كيف تغير الاتفاقيات الدولية ملامح البنية التحتية لشبكات النقل العالمية؟

كيف تغير الاتفاقيات الدولية ملامح البنية التحتية لشبكات النقل العالمية؟
أصبحت البنية التحتية كلمة السر في عصر الانفتاح والترابط العالمي المتزايد، فكلما تقاربت الدول وتعمقت شراكاتها الاقتصادية، زادت الحاجة المُلحة إلى شبكات نقل دولية قادرة على دعم هذه الوتيرة المتصاعدة للتجارة البينية. وتلك الشبكات هي ركيزة جوهرية لا غنى عنها لتحقيق التكامل الاقتصادي الفعلي بين الدول.
وفي هذا السياق، يستعرض المقال أبرز الاتفاقيات الأوروبية التي أسهمت في وضع الأسس وتطوير العديد من شبكات الطرق والسكك الحديدية والممرات المائية الدولية، موضحًا أهدافها والدول المشاركة فيها. كما يسلّط الضوء على مشروعات إقليمية مماثلة تستمد رؤيتها من تلك الاتفاقيات وتسير في الاتجاه ذاته لتعزيز حركة البضائع والأفراد عبر الحدود.
تنمية البنية التحتية للنقل
يعدّ قطاع النقل عنصرًا أساسيًّا لضمان حسن سير الأنشطة الاقتصادية، كما يشكِّل ركيزة مهمة لتعزيز الرفاه الاجتماعي وترابط المجتمعات. فالنقل يوفِّر للناس القدرة على التنقل اليومي، ويمثل محورًا رئيسيًّا في عمليات إنتاج السلع وتوزيعها. كما تُعدُّ البنية التحتية الملائمة شرطًا مسبقًا لتؤدي أنظمة النقل دورها بكفاءة.

ورغم الجهود المبذولة لتسهيل حركة النقل، يواجه صناع القرار في الحكومات والمنظمات الدولية تحديات معقدة تعوق عملية التنمية. وتشمل هذه التحديات العوائق المادية مثل نقص أو سوء جودة البنية التحتية، ووجود نقاط اختناق وفجوات في شبكات الربط، إضافة إلى محدودية التمويل اللازم لمعالجتها.
وتبقى معالجة هذه الإشكاليات مهمة صعبة، تتطلب تدخُّل الحكومات المعنية، على أن يتم ذلك ضمن إطار تنسيق مشترك مع حكومات أخرى على المستوى الدولي.
جهود الدول الأعضاء في تطوير شبكات النقل
ومن بين الجهود العالمية المشتركة: اللجنةُ الاقتصاديةُ لأوروبا التابعة للأمم المتحدة (UNECE)، التي يتمتع أعضاؤها من دول العالم بخبرة طويلة ومعرفة واسعة في تطوير شبكات نقل دولية مترابطة عبر أوروبا. وقد وضعت هذه الدول أربع اتفاقيات رئيسية لشبكات النقل، تستهدف تطوير منظومات متكاملة لكل من: النقل البري والسكك الحديدية، والممرات المائية الداخلية، والنقل الدولي المشترك.
وتشمل اتفاقيات شبكات النقل التابعة للجنة الاقتصادية لأوروبا ما يلي:
- الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بطرق المرور الدولية الرئيسية (AGR)، الموقعة عام 1975.
- الاتفاقية الأوروبية لخطوط السكك الحديدية الدولية الرئيسية (AGC)، الموقعة عام 1985.
- الاتفاقية الأوروبية بشأن خطوط النقل الدولية المشتركة المهمة والمنشآت ذات الصلة (AGTC)، الموقعة عام 1991.
- الاتفاقية الأوروبية بشأن الممرات المائية الداخلية الرئيسية ذات الأهمية الدولية (AGN)، الموقعة عام 1996.
ونتتبع في هذا المقال تفاصيل كل اتفاقية على حدة، موضحين أهدافها، ونطاق تطبيقها، والمراجعات التي خضعت لها، لفهم الدور الذي تلعبه في تعزيز شبكات النقل الدولية.

الاتفاقية الأوروبية المتعلقة بطرق المرور الدولية
توفر الاتفاقية الإطار القانوني الدولي اللازم للدول الأعضاء في اللجنة لبناء وتطوير شبكة طرق دولية مترابطة، بهدف تعزيز النقل البري الدولي وحركة المرور في جميع أنحاء المنطقة. وتحدد الاتفاقية شبكة الطرق الأوروبية (E-roads)، التي تتكون من الطرق الرئيسية الموجهة لحركة المرور الدولية الكبرى في أوروبا، بالإضافة إلى معايير البنية التحتية التي يجب أن تتوافق معها هذه الطرق.
وتخضع للمراجعة الدورية والتحديث عند الضرورة، لتتكيف مع التطورات السياسية وحركة النقل الجديدة، مثل الحاجة إلى طرق جديدة في دول ناشئة أو تلك التي تنشأ نتيجة تدفقات مرورية جديدة.
وشهدت كذلك مراجعة كبيرة في أوائل التسعينيات عقب سقوط “الستار الحديدي (Iron Curtain)” وهي الحدود السياسية والاقتصادية التي شكلت حاجزًا بين أوروبا الشرقية والغربية في وجود الاتحاد السوفيتي، فقد نُفذت تلك المراجعة لأخذ حركة المرور الجديدة بين الشرق والغرب بعين الاعتبار، ثم خضعت لمراجعة رئيسية أخرى في السنوات الأخيرة لتشمل أيضًا الطرق الدولية في دول القوقاز وآسيا الوسطى.
وتلتزم الدول التي تصبح طرفًا متعاقدًا في الاتفاقية بتنفيذ بنودها، بما في ذلك بناء أو تطوير الطرق الأوروبية الموجودة ضمن أراضيها، في إطار برامجها الوطنية للاستثمار، مع منحها كامل الحرية في تحديد مواعيد استكمال أعمال البناء.
الاتفاقية الأوروبية لخطوط السكك الحديدية الدولية
توفر الاتفاقية الأوروبية للخطوط الحديدية الدولية الرئيسية الإطار القانوني والفني اللازم لتطوير شبكة سكك حديدية دولية مترابطة في المنطقة التابعة للجنة. وتحدد الاتفاقية خطوط السكك الحديدية ذات الأهمية الدولية الكبرى، المعروفة باسم شبكة السكك الحديدية الأوروبية (E-rail network)، كما توضح معايير البنية التحتية الفنية التي يجب أن تتوافق معها هذه الخطوط.

كما تحدد أيضًا المعايير اللازمة لإنشاء البنية التحتية لفئتين من الخطوط: الخطوط القائمة بالفعل والخطوط الجديدة المخطط إنشاؤها، وتقسم الأخيرة بدورها إلى خطوط مخصصة لنقل البضائع والركاب معًا، وأخرى مخصصة للركاب فقط.
وتخضع للمراجعة الدورية عند الضرورة لتواكب التطورات السياسية وحركة النقل في أوروبا، وقد خضعت مؤخرًا لمراجعة رئيسية لتشمل أيضًا شبكات السكك الحديدية الدولية في دول القوقاز وآسيا الوسطى.
وعند انضمام الدول الأوروبية باعتبارهم أطرافًا متعاقدة في الاتفاقية، فإنها تلتزم بتنفيذ بنودها، بما في ذلك بناء أو تطوير خطوط السكك الحديدية الأوروبية الواقعة ضمن أراضيها، في إطار برامجها الوطنية، دون أي قيود زمنية على استكمال الأعمال.
الاتفاقية الأوروبية بشأن خطوط النقل الدولية المشتركة
توفر تلك الاتفاقية الإطار القانوني والفني لتطوير البنية تحتية وخدمات النقل الدولية لتصبح متكاملة وفعَّالة بين الطرق والسكك الحديدية. ويشمل مفهوم النقل المشترك نقل الحاويات، والهياكل القابلة للتبديل، والشاحنات بالكامل على عربات السكك الحديدية بين المحطات المجهزة خصوصًا لهذا الغرض.
وتحدد الاتفاقية جميع خطوط السكك الحديدية الأوروبية المهمة المستخدمة للنقل الدولي المشترك، كما تحدد جميع المحطات، ونقاط عبور الحدود، وروابط العبارات، والمرافق الأخرى الضرورية لتقديم خدمات النقل الدولي المشترك.
وتضع الاتفاقية معايير البنية التحتية المقبولة دوليًّا لهذه الخطوط والمرافق المرتبطة بها، كما تحدد معايير الأداء الدولية المقبولة للقطارات والمرافق والمعدات المستخدمة في النقل المشترك.
وتلتزم الدول الأوروبية التي تصبح أطرافًا متعاقدة في الاتفاقية بتنفيذ بنودها، بما في ذلك بناء أو تطوير خطوط السكك الحديدية والمرافق المرتبطة بالنقل المشترك ضمن أراضيها، في إطار برامجها الوطنية، دون أي قيود زمنية على استكمال الأعمال. لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في 20 أكتوبر 1993.
الاتفاقية الأوروبية بشأن الممرات المائية الداخلية
تحدد تلك الاتفاقية الإطار المتفق عليه دوليًّا لشبكة الممرات المائية الداخلية والموانئ الأوروبية، بالإضافة إلى معايير البنية التحتية والتشغيل الموحدة التي يجب أن تتوافق معها.
وتمتد شبكة الممرات المائية الأوروبية، التي تشمل الأنهار الصالحة للملاحة والقنوات والمسارات الساحلية، جغرافيًّا من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال، لتربط بين 37 دولة وتصل إلى مناطق تتجاوز نطاق أوروبا التقليدي.
أيضًا بانضمام الحكومات إلى هذه الاتفاقية، فإنها تلتزم ببناء وتطوير الممرات المائية الداخلية والموانئ ذات الأهمية الدولية ضمن أراضيها، وفق الشروط الموحدة المتفق عليها، وضمن برامجها الاستثمارية الوطنية. لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في 26 يوليو 1999.

اتفاقية الطرق الدولية في المشرق العربي
في سياق الجهود العالمية لتعزيز الربط بين الدول عبر شبكات نقل دولية متعددة الوسائط، تأتي اتفاقية الطرق الدولية في المشرق العربي خطوةً إقليميةً مشابهةً لاتفاقيات اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة.
تهدف الاتفاقية إلى إنشاء شبكة طرق تربط دول المشرق العربي، عبر محاور شمال وجنوب وشرق وغرب، لتسهيل النقل البري والتجارة والتكامل الإقليمي. كما تضم الاتفاقية دولًا مثل مصر، الأردن، سوريا، لبنان، العراق، فلسطين، ودول الخليج العربي، وتضع معايير فنية موحدة للطرق لتعزيز السلامة والجودة.
وتشترك الاتفاقية مع مشروعات UNECE -مثل AGR وAGC- في السعي لإقامة شبكة دولية مترابطة، ووضع معايير مشتركة للبنية التحتية، مع إلزام الدول بتنفيذها، بما يعزز التجارة وحركة النقل عبر الحدود ضمن إطار قانوني متفق عليه.
ختامًا، تبرز هذه الاتفاقيات الأوروبية والإقليمية كيف يمكن للتعاون الدولي أن يسهم في بناء شبكات نقل متكاملة وفعَّالة تشكِّل ركيزة أساسية للتجارة والتكامل الاقتصادي بين الدول. فإن البنية التحتية المتطورة ليست مجرد مسارات للعبور، بل هي عنصر حيوي لتعزيز الحركة الاقتصادية والاجتماعية وتقوية الروابط بين الشعوب.
كما تعكس المشروعات الإقليمية المماثلة في المشرق العربي نفس الرؤية، مؤكدة أن وضع المعايير المشتركة والتنسيق بين الدول يشكِّلان الطريق الأمثل لتحقيق تنمية مستدامة وازدهار اقتصادي متوازن عبر الحدود.
ومن منظور مؤسسة حماة الأرض، تُعد شبكات النقل الدولية أكثر من مجرد طرق وسكك حديد وممرات مائية؛ فهي شرايين الحياة التي تربط بين الدول والشعوب، وتفتح آفاقًا للتجارة المستدامة والتعاون الإقليمي. وانطلاقًا من هذه الرؤية المُلهمة، تدعو المؤسسة جميع الدول إلى تبني هذه الرؤية، والعمل بروح الشراكة لبناء شبكات نقل ذكية ومستدامة، تضمن حركة فعَّالة للبضائع والأفراد، وتترجم الالتزام بالاستدامة إلى واقع ملموس على الأرض، يعود بالنفع على الأجيال الحالية والمستقبلية.




