صناعات مستدامة

إعادة تدوير النفايات النووية: تحويل المواد المشعة إلى وقود نظيف

النفايات النووية

إعادة تدوير النفايات النووية: تحويل المواد المشعة إلى وقود نظيف

فرضت تحدياتُ الطاقة في القرن الماضي نفسها باعتبارها عائقًا في طريق دول عديدة نحو تحقيق قفزة صناعية واقتصادية ضخمة، وهو ما قاد -بالضرورة- إلى البحث عن أساليب جديدة لتوليد الطاقة؛ لتعمل جنبًا إلى جنب مع الوقود الأحفوريّ، ومن أبرز الطرق التي تم اكتشافها وتطويرها -ومِن ثَمَّ الاعتماد عليها- توليد الطاقة النووية.

ضَمَّتِ الطاقةُ النوويةُ في جعبتها -بطبيعة الحال- حزمةَ تأثيراتٍ متضاربة؛ فمن ناحية يمكن لمحطات الطاقة النووية تأمين نسبة كبيرة من احتياجات أي دولة من الكهرباء، ومن ناحية أخرى تشكل أخطارًا كبيرةً، سواء في أثناء عمليات تشغيلها أم عند التخلص من نفاياتها المشعة. ونحاول في هذا المقال البحث عن حلول للتعامل مع هذه النفايات شديدة الخطورة؛ للتقدم نحو مستقبل مستدام وطاقة نظيفة.

مشكلة النفايات النووية

عندما يتم توليد الكهرباء تتولد مجموعة واسعة من المخلفات، وهذا بغض النظر عن الوقود المستخدَم؛ فكما تنتج عن محطات الطاقة النووية نفايات مشعة (مخلفات إشعاعية)، تنتج -أيضًا- عن محطات إنتاج الطاقة من الوقود الأحفوريّ نفايات أخرى متنوعة. وفي جميع الأحوال تجب إدارة جميع هذه النفايات لحماية الصحة العامة والحد من الآثار البيئية السلبية، ولكن نظرًا إلى ما يمكن أنْ تتسبب فيه من آثار مدمرة؛ تحتل النفايات المشعة مكانةً خاصةً.

اللافتُ للانتباه هنا، هو أنَّ الطاقةَ النوويةَ تمثل -في حد ذاتها- نوعًا فريدًا من أنواع الطاقة، حيث يمكننا توليد كميات كبيرة من هذه الطاقة بواسطة كميات صغيرة من الوقود النوويّ، مثل اليورانيوم المخصب. كما أنَّ كمياتِ النفايات المتولدة عن هذه الصناعة قليلةٌ أيضًا. ولكن المشكلة هنا، هي أنَّ النسبةَ العظمى من هذه النفايات ملوَّثةٌ إشعاعيًّا؛ مما يجعل التعامل معها أكثر صعوبةً.

تنتج النفايات المشعة في جميع مراحل إنتاج الطاقة النووية، وتحتاج إلى عمليات معالجة خاصة، وطرق تخلص محددة؛ وهذا لضمان عدم تسرب التلوث الإشعاعيّ إلى البيئات المحيطة.

إعادة تدوير النفايات النووية

تُنتَجُ الطاقةُ النوويةُ لأغراضٍ سلميةٍ عن طريق تفاعلات الانشطار الكيميائيّ، حيث يتم توجيه ضربات إلى أنوية ذرات الوقود النوويّ باستخدام النيترونات؛ وهذا يؤدي إلى انشطار هذه الأنوية، وتوليد كميات هائلة من الطاقة الحرارية، التي تُستخدَمُ بعد ذلك في إنتاج البخار لتوليد الكهرباء.

تشكل إعادة تدوير الوقود النوويّ المستهلَك ركيزةً أساسيةً في إدارة النفايات النووية، حيث يمكن معالجة نفايات الوقود النوويّ لاستعادة المواد الانشطارية والخصبة؛ لاستخدامها مرَّةً أخرى في تفاعلات الانشطار النوويّ. وفي حين أنَّ عديدًا من الدول لم تَتَبَنَّ بَعدُ فكرةَ أنَّ الوقودَ النوويَّ المستهلَكَ موردٌ يمكن الاستفادة منه، وليس مجرد نفايات يجب التخلص منها؛ فإنَّ الدولَ الأوروبيةَ والصينَ واليابانَ -على سبيل المثال- لدى كلٍّ منها إجراءات معمول بها، لإعادة معالجة المواد النووية المستخدَمة.

وربما كان الدافعُ الأساسيُّ وراءَ تبني هذه الدول إعادة معالجة الوقود النوويّ المستهلك، الحصولَ على البلوتونيوم واليورانيوم المهدرينِ في أثناء عمليات إنتاج الطاقة؛ وهو ما يمكن أنْ يؤدي إلى إنتاج طاقة إضافية بنسبة 25 – 30%، بالإضافة إلى تقليل كمية النفايات الخطرة -التي يتم التخلص منها- إلى خُمسها تقريبًا.

ومما تجدر الإشارة إليه، هو أنَّ إعادةَ معالجة الوقود النوويّ المستهلَك يتم تطبيقها في هذه الصناعة منذ مدة طويلة؛ لاستعادة العناصر الانشطارية، وإعادة تدويرها، وكذا خفض كمية النفايات عالية الإشعاع الناتجة، ولكن الأمرُ يحتاج إلى أنْ يَتَحَوَّلَ إلى طريقة قياسيةٍ، تُستخدم -على نطاق واسع- في هذه الصناعة بمختلف بلدان العالم.

ولمعرفة مدى تأثير إعادة تدوير النفايات النووية، نجد -على سبيل المثال- أنَّ المفاعلات النووية سريعة النيوترونات -وهي مفاعلات تستخدم النيترونات المحملة بطاقة تفوق 5 ميجا فولت- يمكن أنْ تؤدي إعادة تدوير النفايات بها إلى تقليل عمر النصف في نويدات هذه النفايات من 10000 إلى 200 عامٍ؛ مما يقلل من السمية الإشعاعية للنفايات النووية على مدى مدة طويلة.

ولمِن لا يعلم، فعمر النصف في المواد الإشعاعية هو الوقت اللازم لتحلل نصف النَّوَى الذريةِ في كتلة مشعة، أو هو -بشكل أكثر تبسيطًا- الوقت اللازم لتختفي نصف كمية كتلة مشعة ما، ويتغير عمر النصف هذا من نظيرٍ مشعٍّ إلى آخرَ؛ مما يعني أنه كلما انخفض عمر النصف للمادة أو المخلف الإشعاعيّ، كان تأثيره الضار في البيئة أقل.

أبرز تقنيات إعادة تدوير النفايات النووية

تم الترويج للطاقة النووية -لوقتٍ طويلٍ- باعتبارها وسيلةً عمليةً لمكافحة تغيُّرِ المناخ، وتوفير إمدادات موثوقة من الكهرباء، غير أنَّ التخلصَ من النفايات النووية ما يزال تحديًا كبيرًا. على جانبٍ آخرَ، قدمتِ التطوراتُ الأخيرةُ في الجيل الرابع من المفاعلات النووية ومفاعلات الوحدات الصغيرة (SMRs) – خياراتٍ قابلة للتطبيق؛ للتعامل مع النفايات المشعة وإعادة تدويرها، ونسلط الضوء في ما يأتي على أبرز هذه الخيارات:

1- مفاعلات الملح المنصهر: تستخدِم مفاعلاتُ الملح المنصهر (MSRs) الأملاحَ السائلةَ للفلورايد أو الكلوريد، باعتبارها موادَّ تبريدٍ ووقودًا في الوقت نفسه، حيث تُعتبر هذه الأملاح أكثر أمانًا بطبيعتها؛ لأنها تعمل في درجات حرارة أعلى وضغوط أقل. ومن خلال حرق النفايات النووية الناتجة عن هذا النوع من المفاعلات -بشكل فعَّال- يمكن تقليل كمية العناصر المشعة، التي تتمتع بأعمار نصف أطول.

2- مفاعلات النيوترونات السريعة (FNRs): تستخدم هذه المفاعلات -كما أشرنا- النيترونات التي تحمل طاقةً تفوق 5 ميجا فولت، وهذا لتحويل المواد المشعة المخصبة إلى وقود نوويّ؛ مما يمكنها من استغلال موارد اليورانيوم بشكل أكثر كفاءة، وتقليل النفايات المشعة.

3- مفاعلات الحرارة العالية المبردة بالغاز (HTGRs): تتميز هذه المفاعلات بعملها عند درجات حرارة عالية جدًّا، مقارنةً بالمفاعلات الأخرى، كما أنها تستخدم الغازات الخاملة في عملية التبريد. يمكن لهذا النوع من المفاعلات إنتاج الهيدروجين، وكذا استخدام كميات الحرارة الكبيرة المهدرة -نتيجةً لعملياتها التشغيلية- في توفير احتياجات صناعات أخرى من الحرارة، في حين أنه يمكن حرق النفايات النووية الناتجة أو إعادة تدويرها.

4- المفاعلات السريعة المبردة بالصوديوم (SFRs): تُعرف المفاعلاتُ التي تستخدم الصوديوم السائلَ مادةَ تبريدٍ بدلًا من الماء، باسم المفاعلات السريعة المبردة بالصوديوم أو SFRs. تُمكن في هذه المفاعلات إعادةُ تدوير الوقود النوويّ المستهلَك؛ مما يقلل من النفايات، ويطيل العمر الإنتاجيّ لإمدادات اليورانيوم.

التجارب الناجحة لإعادة تدوير النفايات النووية

تمثل فرنسا نموذجًا فريدًا في إعادة تدوير النفايات النووية، ومن أبرز نجاحاتها في هذه المجال هو مصنعها المبتكر لإعادة تدوير الوقود النوويّ في إقليم المانش، حيث تتم معالجة الوقود النوويّ المستهلَك، لاستعادة المواد الانشطارية القيمة -مثل اليورانيوم والبلوتونيوم- التي يُعاد استخدامها في المفاعلات النووية.

هذه المعالجة لا تؤدي إلى تقليل حجم النفايات النووية فحسب، وإنما تعمل على تحسين احتياطات الطاقة المستدامة في فرنسا؛ هذا البلد الذي يعتمد -بشكل كبير وأساسيّ- على الطاقة النووية في توفير احتياجاته من الكهرباء بنسبة تصل إلى 68%، وهي أعلى نسبة في أي بلد حول العالم.

هذا النهج الفرنسيّ في إعادة تدوير النفايات الصناعية يؤدي إلى زيادة عمر الوقود النوويّ، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوريّ، وهو صورة من صور التطبيق الأمثل في استخدام الطاقة النووية، باعتبارها حلًّا لتلبية احتياجات الطاقة بشكلٍ نظيفٍ وذي بصمة كربونية صغيرة.

لدى المملكة المتحدة مثال آخر رائع على إعادة التدوير في مجمع سيلافيلد النوويّ بـ”كمبريا” شمال غرب إنجلترا، وهذا عبر محطة إعادة معالجة الأكسيد الحراريّ المعروفة بـ”THORB”، حيث تساعد هذه المنشأةُ على إعادة تدوير الوقود النوويّ، وتقليل النفايات المشعة.

الفرص والتحديات المستقبلية

يجب أنْ نَعِيَ أنَّ إعادةَ معالجة وتدوير الوقود النوويّ المستهلَك ستؤدي إلى توليد نفايات يمكنها أنْ تتحلل عند المستويات الطبيعية، التي تتراوح بين 300 و400 سنة، وهذا بدلًا من 250,000 سنة في حال تم التخلص من هذه النفايات بشكل مباشر دون إعادة تدويرها؛ مما يعني -بالضرورة- أنَّ عمليةَ إعادة المعالجة والتدوير عمليةٌ أساسيةٌ لتقليل العبء عن الأجيال القادمة -بشكل كبير- عند تعاملها مع هذه النفايات شديدة الخطورة.

ومع ذلك، ففرض تطبيق إعادة تدوير النفايات النووية -على نطاق واسع- يُعدُّ مهمةً صعبةً إلى حدٍّ كبيرٍ؛ لذا فمن الضروريّ -قبل فرض هذا التطبيق على جميع الدول باعتباره الممارسةَ القياسيةَ في الصناعة- أنْ تُحَسَّنَ تقنياتُ إعادة المعالجة وإعادة التدوير؛ لتجنب أي مشكلات قد تنتج عنها.

ولإجمال ما سبق –كما أشرنا في مقال سابق– يمكن للطاقة النووية أنْ تكون مِفتاحًا لتحقيق صافي انبعاثات صفريّ؛ فهذه التكنولوجيا الرائدة يمكنها أنْ تلبي احتياجات الطاقة العالمية مع بصمة كربونية منخفضة، إلا إنَّ الأخطارَ المتعلقةَ بهذه الصناعة -مِن أبرزها النفايات المشعة- تمثل حجر عثرة في طريق الطاقة النووية، ولعلنا حاولنا في هذا المقال استعراض أحدث ما توصلت إليه الصناعة للتعامل مع هذه القضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى