إهدار الطعام بين أهداف التنمية المستدامة وقيم شهر رمضان

إهدار الطعام بين أهداف التنمية المستدامة وقيم شهر رمضان
إهدار الطعام هو قضية من أبرز القضايا التي تكشف عن اختلال أنماط الاستهلاك المعاصرة؛ لما يحمله من آثار مباشرة على الموارد الطبيعية، والأمن الغذائي، والعدالة الاجتماعية؛ لأنَّ كل كمية طعام تُهدر تمثل استنزافًا غير مبرر للمياه والطاقة وجميع الموارد، وتزيد في الوقت نفسه من أعباء النفايات والتلوث، وهو ما يتعارض مع أهداف التنمية المستدامة وأبعادها.
وفي هذا الإطار، ومع حلول شهر رمضان المبارك لعام 2026 -أعاده الله على الأمة الإسلامية بالخير- يتقاطع جوهر الدين الإسلامي مع مبادئ الاستدامة الحديثة أو خطة التنمية المستدامة 2030؛ إذْ يؤكد قيمةَ الاعتدال، وأهميةَ صون النعمة، وضرورةَ ترشيد الاستهلاك، باعتبارها جميعًا مسئوليةً أخلاقيةً وسلوكية.
وإذا كان ذلك مما يتجلَّى صراحةً في شهر رمضان المبارك، فهو بلا شك نموذج عملي لترجمة القيم الإسلامية الإنسانية إلى واقع يومي مستدام، حيث يُعاد تنظيم العلاقة بين الإنسان وشتَّى مناحي بيئته على أساس من الوعي والتكافل.
ومن هذه الزاوية يتناول مقال “إهدار الطعام بين أهداف التنمية المستدامة وقيم شهر رمضان” أبعادَ هذه القضية بوصفها تحديًا تنمويًّا وسلوكيًّا متشابكًا، محللًا جذورها الاقتصادية والبيئية، ومبرزًا تقاطعها مع القيم الإسلامية الداعية إلى الاعتدال وصون النعمة، مع تقديم حزمة من النصائح المستدامة والخطوات العملية البسيطة التي تساعد الأُسر على ترشيد استهلاكها؛ فتابعوا القراءة.
مواجهة إهدار الطعام خطة عالمية
لقد جاءت جهود مواجهة إهدار الطعام ومكافحته بشتَّى الطرق على أنها صورة من صور الاستجابة لأجندة التنمية المستدامة العالمية 2030، غير أنَّ نظرةً فاحصةً تكشف لنا عن أنَّ هناك انسجامًا واضحًا بين القيم الدينية وأهداف التنمية المستدامة وأبعادها الثلاثة: البعد الاجتماعي، البعد الاقتصادي، البعد البيئي، وذلك بما يدعم بناء مجتمعات أكثر عدلًا ووعيًا واستدامة.
ومِن هنا، يعود ملف إهدار الطعام إلى الواجهة -مع حلول شهر رمضان- بوصفه أحد أكثر التحديات التصاقًا بسلوكنا اليومي؛ بسبب تحضير كميات زائدة من الطعام، وسوء التخطيط، وذلك بالرغم من أنَّ هذا الشهر الفضيل يحمل في جوهره دعوة أخلاقية إنسانية واضحة إلى الاعتدال، وحُسن التدبير، وعدم الإسراف.
لأنه بينما يُفترض أنْ يكون رمضانَ موسمًا للاعتدال في الاستهلاك ومراجعة أنماط التسوق والشراء، تشير الوقائع -بكل أسف- إلى أنَّ معدلات إهدار الطعام ترتفع في بعض المجتمعات الإسلامية في أثناء هذا الشهر، خاصةً في ما يتعلق بالشراء والتخزين وإعداد الموائد الرمضانية.

الاستهلاك المفرط قرار غير مسئول
يبدأ إهدار الطعام بقرارات استهلاكية غير محسوبة وغير مسئولة، حتى إنها تتضخم بفعل العروض الترويجية والمشتريات الزائدة، وتنتهي بكميات كبيرة من الغذاء. وهذه الممارسات تتناقض صراحة مع القيم الرمضانية التي تؤكد أنَّ النعمة تُصان، وأنَّ الموارد تُدار بحكمة، لا سيما في عالم يعاني فيه ملايين البشر من انعدام الأمن الغذائي.
ومن منظور الاستدامة فإنَّ تقليل هدر الطعام في رمضانَ سلوك فردي، سوى أنه إسهام مباشر في تحقيق الهدف 12 من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسئولين، الذي يدعو إلى خفض نصيب الفرد من هدر الغذاء عالميًّا.
سبب ذلك هو أنَّ كل وجبة يتم التخطيط لها بعناية، وكل فائض يُعاد توجيهه أو حفظه أو مشاركته، هو خطوة كبيرة في طريق مستدام نحو عالم خالٍ من الاعتداء على موارد الطبيعة، حيث تصبح النفايات القابلة للتحلل أقل، وينتصر الإنسان في معركة الانبعاثات المرتبطة بسلسلة الغذاء ونفاياتها.
إذنْ، يأتي رمضانُ في هذا السياق ليكون فرصة سنوية لإعادة ضبط علاقتنا بالطعام: من الشراء الواعي، إلى الطهي الرشيد، وصولًا إلى ثقافة المشاركة والتكافل. وهو ما يجعل من الشهر الكريم مساحة عملية لترجمة القيم الدينية إلى ممارسات مستدامة، تُعلي من قيمة النعمة، وتُحارب الهدر، وتربط بين السلوك اليومي والمسئولية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في صعيد واحد.
صيام مستدام بخطوات بسيطة
وحتى لا يظل الحديث عن الاستدامة إطارًا نظريًّا عامًّا، فإنَّ ترجمة هذه القيم إلى واقع يومي تبدأ بخطوات عملية بسيطة يسهل تطبيقها داخل كل منزل؛ لأنَّ ترشيد الاستهلاك لا يحتاج إلى تغييرات جذرية بقدر ما يتطلب قدرًا من الوعي والتنظيم المسبق، وهذا بتحويل السلوك الغذائي في رمضانَ من اندفاع موسمي إلى ممارسة مسئولة ومتوازنة مع مقاصد الشهر الكريم وأهداف التنمية المستدامة السبعة عشرة.
ومن بين هذه الخطوات البسيطة التي يمكن بها تقليل إهدار الطعام في رمضان:
- إعداد قائمة مشتريات أسبوعية محددة، والالتزام بها.
- شراء الكميات المناسبة لعدد أفراد الأسرة فقط.
- تجنب التسوق أثناء الجوع؛ لتفادي الشراء العشوائي.
- تنظيم الثلاجة وفق مبدأ: الأقدم يُستهلك أولًا.
- طهي كميات معتدلة، وتقسيمها إلى حصص واضحة.
- حفظ الفائض بطريقة آمنة في عبوات محكمة.
- إعادة توظيف بقايا الطعام في وصفات جديدة بدلًا من التخلص منها.
- مشاركة الطعام الزائد الصالح للاستهلاك مع الجيران أو المحتاجين.
- تحويل بقايا الخضراوات غير الصالحة للأكل إلى سماد منزلي إنْ أمكن.

في المحصلة لا يمكن التعامل مع إهدار الطعام إلَّا بوصفه انعكاسًا مباشرًا لمنظومة قيم وأنماط استهلاك تحدد شكل علاقتنا بالموارد وبالآخرين؛ فاستمرار الهدر يعني تعميق الفجوة بين الوفرة والاحتياج، وزيادة الضغط على النظم البيئية، وإضعاف الجهود العالمية الرامية إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى رأسها القضاء على الجوع.
ومن هذا المنطلق، ترى مؤسسة حماة الأرض أنَّ الإطار القيمي الإسلامي -خاصة في شهر رمضان- يقدم نموذجًا أخلاقيًّا متكاملًا لمعالجة هذه الإشكالية من جذورها، عبر إعادة الاعتبار لمعاني الترشيد، والمحاسبة الذاتية، والمسئولية المجتمعية.
وعلينا أنْ ندرك أنَّ الحد من إهدار الطعام يتضمن إعادة بناء الوعي، وتحويل السلوك اليومي إلى أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الموارد، وبينما تضع الأطر الدولية أهدافًا رقمية ومؤشرات قياس، يظل الرهان الحقيقي معقودًا على قدرة المجتمعات على مواءمة هذه الأهداف مع منظوماتها الثقافية والدينية، بما يجعل من الاستدامة ممارسة حية، ومِن رمضانَ محطة سنوية لإعادة ضبط المسار نحو تنمية أكثر اتزانًا وإنصافًا.




