خطى مستدامة

خطة مصر 2025-2029.. رؤية اقتصادية شاملة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة

أهداف التنمية المستدامة

خطة مصر 2025-2029.. رؤية اقتصادية شاملة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة

منذ لحظة الإعلان عن الخطة الوطنية المتوسطة المدى (2025/2026 – 2028/2029)، التي تقدمت بها الحكومة -ممثلة في وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي- بدا واضحًا أنَّ مصر تدخل مرحلة مفصلية جديدة في مسار التنمية الوطنية؛ مما يعكس أنَّ الخطط التنموية لم  تعد مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية، وإنما تحولت إلى إطار شامل يستند إلى رؤية متكاملة تستلهم روح رؤية مصر 2030.

هذه الخطة لا تقتصر أيضًا على رسم مستهدفات اقتصادية، وإنما تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والاقتصاد والدولة، في توازن دقيق بين النمو والعدالة الاجتماعية وحماية الموارد الطبيعية.

ومع تأكيد الحكومة أن الهدف الأساسي هو بناء الإنسان المصري، فإن ذلك لا يعني التوقف عند حدود التعليم أو الصحة فحسب، وإنما يشمل أيضًا تمكين المواطن اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وضمان حصوله على فرص متكافئة في سوق العمل والخدمات العامة؛ لذا يتجلى هنا الطموح في تحويل التنمية إلى واقع ملموس، يشعر به المواطن العادي في حياته اليومية، من خلال زيادة الدخل، وتحسين الخدمات، وتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين الأقاليم.

وتأتي هذه الرؤية في وقت يشهد فيه العالم تحديات غير مسبوقة على المستويين الاقتصادي والبيئي، من التضخم العالمي، إلى التغير المناخي، إلى التفاوتات المتزايدة في توزيع الثروات؛ لذلك فإن الخطة المصرية الجديدة تقوم على تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه تحافظ على العدالة الاجتماعية والبعد البيئي. وسوف تتناول مؤسسة حماة الأرض في هذا المقال كيف تُترجم هذه الخطة إلى رؤية اقتصادية شاملة ترتبط بأهداف التنمية المستدامة، وكيف يمكن أن تسهم في صياغة مستقبل أكثر عدلاً وتوازنًا لمصر في السنوات المقبلة.

الاستثمار في رأس المال البشري

أكدت الخطة أن بناء الإنسان المصري يظل الغاية الأساسية لجميع الجهود التنموية، هذا التأكيد يعكس إدراكًا عميقًا بأن الاقتصاد لا يمكن أن يزدهر من دون قوة بشرية مؤهلة قادرة على قيادة عملية الإنتاج والإبداع؛ فالاستثمار في رأس المال البشري يمثل الركيزة الجوهرية لضمان تحقيق التنمية بمفهومها الشامل والمستدام.

غير أن هذا البناء لا يتحقق عبر التعليم وحده، وإنما يتطلب أيضًا تعزيز المشاركة المجتمعية وتوسيع الحوار الوطني حول التحديات والقضايا المصيرية؛ فحين يكون المواطن شريكًا في صياغة السياسات، يصبح أكثر التزامًا بالمشاركة في تحقيق أهدافها؛ لذلك أولت الخطة أهمية خاصة لتأصيل مبدأ المشاركة المجتمعية، بما يضمن تمثيل أطياف المجتمع كافة.

رأس المال البشري

كما ركزت الخطة على العدالة في توزيع الفرص الاقتصادية بين الأقاليم والفئات المختلفة؛ فالتنمية الحقيقية لا تعني ازدهار المدن الكبرى وحدها، وإنما تمتد لتصل إلى أصغر قرية. هذه العدالة في التوزيع تعزز روح المواطنة والتماسك الاجتماعي، وتسهم في معالجة التفاوتات التاريخية في الدخل والثروة، وهنا يتقاطع البعد الاقتصادي مع البعد الاجتماعي ليصنعا معًا أسس التنمية المستدامة.

إصلاحات هيكلية لبناء اقتصاد قادر على المنافسة

من بين المحاور الجوهرية للخطة الجديدة مواصلة تنفيذ برنامج الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري؛ فالاقتصاد الذي يعتمد على قطاع أو اثنين فقط لا يمكنه أن يصمد أمام الأزمات العالمية، ومن هنا جاء التركيز على التنويع وتعزيز الركائز الإنتاجية بشكل مستدام. الإصلاح الهيكلي يعني معالجة الاختلالات العميقة، من ضعف الإنتاجية إلى تحديات سوق العمل، ويعني أيضًا توفير بيئة اقتصادية أكثر مرونة قادرة على التكيف مع التحولات الدولية.

وفي هذا الإطار، أولت الخطة أهمية كبيرة لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري على المستوى العالمي، والمنافسة هنا لا تعني فقط جذب الاستثمارات الأجنبية، وإنما تشمل تحسين مناخ الأعمال، وتطوير البنية التحتية، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكًا رئيسيًّا في عملية التنمية؛ إذ إن تمكين القطاع الخاص يفتح المجال أمام مزيد من الابتكار والتنوع في مصادر الدخل، ويعزز مكانة مصر على خريطة الاقتصاد الدولي.

الاقتصاد المصري

فعبر تعزيز كفاءة الاقتصاد وتقليل الهدر في الموارد، يتم تحقيق أهداف تتقاطع مع الهدف (9) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، والهدف (12) الخاص بالاستهلاك والإنتاج المسئولين.

هذه التحولات تجعل من الخطة أداة لتجاوز الأزمات التقليدية التي تعيق الاقتصاد، وتفتح الباب أمام اقتصاد قادر على المنافسة عالميًّا دون أن يتخلى عن التزامه الاجتماعي والبيئي، إنه اقتصاد يعيد تعريف مفهوم النمو من مجرد أرقام في الناتج المحلي إلى جودة حياة يتحقق أثرها المباشر في حياة المواطنين.

ضبط النمو السكاني واستدامة الموارد

واحدة من أبرز التحديات التي واجهت الاقتصاد المصري لعقود هي النمو السكاني السريع؛ لذلك وضعت الخطة قضية ضبط النمو السكاني في قلب اهتماماتها، إلى جانب الارتقاء بخصائص الأسرة المصرية وتنمية الطاقة الاستيعابية لسوق العمل؛ فالسكان ليسوا مجرد أرقام، وإنما قوة عمل وطاقة إنتاجية إذا ما أُحسن استغلالها، وقد تتحول إلى عبء إذا لم تتوافر فرص العمل والخدمات الكافية.

وفي جانب آخر، أكدت الخطة على صون الموارد الطبيعية وترشيد استخدامها، مع الاعتماد على الطاقة المتجددة وتنمية الموارد المائية، هذه النقطة تحمل أهمية مضاعفة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بالتغير المناخي وشح المياه؛ فالاستخدام الرشيد للموارد يعني حماية حقوق الأجيال القادمة، ويعني أيضًا تقليل الكلفة الاقتصادية الناجمة عن الهدر والاستنزاف.

وإن الجمع بين السيطرة على النمو السكاني وترشيد استخدام الموارد يعكس إدراكًا بأن التنمية لا يمكن أن تكون قصيرة الأمد أو آنية، وإنما يجب أن تراعي توازن الأجيال وتضع في الحسبان الهدف (13) من أهداف التنمية المستدامة الخاص بالعمل المناخي، والهدف (6) المتعلق بضرورة توفير المياه النظيفة، إلى جانب الهدف (7) الخاص بالطاقة النظيفة والمتجددة.

الحماية الاجتماعية والعدالة الإقليمية

وقد وضعت الخطة الحماية الاجتماعية في صدارة أولوياتها، باعتبارها البوابة الأساسية لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية؛ فالتنمية التي لا تشمل الفئات الأولى بالرعاية تظل ناقصة؛ لذلك توسعت الخطة في مظلة الحماية الاجتماعية لتغطية جميع المستحقين، بما يسهم في تحسين ظروف المعيشة، وخفض معدلات الفقر والبطالة، وتعزيز قيم التكافل والتماسك المجتمعي.

إلا أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق عبر الدعم فقط، وإنما عبر التوزيع الإقليمي العادل للاستثمارات العامة؛ إذ تسعى الخطة إلى تصويب الفجوات التنموية بين المحافظات وتعظيم الاستفادة من المزايا النسبية المتاحة في كل إقليم، هذا التوزيع العادل يسهم في رفع مستوى الخدمات والبنية التحتية، ويفتح المجال أمام فرص عمل جديدة في المناطق التي ظلت لعقود على هامش التنمية.

التخطيط القائم على الأدلة

أحد المحاور البارزة في الخطة هو تطوير الأدوات التخطيطية لإعداد سياسات مبنية على الأدلة؛ فالتنمية لا يمكن أن تبنى على التوقعات العشوائية، وإنما على بيانات دقيقة وتحليلات علمية تتيح للحكومة رسم سياسات أكثر كفاءة وشفافية؛ فالاعتماد على الأدلة يعني تحسين كفاءة الإنفاق العام وتوجيهه إلى المجالات الأكثر احتياجًا، وهو ما يضمن تحقيق نتائج ملموسة على الأرض. كما يسهم هذا النهج في تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد، من خلال وضوح المعايير والأسس التي تقوم عليها القرارات الاقتصادية.

التخطيط الاستراتيجي

نحو اقتصاد يضع الإنسان والبيئة في المعادلة

إن الخطة المتوسطة المدى (2025/2026 – 2028/2029) لا تقتصر على كونها وثيقة اقتصادية، وإنما هي إعلان عن تحول استراتيجي في كيفية تعامل مصر مع قضايا التنمية؛ فهي تسعى إلى بناء اقتصاد قادر على المنافسة عالميًّا، وفي الوقت نفسه يضمن العدالة الاجتماعية ويحافظ على الموارد الطبيعية.

هذه الخطة تتفق تمامًا مع أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة، فهي تربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية، في معادلة متوازنة تعكس رؤية مصر 2030. إنها ليست مجرد أهداف بعيدة المدى، بل برنامج عمل واقعي يسعى إلى ترجمة الطموحات الكبرى إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

وتؤمن مؤسسة حماة الأرض بأنه من خلال الاستثمار في الإنسان، والإصلاح الهيكلي، وضبط النمو السكاني، وصون الموارد، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والتخطيط المبني على الأدلة، تقدم مصر نموذجًا عمليًّا لتطبيق أهداف التنمية المستدامة التي تضع المواطن في قلب العملية، هذا النموذج لا ينفصل عن التحديات العالمية، وإنما يتفاعل معها ويسعى إلى أن يكون جزءًا من الحل.

وفي النهاية يبقى التحدي الأكبر هو ضمان الاستمرارية والالتزام بتطبيق هذه الخطة على أرض الواقع؛ فالتنمية ليست قرارًا حكوميًّا فقط، وإنما هي عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع. ومن هنا فإن هذه الرؤية هي خطوة نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة، يصبح فيه الاقتصاد المصري أكثر قوة وصلابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى