الصناعة الخضراء.. توسعات كبرى لإعادة تدوير البلاستيك في مصر

الصناعة الخضراء.. توسعات كبرى لإعادة تدوير البلاستيك في مصر
حين يتحول ما كُنا نعتبره نفايات إلى مورد اقتصادي فعَّال، ندرك أنَّ العالم يدخل مرحلة جديدة تعيد تعريف مفاهيم الصناعة والتنمية، حيث لم تَعُد إعادة تدوير البلاستيك مجرّد نشاط بيئي هامشي، بل أصبحت ركيزة من ركائز الاقتصاد الأخضر، ومحورًا رئيسيًّا في السياسات الصناعية الحديثة.
وفي مصر، تتقدّم هذه الرؤية بخطى واثقة من خلال مشروعات نوعية تدمج بين حماية البيئة وتحفز الاستثمار، وفي هذا السياق، تستعرض حماة الأرض في السطور الآتية أحدث أخبار هذا المجال؛ فتابعوا القراءة.
التحول إلى الاقتصاد الدائري
من بين أبرز هذه المشروعات ذلك العقد الجديد الذي وُقِّع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؛ من أجل توسعة أحد المشروعات الصناعية لإعادة تدوير البلاستيك، وهذا ضمن نطاق منطقة السخنة الصناعية المتكاملة، ليدعم أحد أبرز نماذج التحول نحو الاقتصاد الدائري في مصر. ويركِّز المشروع على معالجة مادة (PET) المُستخدمة في العبوات الغذائية، باستثمارات إضافية تبلغ 15 مليون دولار، وعلى مساحة 10 آلاف مترٍ مربع.

وتُعزِّز توسعة المشروع من طاقته الإنتاجية لتصل إلى 20 ألف طن سنويًّا من البلاستيك المعالَج، وتُوفِّر 500 فرصة عمل جديدة، مع تخصيص 70% من الإنتاج للتصدير، في خطوةٍ تدعم أهداف الدولة في تعظيم الصادرات الصناعية وتعزيز سلاسل القيمة الخضراء.
ويُمثِّل المشروع ترجمة فعلية لاستراتيجية الهيئة في دمج مفاهيم الاستدامة بالتصنيع، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد. وقد شجّع نجاح المرحلة الأولى من المشروع على التوسُّع، مما يعكس ثقة المستثمرين في جدوى الاستثمار البيئي الطويل الأمد.
نحو صناعة نظيفة ومنافسة
ولم تكن تصريحات السيد/ وليد جمال الدين -رئيس الهيئة- مجرَّد كلماتٍ احتفالية، بل جاءت مؤكِّدة الالتزامَ الحقيقيَّ من قِبَل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستراتيجيات التحول الأخضر والاقتصاد الدائري. وقد أشار بوضوح إلى أنَّ مشروعات إعادة التدوير ركيزةً أساسية من ركائز التنمية المستدامة.
وتُسهم هذه المشروعات في خفض الفاقد من الموارد الطبيعية، وتقليل الانبعاثات الكربونية، كما تُعزِّز من فرص العمل في مجالات حديثة وصديقة للبيئة. وهي جميعها أهداف تتقاطع مع أجندة التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف رقم (12) المتعلِّق بالإنتاج والاستهلاك المسئولين، والهدف (13) المتعلِّق بالعمل المناخي.
وما يُميِّز التجربة هنا أن المشروع لا يُركِّز على المعالجة فقط، بل يُعيد توظيف البلاستيك المُستهلك وتحويله إلى مادةٍ صالحة للاستخدام الغذائي، وهو إنجازٌ يتطلَّب تقنيات دقيقة ومعايير عالية في الجودة والسلامة، مما يُعزِّز من تنافسية مصر في الأسواق الدولية.
مصر على خريطة الاقتصاد الدائري
لم يكن هذا المشروع الجديد وليدَ اللحظة، بل هو ثمرةُ تخطيطٍ بدأ منذ نوفمبر 2024، حين تم توقيع العقد الأول لإقامة مصنع على مساحة 12,000 متر مربع، باستثمارات بلغت 20 مليون دولار أمريكي. وقد تم تجهيز المشروع منذ بدايته ليواكب المعايير الدولية في تدوير عبوات (PET) وتحويلها إلى مواد (RPET) صالحة للاستعمال الغذائي.
وقد شكَّل نجاح المرحلة الأولى من المشروع -مع الاستعداد لدخول مرحلة التشغيل خلال النصف الأول من عام 2026- حافزًا قويًّا للدولة للمضي قدمًا في التوسعات الجديدة، التي تُشكِّل رسالةَ ثقة من المستثمرين في المناخ الاستثماري المصري، لا سيما في قطاع الصناعات المستدامة الذي يشهد تطوُّرًا لافتًا.
ومع استمرار المشروع في تقديم قيمة مضافة بيئية واقتصادية، تُشكِّل التجربة نموذجًا يُحتذى به لمشروعات أخرى داخل مصر وخارجها، خاصةً في المناطق التي تسعى إلى التحول نحو نظم أكثر استدامة وإنتاجًا أقل استهلاكًا للموارد.
السخنة مدينة التدوير والمستقبل
ما يجري في منطقة السخنة الصناعية يعكس تحوُّلًا نوعيًّا في دور المناطق الاقتصادية الخاصة بمصر؛ من مجرد مناطق إنتاج وتصدير، إلى مراكز للابتكار البيئي والنمو المستدام، خاصةً أنَّ المشروع الجديد يُعَدُّ من أبرز الأمثلة على كيفية دمج التدوير في صُلب العملية الاقتصادية.
ولا تُسهم هذه التوسعات فقط في خفض النفايات، بل تُساعد أيضًا في ترسيخ ثقافةٍ جديدة في قطاع الصناعة، قائمة على الاستدامة والتكامل البيئي. ومع تزايد الطلب العالمي على المواد المعاد تدويرها، لا سيّما تلك الصالحة للاستخدام الغذائي، فإن المشروع يُمكِّن مصر من المنافسة في أسواقٍ جديدة وواعدة.
من جهةٍ أخرى، فإن توفير 500 فرصة عمل مباشرة عبر المرحلتين الأولى والثانية يُعَدُّ دليلاً ملموسًا على قدرة مشاريع التدوير على خلق فرص عمل حقيقية، في وقتٍ تبحث فيه العديد من الاقتصادات عن مساراتٍ جديدة للتوظيف المستدام.
ومما سبق يظهر لنا أنَّ التوسع في مشروع إعادة تدوير البلاستيك بالسخنة خطوةٌ نحو مستقبلٍ تتكامل فيه التنمية مع حماية الكوكب. وهو تأكيدٌ جديد على أنَّ الحلول الذكية تبدأ محليًّا، لكنها تُحدِث تأثيرًا عالميًّا. كما أنَّ مثل هذه المبادرات تُعزز من دور مصر باعتبارها فاعلًا رئيسيًّا في قضايا البيئة والتدوير، وتُقدِّم نموذجًا عمليًّا يُمكن للدول الأخرى الاستفادة منه، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا التي تُعاني من تحدياتٍ بيئية مشتركة.

وفي الختام فإنَّ مصر تبرهن بهذه الجهود على أنَّ الحلول ليست دائمًا في الابتكار التكنولوجي فقط، بل في الإرادة المؤسسية والرؤية الاستراتيجية؛ فإنَّ دمج إعادة تدوير البلاستيك ضمن منظومة الإنتاج الوطني يُعزِّز من تنافسية الصادرات، ويُعيد رسم علاقة الدولة بالموارد، والاقتصاد بالبيئة، وسوق العمل بالتنمية المستدامة.




