المسبوقة التي حافظ فيها المفاعل على البلازما مستقرة عند درجات حرارة تفوق 100 مليون درجة مئوية، وهي حرارة تفوق حرارة مركز الشمس! ولم يكن الأمر سهلًا؛ فالحفاظ على استقرار البلازما ضمن حقل مغناطيسي قوي يتطلب تقنيات متطورة، وهو ما نجح فيه العلماء الصينيون هذه المرَّة، متجاوزين جميع الأرقام القياسية السابقة.
وقد أوضح “سونج يونتاو” مدير معهد فيزياء البلازما التابع للأكاديمية الصينية للعلوم أن تحقيق هذا الرقم القياسي يمثل خطوة جوهرية نحو بناء مفاعلات اندماج نووي قادرة على توليد طاقة متواصلة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تقربنا أكثر من اليوم الذي يمكن فيه للاندماج النووي أنْ يصبح المصدر الأساسي للطاقة، بديلًا عن الفحم والغاز والنفط؛ مما قد يغيّر مستقبل البشرية بالكامل.
تعاون دولي للاستفادة من الشمس الاصطناعية
ورغم أنَّ هذا الاختراق تحقق في الصين، فإن الأبحاث في مجال الاندماج النووي تُجرى ضمن تعاون دولي واسع النطاق؛ فمنذ عام 2006 تشارك الصين في مشروع المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (ITER)، وهو أكبر مشروع عالمي لأبحاث الاندماج النووي، حيث تسهم بحوالي 9% من عمليات البناء والتشغيل لهذا المشروع الضخم الذي يُبنى في فرنسا.
غير أن هذا التعاون يتجاوز مجرد الأبحاث العلمية، فهو يعكس إدراك الدول لأهمية إيجاد حلول جماعية لمشكلات الطاقة العالمية؛ إذ لم يعد بإمكان أي دولة بمفردها مواجهة التحديات البيئية المتزايدة أو تلبية الطلب المتنامي على الطاقة النظيفة.
ومن هذا المنطلق تشارك دول كثيرة في أبحاث الشمس الاصطناعية، إيمانًا منها بأهمية هذا المشروع، ويفتح مفاعل (EAST) أبوابه للعلماء من جميع أنحاء العالم؛ ليكون منصة لتبادل المعرفة والتجارب، في خطوة تؤكد أن مستقبل الطاقة النظيفة ليس مسئولية دولة بعينها، بل هو مسار عالمي يتطلب تضافر الجهود لتحقيقه.
هل تنجح الشمس الاصطناعية؟
وكما هو الحال مع أي قفزة علمية، فإن تحويل هذه الفكرة إلى واقع تجاري لا يزال يواجه تحديات كبيرة، من بينها عقبات تقنية واقتصادية يجب تجاوزها قبل أن يصبح الاندماج النووي مصدرًا رئيسيًّا للطاقة، وبيان ذلك على النحو التالي:
- التحدي الأكبر يكمن في تحقيق “المعادلة الإيجابية للطاقة”، وهو أنْ ينتج المفاعل طاقة تفوق تلك التي يستهلكها لتشغيل نفسه. وحتى الآن لم يتمكن أي مفاعل اندماجي من تحقيق هذه المعادلة، وهو ما يُشكل العائق الرئيسي أمام تبني هذه التقنية على نطاق واسع.
- تحتاج المواد المستخدمة في بناء المفاعل إلى تحمل درجات حرارة شديدة الارتفاع، وهو تحدٍّ هندسي يتطلبابتكارات جديدة لتحقيقه.
- ولا تزال تكلفة بناء المفاعلات الاندماجية وتشغيلها مرتفعة للغاية، وهو ما يعيق انتشارها على المستوى التجاري، ومع ذلك يُتوقع أن تؤدي التطورات التكنولوجية خلال العقود القادمة إلى خفض هذه التكاليف تدريجيًّا، كما حدث مع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
هل نحن على أعتاب عصر جديد؟
في مواجهة هذه التحديات، يشهد العالم اليوم سباقًا علميًّا لتطوير تقنيات الاندماج النووي؛ إذ لم تعد الصين وحدها في هذا المجال، وإنما تعمل كل من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وكوريا الجنوبية على تطوير مشروعات مشابهة، وفي حال استمرت هذه الجهود بالوتيرة نفسها؛ فقد نرى خلال العقود القليلة القادمة أول محطة طاقة اندماجية تجارية، قادرة على توليد الكهرباء بتكلفة معقولة.
ومع كل تقدم جديد في هذا المجال تتضح أكثر العلاقة الوثيقة بين التحول نحو الطاقة النظيفة وتحقيق التنمية المستدامة؛ فتحقيق هذا الحلم يتوافق مع الهدف (7) من أهداف التنمية المستدامة: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، الذي يُلزمنا بتوفير مصدر غير محدود للطاقة دون التسبب في استنزاف الموارد الطبيعية.
كما أنه يتفق مع الهدف (13) العمل المناخي، الذي يركز على اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة تغير المناخ وآثاره، حيث إن استخدام الاندماج النووي بوصفه بديلًا نظيفًا لمصادر الطّاقة التقليدية سيقلل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير؛ مما يسهم في تحقيق مستقبل أكثر استدامة.
الاندماج النووي ليس مجرد فكرة خيالية من قصص الخيال العلمي، بل هو حقيقة علمية تتبلور أمام أعيننا شيئًا فشيئًا. وإذا نجح العلماء في تجاوز التحديات السابقة فإنَّ هذا الإنجاز قد يكون الحل النهائي لأزمة الطّاقة العالمية، وهذا يمكن أن يضع البشرية على أعتاب عصر جديد من الوفرة في الطّاقة والاستدامة البيئية في آنٍ معًا.
وترى حماة الأرض أن مثل هذه الابتكارات تساعد على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما تدرك أن الإنجاز الصيني في مجال الاندماج النووي خطوة مهمة تثبت أن البديل النظيف لم يعد مجرد حلم، بل يقترب يومًا بعد يوم، وهذا ما يمهد لمستقبل أكثر استدامة وأمانًا لنا وللأجيال القادمة.




