علوم مستدامة

فيضانات تكساس.. كارثة طبيعية تكشف ثغرات إدارة المناخ في أمريكا

فيضانات

فيضانات تكساس.. كارثة طبيعية تكشف ثغرات إدارة المناخ في أمريكا

في مشهد مأساوي هزّ وجدان الأمريكيين، لقى عشرات الأشخاص مصرعهم -ولا تزال الأعداد قابلة للزيادة- في فيضانات مفاجئة اجتاحت نهر جوادالوبي في ولاية تكساس خلال عطلة الرابع من يوليو، وفي حين كانت فرق الإنقاذ تبحث بيأس عن أطفال مفقودين، بدا أن الكارثة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت متوقعة؛ إذ إن تغيّر المناخ بات يولّد المزيد من هذه الأحداث المتطرفة بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

وفي خضم محاولات احتواء الأزمة، تصاعدت الانتقادات الموجهة للحكومة الفيدرالية التي اختارت هذا التوقيت لتقليص ميزانيات الأرصاد الجوية والبحوث المناخية، وتقليص عدد الخبراء والعلماء في وقتٍ أحوج ما نكون فيه إلى المعرفة والإنذار المبكر، وهنا تطرح تساؤلات عميقة: هل أصبحت الأرواح أقل كلفة من خفض النفقات؟ وهل يُعقل أن نواجه عواقب التغير المناخي ونحن نتخلى عن أدوات النجاة منه؟ في هذا المقال سوف تجيب حماة الأرض عن هذه الأسئلة، مستعرضة أبعاد هذه الكارثة، والسياسات التي عمّقت آثارها، وعلاقتها بقضايا الاستدامة والتنمية العالمية.

فيضانات تكساس

ما جرى في تكساس لم يكن مجرد فيضان، وإنما هو حدث كارثي على حد وصف هيئة الأرصاد الوطنية؛ إذ ارتفع منسوب نهر جوادالوبي بـ 26 قدمًا في أقل من ساعة، وهذا النوع من نزول المطر المركّز والعنيف بات علامة مسجلة لعصر الاحترار العالمي؛ فمع ارتفاع درجات الحرارة، تزداد قدرة الغلاف الجوي على حمل الرطوبة؛ مما يؤدي إلى عواصف أكثر عنفًا وضررًا.

فيضانات تكساس

ولم تكن تكساس استثناءً في مواجهة هذه الحقيقة القاسية؛ فكاليفورنيا تعاني من حرائق مدمّرة تزداد شدة واتساعًا عامًا بعد آخر، بينما تستعد فلوريدا لموسم أعاصير جديد وسط تراجع في دقة التنبؤات الجوية. وعلى امتداد الكرة الأرضية، تتخذ آثار تغيّر المناخ أشكالًا متعددة، من جفاف متفاقم إلى عواصف عنيفة وارتفاع مطّرد في مستوى سطح البحر، ورغم هذا التصاعد في التهديدات، يلاحظ خبراء المناخ بقلقٍ متزايد تراجع الاستثمار الأمريكي في أنظمة التنبؤ بالطقس والاستجابة للكوارث.

وإذا كانت الخسائر البشرية والمادية من نتائج الكوارث الطبيعية أمرًا متوقعًا، فإن ما يدعو للقلق حقًّا هو إهمال تمويل مؤسسات الإنذار المبكر، وتركها بدون الكوادر المؤهلة للعمل على مدار الساعة، وتزداد الصورة قتامة حين تُغلق قواعد البيانات المناخية والمواقع الحكومية التي كانت تمثل مصدرًا حيويًّا للمواطنين والباحثين، بسب ما أفاد به تقرير نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز (Los Angeles Times).

الخسائر وضحايا الفيضانات

قرارات قد تؤدي إلى انهيار منظومة المناخ

يُعد ما يحدث حاليًّا في وكالة الأرصاد الجوية الوطنية (NWS) والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) مثالًا صارخًا على ما يُطلق عليه البعض “تفكيك البنية المناخية”؛ فوفقًا للميزانية الفيدرالية لعام 2026، تخطط الإدارة الأمريكية لتقليص قوة العمل في NOAA  بنسبة 17%، وهو ما يعني الاستغناء عن أكثر من 600 عالم ومختص، مع احتمال إلغاء بعض أقسام الأبحاث بالكامل.

الأمر لا يقف عند حد العلماء، وإنما وصل إلى تعليق إطلاق بالونات الطقس الضرورية لجمع البيانات، وتوقف بعض المراكز المحلية عن العمل الليلي مثل مكتب هانفورد وساكرامنتو، رغم تغطيتهما لأكثر المناطق عرضة للحرائق والفيضانات في كاليفورنيا، كما تم إغلاق موقع برنامج التغير العالمي الأمريكي، ما يعني حجب تقارير ودراسات كان الكونجرس قد ألزم بإتاحتها للعلن.

وفي ظل هذه القرارات، بات التحدي مزدوجًا: من جهة، تتزايد حدة الكوارث الطبيعية، ومن جهة أخرى، يتم تهميش المؤسسات القادرة على فهمها والتنبؤ بها، وفي هذا الشأن يقول خبير المناخ دانيال سوين: “نحن أمام ثلاثية كارثية: ارتفاع في وتيرة الكوارث، وتراجع في القدرات التنبؤية، وتخفيضات تمس صميم التنسيق الطارئ”.

أزمة كبرى في الاستجابة المحلية

رغم إصدار وكالة الأرصاد تحذيرات مبكرة عن الفيضانات قبل ساعات من الكارثة، فإن الاستجابة على الأرض كانت بطيئة ومجزأة، ويشير بعض المسئولين المحليين إلى أن التنبؤات لم تعكس دقة حجم الأمطار، غير أن الوكالة تؤكد أنها أصدرت تحذيرات متصاعدة تشمل سيناريوهات كارثية.

وهنا تبرز إشكالية أكبر: ما نفع التحذير إن لم يُترجم إلى خطة طوارئ فعلية؟ كيف يمكن للمواطن العادي أن يتصرف إذا كانت البنية المؤسسية نفسها عاجزة عن التواصل؟ غياب منسق تحذيرات الطوارئ في مكتب الأرصاد المحلي بتكساس، الذي أخذ تعويض الخروج المبكر من العمل كان ثغرة قاتلة؛ إذ يمثل هذا الدور همزة الوصل بين العلماء والسلطات والمجتمع.

المناخيون يحذرون من أن هذه الثغرات ليست استثناءً، وإنما قد تصبح قاعدة في ظل السياسات الحالية، حيث تواجه برامج تطوير الإنذار المبكر والتوعية العامة في NOAA تخفيضًا بنسبة 74% في ميزانيتها؛ مما يهدد بإلغاء نماذج الطقس عالية الدقة التي طوّرتها الحكومة الأمريكية على مدار عقود.

معركة الاستدامة تبدأ من هنا

الفيضانات والحرائق والأعاصير، كلها أعراض لمرض أكبر، وهو تغيّر المناخ، الذي تغذيه انبعاثات الوقود الأحفوري. ومع ذلك تشير السياسات الراهنة إلى زيادة الاستثمار في النفط والغاز، وتخفيض تمويل الاستجابة للكوارث، وتقليص برامج التكيف والتخفيف، وإلى جانب ذلك هناك حديث عن حل وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA) الجهة المسئولة عن تنسيق الاستجابة للكوارث على المستوى الوطني.

تمويل الاستجابة للكوارث، وتقليص برامج التكيف والتخفيف

وفي هذا السياق، لا بد من طرح تساؤلات تتعلق بالعدالة المناخية: من يحمي الفقراء والمجتمعات الهشة حين تضرب الكوارث؟ ومن يضمن أن تصل أنظمة الإنذار المبكر إلى كل بيت؟ ومن يتولى تنسيق الإخلاء والإنقاذ عندما تغيب فرق الطوارئ عن المشهد؟ وعلى ذلك فإنَّ ما حدث في تكساس يجسد بشكل واضح فشل السياسات في مواكبة التحديات المناخية، ليس على مستوى التنبؤ فحسب، وإنما كذلك في مجالات الوقاية، والتأقلم، والتخطيط الطويل الأمد.

من أجل مستقبل أكثر أمنًا

لقد كشفت كارثة تكساس عن ثغرات في البنية المؤسسية والإنذارات المناخية، وهذا يعيد التأكيد على أهمية دمج الاستدامة في جميع مستويات الحوكمة والقرار؛ فأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف رقم (13) المعني بالعمل المناخي، والهدف رقم (11) المتعلق بجعل المدن والمجتمعات المحلية أكثر أمانًا واستدامة، تدعو إلى بناء قدرات الدول على التنبؤ والاستجابة للكوارث البيئية المتطرفة.

غير أن الواقع يشير إلى اتجاه مغاير، حيث تؤدي سياسات تقليص التمويل وتفكيك مراكز الأبحاث المناخية إلى تقويض هذه القدرات، وتتناقض بشكل صارخ مع الالتزامات الدولية لتحقيق تلك الأهداف، وفي المقابل فإن دعم شبكات الإنذار المبكر، وتعزيز التوعية المجتمعية، وتطوير البنية التحتية المعنية بإدارة الأزمات، يشكل استثمارًا حيويًّا لتقليل الخسائر وتعزيز صمود المجتمعات، وهو ما يتوافق بوضوح مع أهداف التنمية المستدامة، مثل الهدف (9) المتعلق بالبنية التحتية والابتكار، والهدف (17) الخاص بتعزيز الشراكات لتحقيق الأهداف.

في النهاية، لا تكمن مأساة فيضانات تكساس فقط في عدد الأرواح التي أُزهقت أو المنازل التي جرفتها المياه، بل في ما كشفت عنه من خللٍ عميق في آليات التعامل مع الكوارث الطبيعية في واحدة من أكثر الدول تقدمًا؛ فحين تُستبدل الرؤية العلمية بالتقشف، ويُهمَّش صوت الخبراء لصالح حسابات الميزانية، نجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام كوارث لم تعد “طبيعية” بقدر ما هي نِتاج خيارات بشرية.

وإذنْ، بات واضحًا أن معركة المناخ ليست مع السُّحب والعواصف، بل مع السياسات والقرارات التي تُتخذ خلف المكاتب المغلقة. وإنْ لم يتم الاعتراف بأنَّ البنية المؤسسية للإنذار والاستجابة هي خط الدفاع الأول، فإنَّ فيضانات تكساس قد لا تكون سوى نذير لما هو أسوأ؛ لأنَّ المستقبل لا يُبنى بالإنكار، بل بالاستعداد، وإنْ كانت الكارثة قد وقعت فإنَّ التعافي الحقيقي يبدأ من مراجعة ما أهملناه، قبل أنْ نجد أنفسنا نكتب عن كارثة جديدة في مكان آخر وبأرواح أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى