كيف يسهم الغراب في محاربة تغير المناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

كيف يسهم الغراب في محاربة تغير المناخ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة؟
منذ القدم ارتبطت صورة الغراب بالجدل بين الخير والشر، بين الطالع السيئ والدور الخفي في التوازن الطبيعي. هذا الطائر الأسود ذو الصوت العالي والذاكرة القوية كثيرًا ما أُسيء فهمه؛ إذ اعتُبر مصدر إزعاج وضوضاء وخراب للمحاصيل الزراعية.
غير أن الدراسات البيئية الحديثة أثبتت أن الغراب -بالرغم من سمعته غير المحببة في بعض الثقافات- يؤدي أدوارًا أساسية في الحفاظ على النظام البيئي، وفي تعزيز التوازن بين الإنسان والطبيعة. وإن فهم هذه الأدوار لا يعزز معرفة الإنسان بعالم الطيور فقط، بل يسهم أيضا في رؤية أكثر استدامة لعلاقتنا بالبيئة، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال صورة الغربان بين الرفض الشعبي والفائدة البيئية، ودورها في إدارة النفايات، وحمايتها للمزارع من الآفات، وتأثيرها في الصحة العامة، ثم خطورة التعامل معها بالسموم، مع إبراز الرابط الوثيق بين وجودها واستدامة الحياة على كوكب الأرض.
طيور ذكية واجتماعية
الغربان من أكثر الطيور قدرة على التكيّف مع البيئات المختلفة، فقد استطاعت أن تنتشر في القارات كلها -تقريبًا- متجاوزة الحدود الطبيعية والمناخية التي تقف عائقا أمام كثير من الكائنات؛ فهي موجودة في الأراضي العشبية والمزارع بأمريكا الشمالية، كما تعيش في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. هذا التوسع الجغرافي دليل على مرونتها وقدرتها على التكيّف مع تغيرات المناخ وتقلّب الموارد الغذائية.
ليست الغربان مجرد طيور تبحث عن الطعام؛ بل هي كائنات تتمتع بذكاء لافت، أظهرته تجارب علمية وأثبتت قدرتها على حل المشكلات واستخدام الأدوات للحصول على الغذاء.
إضافة إلى ذلك، تتميز بذاكرة قوية تجعلها قادرة على تمييز الأشخاص الذين يُظهرون نوايا عدائية، بل وتحذر أفراد أسرابها منهم. وهذا السلوك يوضح الجانب الاجتماعي المتماسك لهذه الطيور؛ إذ إنها تعيش في مجموعات مترابطة تقوم على التعاون والتكافل؛ مما يعكس نموذجا فريدا لعلاقات التكافل في الطبيعة.
وتاريخيا، ارتبط الغراب بالأساطير والموروثات الشعبية، فتارة اعتُبر رمزا للشؤم وسوء الطالع، وتارةً أخرى رُبط بعالم الأرواح والرسائل الإلهية. لكن بغض النظر عن هذه الرموز الثقافية، فإن الأهمية البيئية للغربان تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها، فهي جزء أصيل من منظومة الطبيعة، ودورها يتجاوز الانطباعات السطحية ليصل إلى صميم الاستدامة البيئية.

الغراب والنفايات
في ستينيات القرن الماضي، بدأت الغربان تترك الأرياف متجهة إلى المدن، بحثا عن ملاذ أكثر أمانا ومصادر غذاء أكثر وفرة. ومنذ ذلك الحين، صارت مشاهدتها شائعة في مكبات القمامة وضواحي المدن. وبرغم أن الكثيرين يرونها مصدر إزعاج -لأنها تتسبب في بعثرة النفايات- فإنها تؤدي في الحقيقة وظيفة طبيعية بالغة الأهمية.
فالغراب الواحد قادر على استهلاك كميات ضخمة من الفضلات يوميا؛ مما يسهم في الحد من تراكم النفايات، ويمنع انتشار الروائح الكريهة والأمراض المعدية. وبفضل جهازها الهضمي شديد الكفاءة -الذي يشبه في قدرته أجهزة النسور- تستطيع هذه الطيور أن تتعامل مع بقايا الطعام الفاسد واللحوم المتحللة دون أن تصاب بالضرر، وهو ما يجنّب المدن مخاطر بيئية وصحية جمة.
إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الغربان، بل في أسلوب تعامل الإنسان مع النفايات؛ فإن ترك صناديق القمامة مفتوحة أو مكدسة يجعلها هدفا سهلا للغربان؛ وبالتالي فإن الحل لا يكمن في القضاء على هذه الطيور، بل في تحسين نظم إدارة المخلفات عبر إغلاق الصناديق، وإعادة التدوير، وتقليل الإنتاج غير المسئول للنفايات. وهذا الجانب يربط مباشرة بين سلوك الغربان وأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسئولين.
ولعل وجود الغربان في المدن يذكّرنا دوما بأن النظام البيئي قادر على ابتكار حلول طبيعية لإدارة ما يخلّفه الإنسان من نفايات، شريطة أن نمنحه المساحة ليعمل، وألا نحاربه بالأساليب المدمرة.
الغربان والمزارع
كثيرا ما تُتّهم الغربان بأنها سبب رئيسي في إتلاف المحاصيل، وهي تهمة مبالغ فيها في معظم الأحيان؛ فالغراب يفضّل اللحوم والحشرات على النباتات، وليس وجوده في الحقول والبساتين إلا بحثا عن اليرقات والدود؛ تلك الكائنات التي تفتك بالمحاصيل.
تشير التقديرات إلى أن أسرة واحدة من الغربان يمكنها القضاء على أكثر من أربعين ألف دودة وآفة خلال موسم واحد. هذه الخدمة الطبيعية التي تقدمها الطيور إلى المزارعين تعادل ما تقوم به المبيدات الكيميائية، سوى أنَّ الطريقة هنا صديقة للبيئة وآمنة على الصحة.
وبذلك، فإن الغربان تسهم في حماية التنوع البيولوجي، وفي تعزيز الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الجوع، وهذا من خلال تحسين الإنتاج الزراعي.
إضافة إلى ذلك، تؤدي الغربان أدوارًا أخرى في المزارع؛ إذ تساعد على تنفيذ عمليات التلقيح عبر نقل حبوب اللقاح من نبتة إلى أخرى، كما تسهم في تنظيف البيئة من الجيف؛ مما يقلل من انتشار الروائح والأمراض، من ثم فإن التعامل مع الغربان كما لو كانت عدوًا للمزارع يتجاهل حقيقة أنها شريك طبيعي في دورة الإنتاج الزراعي.

الغربان والصحة العامة
جانب آخر يُغفل كثيرا من دور الغربان هو علاقتها بالصحة العامة؛ فهذه الطيور تُعد من الأنواع الحساسة التي تكشف عن انتشار بعض الأمراض في البيئة، مثل فيروس غرب النيل؛ فعند تفشي المرض تنفق الغربان بأعداد كبيرة؛ مما يدفع السلطات الصحية إلى التحرك المبكر. وهنا، تتحول هذه الطيور إلى نظام إنذار طبيعي يسهم في حماية الإنسان.
ورغم ذلك يُسيء البعض تفسير هذه الظاهرة، معتقدين أن الغربان هي من تنقل المرض، ولا يعلمون أن الناقل الحقيقي هو البعوض. وهذا الخلط يؤدي إلى حملات عشوائية للقضاء على الغربان بلا مبرر علمي. وفي الواقع ساعد وجودها على رصد الخطر قبل أن يتفاقم، وهو ما يسهم في تحقيق الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه.
من ناحية أخرى، لا يخلو وجود الغربان من تحديات صحية ثانوية؛ إذ إن فضلاتها قد تسهم في نمو فطر “الهستو بلازما” المسبب لالتهابات تنفسية في بعض المناطق، خاصة في الولايات المتحدة. لكن هذه الحالات غالبا ما ترتبط بمزارع الدواجن أو الكهوف أكثر مما ترتبط بالغربان نفسها.
إن التعامل العلمي مع هذه الطيور -بوصفها جزءا من النظام البيئي لا باعتبارها مصدرا للأمراض- يفتح المجال لفهم أعمق للتوازن البيولوجي، ويعزز فكرة أن حماية الصحة العامة تبدأ من حماية الطبيعة ذاتها.
ضرورة التعايش مع الغربان
يلجأ بعض الأفراد إلى استخدام السموم وسيلةً للتخلص من الغربان، ومن أبرزها مادة “DRC -1339” التي تؤثر في القلب والكُلى، وتُميت الطيور موتا بطيئا. ورغم وحشية هذا الأسلوب فإنه ليس فعالا؛ لأن القضاء على بعض الغربان يفسح المجال أمام صغارها للنمو والتكاثر بسرعة؛ مما يضاعف أعدادها في وقت قصير.
الأخطر من ذلك هو أن هذه السموم لا تستهدف الغربان وحدها، بل تؤثر أيضا في كائنات أخرى؛ مما يخلُّ بالتوازن البيئي. ولعل الدرس الأوضح هنا هو أن محاولات الإنسان للسيطرة على الطبيعة بالعنف غالبا ما ترتد عليه بنتائج عكسية.
وتشير بيانات الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة إلى أن معظم أنواع الغربان غير مهددة، باستثناء بعض الأنواع مثل “غراب فلوريس” الذي لا يتجاوز عدده ألفي غراب بالغ، ويصنف على أنه مهدد بالانقراض؛ بسبب ضيق نطاقه وتدمير موائله الطبيعية، أمَّا “غراب هاواي” فقد أعلن انقراضه في البرية. وهذه الأمثلة تكشف هشاشة التوازن البيئي وخطورة ألَّا يبالي الإنسان بالكائنات التي يراها غير نافعة.
إن إدراك قيمة الغربان وأدوارها المتعددة ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالحياة في البرّ (الهدف 15)، ويضع الإنسان أمام مسئولية أخلاقية في التعامل مع الطبيعة.
وبالرغم من الصورة السلبية التي ارتبطت بالغربان عبر العصور فإنها طيور تؤدي أدوارا أساسية في استقرار النظم البيئية، سواء في المدن أو الأرياف؛ لأنها تسهم في إدارة النفايات، وحماية المزارع، ورصد الأمراض، وتنظيف البيئة من الجيف، إضافة إلى دورها في التلقيح.
الرسالة الأهم هي أنَّ هذه الطيور -التي لطالما وُصفت بالشر والنذير- يمكن أن تكون شريكا في رحلة الاستدامة، إذا ما أعاد الإنسان النظر في علاقته بها. وإن القضاء عليها بالسموم أو التجاهل يعكس فهما قاصرا؛ لذا يجب التعايش معها ودمجها في سياسات حماية البيئة، وهو الأمر الذي يمثل خطوة نحو تحقيق توازن حقيقي بين الإنسان والطبيعة.
في الختام، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن حماية الغربان -وغيرها من الكائنات الحية- ليست مجرد دفاع عن الطيور، بل هي دفاع عن استدامة الأرض ذاتها، وعن مستقبل الأجيال القادمة، التي لن تنعم بالعيش الكريم إلا في بيئة متوازنة وصحية.




