أخبار الاستدامة

البنك الدولي يعزز جودة التعليم الأساسي في إفريقيا ويرسم مستقبلًا أفضل للأطفال

التعليم

البنك الدولي يعزز جودة التعليم الأساسي في إفريقيا ويرسم مستقبلًا أفضل للأطفال

في خطوة غير مسبوقة على مستوى القارة الإفريقية، أعلن البنك الدولي عن إطلاق برنامج إقليمي ضخم يستهدف النهوض بالتعليم الأساسي، وتحسين نتائجه في شرق إفريقيا وجنوبها، ليستفيد منه أكثر من سبعين مليون طفل.

المبادرة الجديدة التي تحمل اسم تقدم الطرق المبتكرة لتعزيز التعلم” (Advancing Innovative Methods to Promote Learning AIM4Learning) تمثل استثمارًا تزيد قيمته عن مليار دولار، وهي خطوة تؤكد أن التّعليم لم يعد قضية وطنية محصورة داخل حدود كل بلد، بل مسئولية جماعية تستلزم التعاون الدولي والإقليمي.

وتتجلى أهمية هذا البرنامج في قدرته على معالجة أزمة التعلم، التي تعصف بالمنطقة منذ سنوات، حيث تتصاعد نسب التسرب من المدارس، وتتراجع مستويات التحصيل، في الوقت الذي تشهد فيه القارة نموًا سكانيًا متسارعًا يجعل من التعليم حجر الزاوية لمستقبل التنمية والاستقرار.

مِن هنا سوف تتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال، أبعاد هذه المبادرة، وأهميتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وكيف يمكن أن تشكل الدول المشاركة في مرحلتها الأولى نماذج حية لدراسة جدوى الإصلاحات التعليمية.

أزمة التعليم في إفريقيا

بالرغم من النجاحات التي حققتها دول إفريقيا الواقعة في جنوب الصحراء خلال العقدين الأخيرين -منها توسيع نطاق الالتحاق بالمدارس- فإن الواقع يكشف عن أزمة عميقة في جودة التعليم؛ فالإحصاءات تشير إلى أن 11% فقط من الأطفال في سن العاشرة قادرون على قراءة نص بسيط وفهمه. وهذا الرقم يعكس فجوة خطيرة بين نسب الالتحاق المرتفعة ونتائج التعلم المتدنية.

الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ إذ يوجد ما يقارب 14 مليون طفل في سن التعليم الأساسي خارج المدارس، وهو رقم مرشح للزيادة إذا لم تُتخذ إجراءات جذرية. وهذا الوضع يعكس أزمة مركبة؛ فالتوسع الكمي في التعليم لم يُترجم إلى تحسين نوعي في المخرجات. وتضافرت عوامل عديدة لتفاقم هذه الأزمة، من بينها تداعيات جائحة “كوفيد-19″، التي حرمت ملايين الأطفال من التعليم المنتظم، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت في قدرة الأسر على إبقاء أبنائها في المدارس.

هذه الأوضاع تضع المنطقة أمام تحدٍ استراتيجي يرتبط مباشرة بأهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الرابع الذي ينص على “ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة”؛ إذ إن بقاء الأطفال بلا تعليم -أو كان تعليمهم ضعيف الجودة- يعني استمرار دوامة الفقر والبطالة، وتعثر جهود تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.

أزمة التعليم في إفريقيا

مرتكزات البرنامج الجديد

يأتي برنامج “تقدم الطرق المبتكرة لتعزيز التعلم AIM4Learning”، بوصفه استجابة شاملة لهذه التحديات. ويقوم البرنامج على أربعة محاور رئيسية تسعى إلى إحداث تحول في بنية التّعليم الإفريقي:

  • تحسين بيئات التعلم لتصبح أكثر ملاءمة وشمولًا.
  • تطوير الكادر التعليمي، وتدعيم كفاءته.
  • تعزيز نظم الإدارة والتمويل بما يضمن الاستدامة.
  • تشجيع التعاون بين الدول لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات.

هذه الركائز ليست مجرد أهداف نظرية، بل هي خطة عملية لتغيير واقع التّعليم في القارة؛ فالبرنامج يركز على دمج التكنولوجيا الرقمية في التعليم، سواء للأطفال داخل المدارس، أو أولئك الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بها.

كما يشمل البرنامج إعادة تنظيم طرق تقديم المناهج الدراسية، وتعزيز نظم التقييم والامتحانات بما يعكس القدرات الحقيقية للطلاب، إضافة إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة الفعالة واللامركزية في إدارة المدارس.

ومما يميز هذا البرنامج أنه لا يفرض نموذجًا واحدًا على جميع الدول، بل يتيح لكل دولة اختيار الحلول التي تتناسب مع خصوصياتها واحتياجاتها الأكثر إلحاحًا. وهذا النهج المرن يعكس إدراكًا عميقًا بأن التحديات التعليمية في إفريقيا ليست متجانسة، وأن النجاح يتطلب حلولًا مصممة وفق السياق المحلي.

نموذج جزر القمر

صُمم في جزر القمر برنامج تعليمي يستهدف دعم ما يقارب 130 ألف طالب في المدارس العامة، مع التركيز على رفع جودة العملية التعليمية من خلال تدريب المعلمين، وتطوير مهاراتهم بما يتوافق مع احتياجات الطلاب المتزايدة.

هذه المبادرة لا تقتصر على توسيع نطاق الوصول إلى التّعليم فحسب، بل تهدف أيضًا إلى بناء بيئة تعليمية قادرة على مواكبة التغيرات العالمية والتحديات المحلية، خصوصًا في ظل محدودية الموارد التي تعاني منها الدولة.

وبالرغم من أن جزر القمر تُعد من أصغر الدول حجمًا وأقلها سكانًا -مقارنة بدول إفريقية أخرى- فإن هذه التجربة تُظهر بوضوح أهمية الدعم الدولي في تعزيز قدرات الدول الصغيرة والجزرية؛ لأنها تسلط الضوء على كيف يمكن للمبادرات الممولة عالميًا أن تُحدث فارقًا جوهريا في المجتمعات التي تعاني من صعوبات التمويل والبنية التحتية، لتتحول من نقاط ضعف إلى فرص لإحداث تحول حقيقي في التعليم وتحقيق التنمية المستدامة.

التنمية المستدامة في التعليم

التكنولوجيا أداة للتغيير

من أبرز سمات البرنامج الجديد اعتماده على التكنولوجيا، لتكون وسيلة لإحداث نقلة نوعية في التعليم؛ فالوسائل الرقمية تتيح فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى الأطفال في المناطق النائية، وتساعد على توفير محتوى تعليمي مرن وقابل للتكيف مع احتياجات المتعلمين.

لكن التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى بنية تحتية قوية، ومعلمين مؤهلين، ومناهج قادرة على استيعاب الابتكار. ومن هنا جاء التشديد على بناء شراكات مع منظمات دولية، مثل (الشراكة العالمية من أجل التعليم (Global Partnership for Education ، التي تسهم في توفير التمويل والخبرات، وتضمن أن تكون الحلول التكنولوجية ملائمة للسياقات المحلية.

هذا التوجه يتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف التاسع المتعلق بالصناعة والابتكار والبنية التحتية، إذ إن الاستثمار في التكنولوجيا التّعليمية يمكن أن يخلق أيضًا فرص عمل جديدة، ويعزز الابتكار المحلي، ويقلص الفجوات بين الفئات الاجتماعية المختلفة.

التعليم من أجل التنمية المستدامة

التعليم ركيزة التنمية المستدامة

لا يمكن النظر إلى برنامج التعليم الجديد بمعزل عن التنمية المستدامة؛ فالتعليم هو الأساس الذي تبنى عليه كل الأهداف الأخرى، فإن الطفل المتعلم يتمتع بفرص أوفر لكسر دائرة الفقر، ويستطيع الإسهام في الاقتصاد، ويحمي بيئته، ويشارك في صنع القرار.

من هذا المنطلق، فإن الاستثمار في التعليم هو استثمار في مستقبل القارة كلها؛ لأنه يفتح الباب أمام الاستقرار السياسي، ويعزز الاندماج الاجتماعي، ويدعم بناء مجتمعات أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية والتكنولوجية. وإن التعليم الجيد يشكل الجسر الذي يربط بين الطموح التنموي وتحقيق العدالة والازدهار للأجيال القادمة.

ولذلك يؤكد برنامج البنك الدولي أن القارة الإفريقية أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مستقبل التعليم لديها؛ فالاستثمار في التّعليم ليس خيارًا ثانويًا، بل هو ضرورة استراتيجية تحدد ملامح التنمية في العقود القادمة. وإذا ما نجحت المبادرة في تحقيق أهدافها، فإن ملايين الأطفال سيكونون قادرين على الحصول على فرص تعليمية عادلة؛ الأمر الذي يفتح أمامهم أبواب المستقبل، ويعزز قدرة بلدانهم على تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

في الختام، تجدد مؤسسة حماة الأرض تأكيدها أن دعم التعليم الأساسي في إفريقيا هو استثمار في العدالة الاجتماعية، وفي النمو الاقتصادي، وفي حماية البيئة؛ لأنه يضع الأساس لمجتمعات أكثر استدامة وإنصافًا، ويجعل من القارة شريكًا فاعلًا في بناء مستقبل أفضل للبشرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى