علاج الإدمان في مصر.. تجربة أشادت بها الصحة العالمية ونموذج إقليمي للتأهيل

علاج الإدمان في مصر.. تجربة أشادت بها الصحة العالمية ونموذج إقليمي للتأهيل
في خطوة تؤكد مكانة مصر الرائدة في المجالينِ الصحي والاجتماعي، أثنت منظمة الصحة العالمية على تجربة صندوق مكافحة وعلاج الإدمان في تقديم خدمات علاجية متكاملة لمرضى الإدمان، ووصفتها بأنها من النماذج الرائدة في منطقة شرق المتوسط. وقد جاءت هذه الإشادة خلال زيارة قامت بها الدكتورة/ حنان بلخي -المديرة الإقليمي للمنظمة- إلى مركز إمبابة لعلاج الإدمان، حيث تابعت عن كثب آليات العمل والتأهيل داخل المركز.
وهناك كانت زيارة وفد منظمة الصحة العالمية محطةً لتقييم تجربة مصر في تقديم خدمات علاجية وفقًا للمعايير الدولية، وبما يضمن كرامة المريض وحقه في التأهيل الشامل، وقد كان في استقبال الوفد الدكتور/ عمرو عثمان -مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان- الذي استعرض أمامهم محاور العمل الرئيسية، التي يقوم بها الصندوق في إطار الاستراتيجية القومية لمكافحة المخدرات.

تفاصيل زيارة منظمة الصحة العالمية لمركز العزيمة بإمبابة
الزيارة شملت جولة ميدانية موسعة داخل أقسام المركز، الذي يضم عيادات للرجال والسيدات والمراهقين، بالإضافة إلى قسم متخصص في التشخيص المزدوج للحالات النفسية المرتبطة بالإدمان. ويُلاحظ أن المركز بالإضافة إلى العلاج الدوائي أو النفسي، يقدم خدمات التأهيل البدني والمهني، من خلال ملاعب وصالات رياضية، وورش حرفية، ومكتبات، وقاعات موسيقى ومسرح.

هذا التكامل في تقديم الخدمة يعكس رؤية مصر في التعامل مع قضية الإدمان باعتبارها قضية إنسانية وتنموية في المقام الأول، ويمنح المتعافين فرصة حقيقية لإعادة الاندماج في المجتمع. ولا شك أن مشاركة الدكتورة/ حنان بلخي للمتعافين في لعب تنس الطاولة داخل المركز كانت لفتة رمزية تؤكد على أهمية كسر الوصمة الاجتماعية، وتعزيز مفهوم التعافي الشامل القائم على التفاعل والدعم.
منظومة وطنية تُبنى بالأدلة العلمية والدعم المؤسسي
خلال الزيارة، قدم الدكتور/ عمرو عثمان عرضًا مفصلًا لمحاور الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات، التي تنفذ تحت رعاية رئيس الجمهورية، بالتعاون مع مختلف مؤسسات الدولة. وتركز هذه الاستراتيجية على الوقاية المبكرة، والتحول من مجرد التوعية إلى الوقاية الفعلية، خاصة في المدارس والجامعات والمراكز الشبابية، مع اهتمام خاص بالمناطق المعرضة لخطر انتشار المخدرات.

ويعتمد الصندوق في تنفيذ برامجه على نموذج مبني على الأدلة العلمية، ويولي أهمية قصوى لحماية سرية المرضى وكرامتهم، ويقدم العلاج مجانًا من خلال شبكة مراكز “العزيمة” المنتشرة في 19 محافظة، والبالغ عددها 34 مركزًا حتى الآن، وتُدار وفق أعلى المعايير، وتستقبل طلبات العلاج عبر الخط الساخن “16023”، الذي يشكل بوابة آمنة وسريعة للمتقدمين.
حملة “أنت أقوى من المخدرات” تحقق نجاحًا باهرًا
أما الجانب التوعوي، فقد شهد نجاحًا لافتًا بفضل الحملات الإعلامية التي أطلقها الصندوق، وعلى رأسها حملة “أنت أقوى من المخدرات”، بمشاركة النجم العالمي محمد صلاح. هذه الحملة التي خاطبت الشباب بلغة واقعية قريبة منهم، أسهمت في رفع معدلات الإقبال على العلاج بنسبة تجاوزت 500%، ما يشير إلى الأثر الكبير للتواصل الإبداعي في تغيير السلوك المجتمعي تجاه الإدمان.
اللافت أن هذا النجاح الإعلامي تجاوز الحدود المحلية؛ ليحظى بتكريم دولي من الأمم المتحدة، وجوائز إبداعية مثل جائزة “دبي لينكس”؛ مما يعكس التقدير الدولي للدور النموذجي الذي تقوم به مصر في مجال الوقاية والعلاج، ويضعها في موقع الريادة على مستوى المنطقة في هذا التحدي الإنساني.

إشادة دولية ودعوة لنقل التجربة إلى دول الجوار
من جانبها، أعربت الدكتورة/ حنان بلخي عن إعجابها الشديد بالنهج المتكامل الذي ينتهجه صندوق مكافحة الإدمان، الذي يجمع بين العلاج الطبي والدعم النفسي، والتأهيل المجتمعي، وإعادة الدمج الوظيفي للمتعافين، وأشارت إلى أن التجربة المصرية تقدم نموذجًا فريدًا يمكن الاستفادة منه في العديد من الدول العربية، كما دعت إلى نقل الخبرات المصرية وتقديم الدعم الفني والتدريبي للدول الشقيقة، خاصة في ظل الحاجة الملحّة لتعزيز قدرات المؤسسات العاملة في مجال علاج الإدمان، وتطوير نماذج استجابة فعالة ومستدامة ترتكز على التكامل والإنصاف.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالإدمان في العديد من المجتمعات، لا سيما بعد الأزمات الاجتماعية والنفسية التي أفرزتها جائحة كوفيد-19، والتغيرات الاقتصادية الكبرى التي تؤثر في فئات كثيرة من الشباب، ومن ثم فإن توفير نماذج تدخل ناجحة مثل تلك التي تنفذها مصر يُعد ضرورة إقليمية.

مراكز العزيمة تنفذ على أرض الواقع
وقد حولت مراكز العزيمة لعلاج الإدمان الحملات التوعوية إلى واقع عملي، حيث وفرت بيئة علاجية آمنة وشاملة، تقدم العلاج المجاني في سرية تامة، وتراعي البعد الإنساني والنفسي للمريض، والمركز في إمبابة هو مجرد نموذج ضمن شبكة تمتد إلى 19 محافظة، وتُدار بكفاءة عالية وفقًا لأفضل الممارسات العالمية.
ومن خلال دمج برامج التأهيل النفسي لمرضى الإدمان ضمن خطة العلاج، يتم التعامل مع المريض باعتباره شخصًا يحتاج إلى دعم شامل، وليس فقط دواء، وتشمل هذه البرامج جلسات فردية وجماعية، وأنشطة فنية ورياضية، إلى جانب ورش التدريب المهني التي تساعد المتعافين على بدء حياة جديدة قائمة على الإنتاج والاعتماد على الذات.
الصحة النفسية ومكافحة الإدمان
في ضوء الجهود المصرية المتقدمة في هذا المجال، تبرز أهمية ربط قضايا الإدمان والصحة النفسية بأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (3) المعني بالصحة الجيدة والرفاه؛ فالتعامل الشامل مع الإدمان لا يسهم فقط في إنقاذ الأفراد من دوامة المعاناة، وإنما يعزز إنتاجيتهم، ويعيد دمجهم في المجتمع.
منظومة العلاج المجاني والدعم النفسي والتأهيل المهني، التي تنفذها مراكز “العزيمة”، تعكس التزام الدولة بمفهوم العدالة الاجتماعية، وضمان عدم ترك أحد خلف الركب، وهو مبدأ جوهري في تحقيق تنمية مستدامة عادلة وشاملة، كما أن تمكين المتعافين من تعلم مهن مطلوبة في سوق العمل، يمثل مسارًا عمليًّا لإعادة بناء حياة مستقرة وآمنة.
مِن هنا، فإنَّ التجربة المصرية في مكافحة الإدمان ليست مجرد مسار علاجي، بل هي انعكاس لتحول نوعي في فهم العلاقة بين الإنسان والتنمية؛ فحين تتبنى الدولة نهجًا يدمج بين التمكين النفسي والدعم المهني والتأهيل المجتمعي، فإنها بذلك ترسّخ مفهومًا جديدًا للعدالة الاجتماعية، وتعيد الاعتبار إلى مَن حاصرهم التهميش.
وعلى ذلك ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ هذا النموذج، الذي يتجلّى في “مراكز العزيمة” ومنظومة الدعم الممتدة حولها، يمثل رؤية استباقية تُدرك أنَّ الاستثمار في رأس المال البشري يسهم إسهامًا فعَّالًا في التعافي الاقتصادي؛ ولهذا تنبع أهمية تعميم هذا النهج إقليميًّا، لا بوصفه سياسة صحة عامة فحسب، بل باعتباره ركيزة تنموية تساعد على بناء مجتمعات أكثر شمولًا وإنصافًا في عالم تتزايد فيه التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية في آنٍ واحد.




