المسرح المدرسي في مصر.. سياسة وطنية جديدة لبناء المواهب وتعزيز التنمية المستدامة

المسرح المدرسي في مصر.. سياسة وطنية جديدة لبناء المواهب وتعزيز التنمية المستدامة
لم يعد المسرح المدرسي مجرد خشبة للعروض الفنية بين طلاب المدارس، بل أصبح أداة حضارية تحمل في طياتها قدرة استثنائية على صناعة الوعي وترسيخ القيم وبناء الإنسان. وفي زمن تتشابك فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، يبرز المسرح باعتباره رافدًا أساسيًّا من روافد التنمية المستدامة؛ إذ يسهم في تحقيق أهدافها من خلال دوره التربوي والثقافي والإنساني.
وتأسيسًا على تلك الأهمية اختتمت القاهرة – في أجواء امتزجت فيها الثقافة بالتربية- فعاليات مؤتمر “نحو سياسة وطنية لتطوير المسرح المدرسي”، الذي نظمه المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بدعم من وزارة الثقافة ووزارة التربية والتعليم، في مشهد عكس إدراكًا متناميًا لدور المسرح المدرسي في بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية.
ولذلك سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض فعاليات هذا الحدث الدولي من خلال قراءة معمقة لأبعاده التربوية والثقافية، مع إبراز دوره في ربط بناء الإنسان بمسيرة مصر نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
التنمية الثقافية في بؤرة الاهتمام
إنَّ المؤتمر الذي استمر يومين متتاليين -من 30 إلى 31 أغسطس- قد شهد مشاركة واسعة من صناع المسرح والباحثين والمعنيين بالشأن التربوي؛ ليكون خريطة طريق إلى مستقبل جديد للمسرح المدرسي في مصر.
وتكمن أهمية هذا المؤتمر في كونه حدثًا ثقافيًّا، وحلقة قوية بين التنمية الثقافية وأهداف التنمية المستدامة الشاملة، حيث يلتقي الفن بالتعليم في مشروع وطني يرمي إلى صناعة الإنسان المصري المتكامل؛ إذْ إنَّ المسرح المدرسي صار مساحة رحبة لتجديد القيم، وتدريب النشء على التفكير النقدي والعمل الجماعي والإبداع، وهي عناصر جوهرية لتحقيق استدامة التنمية البشرية.

خريطة طريق نحو الاستدامة الثقافية
جاءت التوصيات التي أقرتها هيئة المؤتمر لتعكس رؤية شاملة تتجاوز حدود المسرح باعتباره فنًّا قائمًا بذاته، إلى كونه أداة استراتيجية للتنمية؛ فقد دعا المؤتمر إلى صياغة سياسة وطنية متكاملة للمسرح المدرسي، بما يعني أنَّ الدولة تتجه نحو منهج منظم ومستدام في التعامل مع هذا القطاع، بعيدًا عن المبادرات المتفرقة أو الجهود الفردية.
أبرز محاور التوصيات:
- تأهيل الكوادر المسرحية من معلمين ومختصين وصقل مهاراتهم بما يضمن جودة التعليم الفني.
- إطلاق منصة رقمية وقاعدة بيانات متكاملة لتوثيق وإدارة أنشطة المسرح المدرسي ومواكبة التحول الرقمي.
- فتح مسارح الدولة أمام العروض المدرسية المتميزة لتعزيز ثقة الطلاب بأنفسهم وإبراز إبداعاتهم.
- إعادة اللقاءات المسرحية بين الطلاب في مختلف المراحل لزيادة الروابط الاجتماعية والثقافية.
إنَّ هذه التوصيات تحمل رؤية تربوية تجعل المسرح جزءًا من منظومة التعليم المستدام، وهو ما يضع مصر في موقع متقدم بين الدول التي تعي أن التنمية تبدأ ببناء الإنسان منذ سنواته الأولى.
المسرح أداة تربوية
لقد ركزت التوصيات على تدريب طلاب السنة النهائية في معهد الفنون المسرحية وأقسام المسرح بكليات الآداب والتربية النوعية والإعلام التربوي داخل المدارس الحكومية، بوصفه حلًّا عمليًّا لسد العجز في الكوادر.
وإلى جانب ذلك، أوصت هيئة المؤتمر بإدراج مسابقات في النقد والدراما والتأليف المسرحي، وإنشاء مكتبة بصرية متخصصة في العروض المسرحية؛ كي يمكننا فتح آفاق جديدة أمام الطلاب لممارسة التفكير النقدي والإبداع.
المسرح المدرسي وأهداف التنمية المستدامة
ترتبط المبادرات المقترحة -بوضوح- بالهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، فضلًا عن الهدف السادس عشر: السلام والعدل والمؤسسات القوية؛ إذْ يسهم المسرح في تعزيز الحوار، وبناء أجيال قادرة على النقد البنَّاء.

نموذج للشراكات من أجل التنمية
أحد أبرز ما ميز المؤتمر هو التأكيد المتكرر على التعاون بين وزارتَي الثقافة والتربية والتعليم، وهذا إلى جانب الوزارات المعنية الأخرى؛ ليكون هذا النموذج من الشراكات الحكومية صورة وطنية تعكس روح الهدف السابع عشر: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف، حيث لا يمكن لأيِّ مشروع وطني كبير أنْ ينجح دون تكامل الأدوار.
وقد تطرقت التوصيات إلى تفعيل بروتوكولات التعاون في:
- الكتابة المسرحية.
- مَسْرَحَةُ المناهجِ.
- القراءات المسرحية.
- صناعة وتحريك العرائس.
كما طُرحت مبادرة لعقد مائدة مستديرة خاصة بمسرح التربية الخاصة، وبحث إمكانية توظيفه أداةً علاجيةً، بما يعكس الاهتمام بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والدمج المجتمعي.

نحو مهرجان قومي للمسرح المدرسي
لم يتوقف المؤتمر عند حدود التوصيات النظرية، بل أعلن المخرج عادل حسان -رئيس المركز القومي للمسرح- عن الإعداد لإطلاق “المهرجان القومي المصري للمسرح المدرسي”، الذي يتوقع له أنْ يكون نقلة نوعية لجعل المسرح جزءًا من الهوية الوطنية، ومنصةً للتعبير والإبداع منذ الصغر.
وسيكون المهرجان المرتقب أكثر من مجرد حدث فني، فهو يهدف إلى:
- تطوير المهارات الفنية والتربوية للطلاب.
- دعم قيم الانتماء والتنوع الثقافي.
- تعزيز المشاركة المجتمعية من خلال العروض المدرسية.
إنَّ تأسيس مهرجان قومي للمسرح المدرسي يضع مصر في مقدمة الدول التي توظف الفنون في خدمة التنمية، ويجعل من المسرح المدرسي أداة استراتيجية لتشكيل جيل واعٍ وقادر على الإسهام في تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030.
بوابة نحو تنمية مستدامة
المؤتمر الوطني لتطوير المسرح المدرسي لم يكن حدثًا عابرًا، بل محطة تأسيسية لمشروع وطني يربط بين الثقافة والتعليم، ويجعل من المسرح أداة لبناء الإنسان وصياغة وجدان الأجيال. وإنَّ التوصيات والسياسات والمشروعات المعلنة تشير بوضوح إلى توجه مصري راسخ نحو استعادة دور المسرح المدرسي في تأسيس الوعي التعليمي المستدام.
لكنَّ الأهم، هو أنَّ هذا التوجه لا ينفصل عن مسيرة التنمية المستدامة، بل يندرج في صميمها، من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الهوية الوطنية، وتكريس قيم الإبداع والعمل الجماعي. وبينما تستعد مصر لإطلاق المهرجان القومي للمسرح المدرسي، فإنَّ الخطوة الحاسمة ستكون في تحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس داخل المدارس.
ومِن هذا الاتجاه تبرز رسالة مؤسسة حماة الأرض: لا تتحقق التنمية المستدامة عبر السياسات الاقتصادية أو البيئية فقط، وإنما تبدأ من أبسط التفاصيل التربوية والثقافية، التي تصنع إنسانًا واعيًا، وتبني جيلًا قادرًا على حماية الأرض وصون مستقبلها.




