حكاية الأرز المفقود والأسعار المشتعلة في اليابان

حكاية الأرز المفقود والأسعار المشتعلة في اليابان
مع تسارع وتيرة تغير المناخ، لم تعد تأثيراته مجرد تنبؤات مستقبلية، وإنما باتت واقعًا ملموسًا يعيد تشكيل أسس الاقتصاد والثقافة والمجتمعات حول العالم، وتتجلى هذه التحولات بوضوح في العديد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الزراعة، التي باتت تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الظواهر الجوية المتطرفة.
وفي حين تتكيف بعض المناطق تدريجيًّا مع هذه التحولات، تعاني أخرى من أزمات حادة تهدد أمنها الغذائي، ومن الدول التي تعاني مؤخرًا من هذه الآثار السلبية اليابان، التي لطالما اعتُبرت زراعة الأرز فيها جزءًا أساسيًّا من هويتها الوطنية والزراعية. وتواجه اليابان اليوم أزمة غير مسبوقة تهدد استمرارية إنتاج هذا المحصول الحيوي، نتيجة تداخل عوامل عدة، منها السياسات الزراعية قصيرة الأمد وتزايد موجات الحرارة، وانتشار الآفات، والظواهر الجوية العنيفة.
وفي الآونة الأخيرة، شهدت أسعار الأرزِ ارتفاعًا ملحوظًا، وتراجع المعروض في الأسواق؛ مما أثار قلق المواطنين وترك صدى واسعًا في أروقة السياسة، يعكس غياب خطط التنمية المستدامة التي توازن بين الإنتاج وحماية الموارد، ومن هنا سوف تسلط حماة الأرض الضوء في هذا المقال على جذور الأزمة، وتحليل تداعياتها على الأمن الغذائي، واستكشاف الحلول الممكنة لها؛ فتابعوا القراءة.
الأرز رمز للثقافة اليابانية
في اليابان لا يُعد الأرز مجرد غذاء أساسي، وإنما هو حجر الأساس الذي تقوم عليه الثقافة والمجتمع؛ فحبوب “جابونيكا” الشهيرة، ذات القوام اللزج والشكل البيضاوي، ترافق كل وجبة تقريبًا، وترتبط بالمناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد العائلية، كما لو كانت حبلًا يربط اليابانيين بجذورهم القديمة؛ ولذلك فإن أي خلل في توافر الأرز يُعد بمثابة تهديد لهوية الأمة.
ومع أن استهلاك الأرزِ شهد تراجعًا على مدار العقود الماضية بسبب التغيرات في أنماط التغذية، فإن أهميته الثقافية والعاطفية لم تتراجع؛ فلا يزال اليابانيون يفضلونه على الخبز أو المعكرونة، ولا تزال العائلات تفخر بتحضير أنواع مختلفة من “الأونيجيري” و”السوشي” في المنزل، وكل طبق من الأرزِ يروي قصةً عن الماضي، ويغذي شعور الانتماء إلى الأرض والتقاليد.
كيف بدأت أزمة الأرز؟
لم تنشب أزمة الأرز في اليابان فجأة، وإنما كانت نتيجة تراكمات بدأت مع تغيّر المناخ في صيف 2023، حيث ضربت موجة حر غير مسبوقة اليابان، وسجلت درجات الحرارة مستويات قياسية تجاوزت 40 درجة مئوية في بعض المناطق، هذه الظروف القاسية تسببت في إجهاد المحاصيل وانتشار الآفات الزراعية التي دمرت مساحات واسعة من حقول الأرز.
إلى جانب ذلك، كانت سياسات الحكومة اليابانية السابقة تعتمد على دفع المزارعين إلى تقليص مساحة زراعة الأرز من أجل موازنة العرض والطلب؛ مما أدى إلى تغير أنماط استهلاك الأرز في اليابان، ورغم أن هذه السياسات كانت فعالة في أوقات الوفرة، فإنها أصبحت عبئًا في ظل شح المحصول.
وتفاقمت الأزمة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى ارتفاع أسعار القمح عالميًّا؛ مما دفع كثيرًا من اليابانيين للعودة إلى الأرز باعتباره البديل الأرخص، غير أن التغيرات المناخية المتكررة، من جفاف إلى أمطار غزيرة، أثرت في دورة زراعة الأرز التي تتطلب استقرارًا جويًا، فضلًا عن تدهور خصوبة التربة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وهنا يتضح أن الأزمة ليست مجرد مشكلة في العرض والطلب، وإنما هي انعكاس لفشل الزراعة في التكيف مع مناخ متغير وغير مستقر.
عندما تفاقم العجز، حاولت الحكومة التدخل بإطلاق جزء من احتياطيات الأرز المخزنة للطوارئ، التي تُستخدم عادة في الكوارث الطبيعية، إلا أن هذه الخطوة جاءت متأخرة وبوتيرة بطيئة، إذ لم تصل سوى 10% من هذه الاحتياطيات إلى الأسواق بينما كانت أرفف المتاجر شبه خاوية، مما أدى إلى انفجار الغضب الشعبي وتحول الأزمة إلى مسألة سياسية.
تصريح وزير الزراعة الذي أشعل الشارع
كان اليابانيون ينتظرون من حكومتهم قرارات حازمة وسريعة تعيد الأرزَ إلى موائدهم، غير أنهم فوجئوا بتصريح غريب من وزير الزراعة “تاكو إيتو”، قال فيه: “لم أضطر يومًا لشراء الأرز، لأن أنصاري يهدونه لي دائمًا”. أشعلت هذه الكلمات غضبًا واسعًا، واعتُبرت انفصالًا تامًا عن واقع المواطن البسيط الذي يكافح لتلبية احتياجاته الأساسية.
اعتذر الوزير لاحقًا، إلا أنه اضطر للاستقالة تحت ضغط شعبي وإعلامي كبير، في محاولة من رئيس الوزراء “شيجيرو إيشيبا” لاحتواء الغضب الشعبي، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المصيرية في يوليو المقبل، وقد جاءت استقالة الوزير لتشير بوضوح إلى عمق الأزمة، وإلى فشل الحكومة حتى الآن في إدارة ملف غذائي حساس؛ مما زاد حالة الإرباك والتوتر.
وفي مشهد يعكس حجم الارتباك، تم تعيين وزير البيئة السابق “شينجيرو كويزومي” في المنصب، وهو سياسي معروف بمحاولاته السابقة لإصلاح جماعات الضغط الزراعية القوية في اليابان، وأُوكلت إليه مهمة التحقيق في أسباب الأزمة وإيجاد حل سريع يعيد ثقة الناس في الحكومة.
تشابك المصالح يعمّق الأزمة
لا تتوقف الأزمة عند حدود الإنتاج وحده، وإنما تمتد إلى بنية السوق المعقدة في اليابان، حيث يعتمد معظم المزارعين على نظام تقليدي تديره الجمعيات التعاونية الزراعية، وهي كيانات ذات نفوذ كبير ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحزب الحاكم، وتعد هذه الجمعيات صمام أمان في تنظيم العرض والطلب، غير أنها وجدت نفسها اليوم في موقف دفاعي بعد أن فوجئت بالنقص المفاجئ.
لم تكن تلك الجمعيات مجهزة للتعامل مع تغير المناخ المفاجئ؛ فنقص البيانات الدقيقة حول تأثيرات تغير المناخ في الإنتاج، وعدم وجود خطط طوارئ مرنة، جعل هذه الهيكلة التقليدية غير فعّالة في مواجهة التحديات الجديدة. وبحسب “ماسايوكي كاناموري” المسئول التنفيذي في الاتحاد العام للجمعيات التعاونية، فإن الجمعيات فوجئت بالنقص الحالي، وأخطأت في تقدير احتياجات السوق، والأسوأ أن بيانات وزارة الزراعة كشفت أن احتياطي الأرز لدى الجمعيات وتجار الجملة انخفض بمقدار 400 ألف طن مقارنة بالعام الماضي؛ ليصل إلى مستوى منخفض قياسي قدره 1.53 مليون طن فقط منذ يونيو 2024.
هذا النقص كشف أيضًا عن مشكلات هيكلية في سلسلة الإمداد، من أبرزها تزايد اعتماد السوق على قنوات بيع غير تقليدية مثل التجارة الإلكترونية والشركات الخاصة؛ مما يصعّب تعقب حركة الأرز وتحديد أماكن توافره، وزاد الأمر سوءًا حين انتشرت الاتهامات الموجهة لبعض تجار الجملة بتخزين الأرزِ عمدًا بهدف رفع الأسعار وتحقيق أرباح مضاعفة.
الأبعاد التنموية للأزمة
لا يمكن النظر إلى أزمة الأرز في اليابان بمعزل عن أبعادها البيئية والتنموية؛ فهي تكشف هشاشة النظام الغذائي الوطني نتيجة تغير المناخ، كما توضح التراخي في دعم البنية الزراعية، والسياسات قصيرة المدى؛ مما يضع البلاد أمام تحديات تحقيق الهدف (2) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الجوع، كما أبرزت الأزمة ضعف التخطيط والشفافية في إدارة المخزون والتوزيع؛ مما يؤثر سلبًا في مرونة السوق وعدالة الأسعار، ويستدعي سياسات دقيقة لضمان الاستدامة والعدالة البيئية والاجتماعية في سلسلة القيمة الغذائية.
وتُعتبر هذه الأزمة فرصة لإعادة صياغة نموذج الزراعة الوطني ليواكب التحديات المناخية والاقتصادية ويتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (13) المتعلق بالعمل المناخي. فزراعة الأرز، المرتبطة بالهوية الثقافية لليابان، تحتاج إلى الابتكار التكنولوجي وتدوير الموارد لتعزيز الإنتاج المحلي المستدام.
إجراءات الحكومة لحل أزمة الأرز
وفي إطار مواجهة الأزمة، يدرك رئيس الوزراء “إيشيبا” أن استمرار هذه الأزمة قد يهدد مستقبل حكومته، ولهذا تعهد بخفض سعر الأرزِ إلى نحو 3000 ين ياباني (20 دولارًا) لكل 5 كيلوجرامات، وهو المستوى الذي يُعتبر مقبولًا لغالبية المواطنين، إلا أنه اعترف في البرلمان بأن الحكومة لا تملك حاليًّا تفسيرًا واضحًا لفشلها في ضبط الأسعار، مشيرًا إلى أن الخطوة الأولى ستكون تحديد كمية الأرزِ المتوفرة بدقة وأماكن وجوده.
كما أشار وزير الزراعة الجديد إلى خطط للتحول إلى عقود حكومية طوعية للأرزِ، تتيح للحكومة مراقبة أفضل للأسعار وتوزيع أكثر عدالة في المستقبل، غير أن هذه الخطط تصطدم بعقبات فنية، مثل النقص في الطاقة الإنتاجية اللازمة لتحويل الأرزِ البني في الاحتياطيات إلى الأَرز الأبيض النقي، الذي يفضله اليابانيون.
وفي ظل هذا التخبط، بدأت بعض المتاجر الكبرى في اليابان بتحديد كميات الأرزِ التي بيعت لكل زبون، ومنحتهم كيسًا واحدًا فقط في كل زيارة، في محاولة لاحتواء الهلع والاحتكار، كما بدأ البعض باستيراد الأَرز من الخارج، رغم أن المستهلك الياباني لا يُفضل الأنواع المستوردة، التي تختلف في المذاق والقوام عن الأرزِ المحلي.
مستقبل زراعة الأَرز في اليابان
وبعيدًا عن الحلول المؤقتة، تبدو الأزمة الحالية جرس إنذار يدق بشدة لتنبيه الحكومة إلى هشاشة قطاع الزراعة الياباني؛ فمتوسط عمر المزارع الياباني يبلغ 69 عامًا، وتعدادهم انخفض إلى النصف خلال العقدين الماضيين؛ ليصل إلى نحو 1.1 مليون شخص فقط في عام 2024. ومع تضاؤل أعداد المزارعين وارتفاع تكاليف الإنتاج، يصعب الحفاظ على اكتفاء ذاتي غذائي في المستقبل القريب.
ويشير الخبراء إلى أن الحل يبدأ من إعادة هيكلة السياسات الزراعية، وتقديم حوافز حقيقية للمزارعين الشباب، وتشجيع الابتكار الزراعي والتقنيات الحديثة، كما ينبغي فتح الباب لتوسيع صادرات الأَرزِ الياباني إذا ما تحقق فائض مستقبلي، وعدم الاعتماد فقط على الأسواق الداخلية.
ومن هذا المنطلق ترى حماة الأرض أن أزمة الأَرز في اليابان تُعد تذكيرًا قويًّا بأن الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن التخطيط المستدام والإدارة الرشيدة للموارد؛ ففي زمن التغير المناخي والأزمات الجيوسياسية، يصبح تحقيق التوازن بين الإنتاج، والسياسات، والاستهلاك أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.




