مؤتمر ميونخ للأمن 2026.. قراءة واستشرافات في أجندة الأمن الدولي

مؤتمر ميونخ للأمن 2026.. قراءة واستشرافات في أجندة الأمن الدولي
يمر الأمن الدولي بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع الأزمات الاقتصادية، وتتراجع خلالها الأطر التقليدية التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود. وهذا التحول المتسارع يعكس واقعًا عالميًّا تتآكل فيه قواعد الانضباط الدولي، وتتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالغذاء والطاقة والتكنولوجيا.
في هذا السياق، باتت قضايا الأمن أكثر ارتباطًا بالاستقرار التنموي والقدرة على إدارة المخاطر العابرة للحدود، بما يفرض قراءة أوسع لمفهوم الأمن الدولي تتجاوز البعد العسكري نحو أبعاد مؤسسية واقتصادية ومعرفية.
من هنا، يبرز مؤتمر ميونخ للأمن -المقرر انعقاده في ميونخ خلال الفترة من 13 إلى 15 فبراير الجاري- بوصفه محطة منتظرة لقراءة اتجاهات النظام العالمي، ومنصة لتبادل الرؤى بين صناع القرار في مرحلة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالحوكمة الدولية، وأمن الموارد، والتنافس التكنولوجي، ودور أوروبا في بيئة عالمية تتسم بقدر مرتفع من عدم اليقين.
ويتتبع المقال هذه المسارات المتداخلة باعتبارها عناصر فاعلة في إعادة صياغة معادلة الأمن الدولي خلال المرحلة المقبلة، وما تحمله من مؤشرات على ملامح الاستقرار العالمي في الأمد المتوسط؛ لذا تابعوا القراءة.
الأمن الدولي على طاولة ميونخ
تنطلق الدورة الثانية والستون من مؤتمر ميونخ للأمن في مدينـة ميونخ، حيث من المنتظر أنْ يجتمع مئات من صناع القرار وقادة الرأي من مختلف مناطق العالم، في توقيت تتزايد فيه حدة الاضطرابات، وتتشابك فيه مسارات الأمن والسياسة والاقتصاد.
ويعكس تأكيدُ مشاركة نحو خمسين رئيس دولة وحكومة -إلى جانب وفود رسمية واسعة من الحكومات والمؤسسات الدولية- تلك المكانةَ التي يحتلها المؤتمر بوصفه منصة مركزية للنقاش حول القضايا الأمنية الكبرى. ويتعزز هذا الثقل السياسي بتأكيد مشاركة الوفد الألماني بقيادة المستشار/ فريدريش ميرز، في مؤشر على الرهان الأوروبي المرتقب الذي يمكن أن تبلوره مخرجات المؤتمر لاحقًا.
ويقوم البناء التنظيمي للمؤتمر على برنامج متعدد المستويات، يجمع بين الجلسات الرئيسية، والحوارات المفتوحة، والفعاليات الجانبية التي يزيد عددها عن مئتي فعالية، وتشمل طيفًا واسعًا من النقاشات السياسية والاستراتيجية.
هذا التنوع في الصيغ يسعى إلى خلق مساحة تفاعلية تُدار فيها الخلافات، وتُختبر فيها الأفكار داخل بيئة غير رسمية نسبيًّا، بما يجعل المؤتمر منصة مرتقبة لرصد التحولات الجارية في مقاربات الأمن الدولي، ومساحة لاختبار الأفكار في سياق سياسي يتجاوز الأطر التقليدية.
ويأتي انعقاد المؤتمر بعد أيام قليلة من الموعد المقرر لإصدار تقرير ميونخ للأمن 2026 في 9 فبراير، والذي يُنتظر أن يشكل مرجعًا سنويًّا أساسيًّا لقراءة اتجاهات المخاطر العالمية، وكذلك يمهد ذهنيًّا لأولويات النقاش المطروحة على أجندة المؤتمر.
محاور العمل والنقاش
يمتد برنامج المؤتمر إلى ثلاثة أيام متتالية، يتناول المشاركون فيها طيفًا واسعًا من القضايا التي تشمل:
- مستقبل التعددية
- الأمن الاقتصادي والتجاري
- العمل المناخي
- الأمن النووي
- السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي

كما يخصص المؤتمر مساحات لمناقشة الأزمات الإقليمية الممتدة، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وشرق آسيا، إلى جانب التركيز على موقع أوروبا وقدرتها على صياغة رؤية مشتركة في بيئة دولية متغيرة.
وفي موازاة الجلسات الرئيسية تبرز ثلاثة مسارات متخصصة، وهي تشكل بنفسها عمقًا تحليليًّا للأجندة العامة للمؤتمر، وبيان هذه المسارات في السطور القادمة.
المجموعة الاستشارية للشرق الأوسط
يشهد المؤتمر نشر الخلاصات الرئيسية لأعمال المجموعة الاستشارية للشرق الأوسط (Middle East Consultation Group)، التي تقدم بيانات بحثية امتدت شهورًا، وارتكزت على جمع بيانات ميدانية من داخل المنطقة، بما في ذلك غزة والضفة الغربية.
وتوفر هذه المخرجات قراءة معمقة للاتجاهات السياسية والاجتماعية في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة، بما يربط النقاشات الاستراتيجية بالواقع الميداني، ويمنح صناع القرار أدوات تحليلية تستند إلى معطيات مباشرة من قلب الأزمات.
فريق العمل المعني بالأمن الغذائي
كما يختتم فريق العمل المعني بالأمن الغذائي (MSC Food Security Task Force) مسارًا استمر عامينِ، وقد جمع فاعلينَ من قطاعات متعددة كالأمن القومي، والتنمية، والحكومات، والمؤسسات الدولية، والقطاع الخاص؛ من أجل استهدف تأمين تدفق الغذاء العالمي، ثم حماية سلاسل الإمداد من الأزمات السياسية والمناخية.
ويعكس هذا المسارُ إدراكًا متزايدًا يومًا بعد آخرَ بالأمن الغذائي، الذي هو قضية تتجاوز البعد الإنساني، لترتبط بالاستقرارينِ السياسي والاقتصادي، وقدرة الدول والمجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية، مع طرح توصيات عملية لتعزيز الجهود الدولية في هذا المجال.
مبادرة الاستراتيجية التقنية
وأيضًا يشهد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 إطلاقَ مبادرة الاستراتيجية التقنية (Tech Strategy Initiative)، التي تهدف إلى استشراف التطورات التكنولوجية التحويلية، التي ما زالت خارج نطاق اهتمام معظم صناع السياسات، مع تحليل ما تحمله من مخاطر وفرص جيوسياسية.
وتركز المبادرة في دورتها الأولى على الذكاء الاصطناعي فائق التطور، وهو مؤشر على تحول التكنولوجيا إلى عامل حاسم يعيد تشكيل موازين القوة، وفرض تحديات جديدة على مفاهيم الأمن والاستقرار في المرحلة المقبلة.
منصات الحوار التفاعلية في ميونخ
أمَّا في إطار السعي إلى توسيع دائرة النقاش العام وتعميق التفاعل المجتمعي، فإنَّ مؤتمر ميونخ للأمن 2026 يخصص ثلاث مساحات حوارية متوازية، تُعرف بالـ”Hubs”، لكل منها برنامج مستقل يندرج ضمن الأجندة العامة للمؤتمر.
وتهدف هذه المساحات إلى إدخال فاعلين جدد إلى دائرة النقاش، وربط الملفات الأمنية بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمجتمعية، بما يعكس تطور المقاربات المعتمدة في التعامل مع التحديات العابرة للحدود.
منصة الشركات الناشئة
كذلك تركز منصة الشركات الناشئة (Startup Hub) على الجمع بين صناع القرار في المجال الأمني ومجتمع الابتكار وريادة الأعمال؛ وهي -منصة الشركات الناشئة- إطار يتيح فرصًا لتحويل الابتكار من عنصر اضطراب إلى أداة لتعزيز المرونة، وبناء شراكات قادرة على الاستجابة لتحديات المرحلة المقبلة.
منصة أمن الطاقة
ثم تجمع منصة أمن الطاقة (Energy Security Hub) قادةً وخبراءَ لمناقشة سبل تطوير إمدادات طاقة ميسورة ونظيفة وآمنة، في ضوء التحولات الجيوسياسية والضغوط البيئية المتزايدة. ومن المتوقع أنْ تبرز هذه المنصةُ العلاقةَ الوثيقةَ بين أمن الطاقة والاستقرارينِ الاجتماعي والاقتصادي، وقياس مدى دوره في دعم قدرة المجتمعات في كل أنحاء العالم على الصمود، وبناء مسارات تنموية أكثر استدامة.

منصة القادة الصاعدين
وتوفر منصة القادة الصاعدين (Emerging Leaders Hub) مساحة حوارية عابرة للأجيال، تتناول قضايا الأمن الأوروبي، ومستقبل التعاون عبر الأطلسي، والتهديدات السيبرانية. كما تمنح القادةَ الشبابَ فرصةَ المشاركةِ المباشرة في النقاش مع صناع القرار، بما يسهم في إدماج رؤى جديدة داخل مسارات التفكير الاستراتيجي المرتبطة بالمشهد الأمني العالمي.
وختامًا تتجمع خيوط المشهد المطروح عبر مؤتمر ميونخ للأمن 2026 في صورة واحدة تعكس حجم التحول الجاري في مقاربات الأمن الدولي، حيث تتقاطع القضايا السياسية مع الاعتبارات الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، ضمن واقع عالمي تتزايد فيه هشاشة الاستقرار، وتتعقد فيه مسارات اتخاذ القرار.
ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ المقترحات المتوقع طرحها في مؤتمر ميونخ للأمن 2026 تعكس تحولًا في فهم العلاقة بين الأمن والاستقرار التنموي؛ رغبةً في بناء غدٍ أكثر إشراقًا وازدهارًا للجميع.




