التنمر يهدد الطفولة ويعيق التنمية المستدامة

التنمر يهدد الطفولة ويعيق التنمية المستدامة
في أحد الفصول الدراسية، يجلس طفل منعزل، تحيطه نظرات الاستهزاء وهمسات الزملاء؛ فيتحول فضاء المدرسة من مكان للتعلم والنمو إلى حلبة صراع نفسي تؤدي إلى تآكل الثقة، واضطرابات السلوك، وقد تفضي أحيانًا إلى عواقب مأساوية، كحالات الانتحار التي وثّقتها تقارير اليونيسف ومراكز الدراسات النفسية.
وما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا هو أن التنمُّر، سواء اللفظي أو الجسدي أو الإلكتروني، يتغلغل في البيئة اليومية للطفل، مدفوعًا بعوامل متعددة، أبرزها غياب التوعية الأسرية، وضعف الرقابة المدرسية، والانفلات الرقمي في الفضاء الإلكتروني، وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن واحدًا من كل 3 طلاب في العالم يتعرضون لشكل من أشكال التنمر في بيئاتهم التعليمية.
وفي هذا المقال، تسلط حماة الأرض الضوء على هذه الظاهرة من منظور شامل، يربط بين جذورها النفسية والاجتماعية، والتحديات الميدانية المرتبطة بمواجهتها، مع التركيز على دور حقوق الطفل في الحد من هذه الممارسات، كما تتناول كيفية تأثير التنمُّر في مسار التنمية المستدامة، وتدعو إلى فهمه باعتباره قضية تنموية تؤثر مباشرة في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية؛ فتابعوا القراءة.
من أين يبدأ التنمر؟
يحدث التنمُّر نتيجة تراكمات ثقافية واجتماعية ونفسية، فغالبًا ما تبرز هذه الظاهرة بيئة أسرية تعاني من التفكك أو العنف، وتغيب فيها ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، ينتقل الطفل بعدها إلى محيط مدرسي قد يفتقر إلى آليات احتواء السلوكيات العدوانية أو التوجيه السليم؛ إذ تشير العديد من الدراسات والأبحاث إلى أن من بين أكثر العوامل شيوعًا في سلوك المتنمرين هي التعرض للعنف المنزلي أو الإهمال العاطفي، وهو ما يخلق حالة من عدم الاتزان النفسي تتجلى في سلوك عنيف تجاه الآخرين.

وفي المقابل يسهم غياب التوعية المجتمعية في تضخيم هذه الظاهرة؛ إذ لا يزال البعض يرى في التنمر وسيلة لإثبات الذات، دون إدراك العواقب الوخيمة التي قد تترتب عليه، ولعل أخطر ما في الأمر هو أن العديد من حالات التنمُّر لا يتم الإبلاغ عنها، خوفًا من الانتقام أو بسبب شعور الضحية بالخجل، ما يجعل الظاهرة أشبه بـ”جبل الجليد” الذي لا نرى منه إلا القمة كما وصفه تقرير نُشر على الموقع العلمي (Nature).
ولأن هذه الظاهرة مستمرة ولا يتم التعامل معها بشكل صحيح، فإن ذلك يعكس وجود بيئة غير صحية في المجتمع لا تحترم كرامة الأفراد، خاصة الأطفال، وهو ما يقوض جهود التنمية المستدامة؛ فبناء مجتمعات شاملة وآمنة هو أحد أهداف التنمية المستدامة، وتحديدًا الهدف (16)، الذي يركز على تعزيز مجتمعات سلمية وشاملة من أجل التنمية المستدامة، وتوفير إمكانية الوصول إلى العدالة للجميع، وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة على جميع المستويات.
خطر التنمر في العالم الرقمي
مع تسارع تطور الوسائل التكنولوجية واتساع نطاق استخدامها بين الأطفال، لم يعد التنمُّر حبيس الفصول الدراسية أو ساحات اللعب التقليدية، وإنما تجاوز حدود الواقع ليتمدد داخل الفضاء الرقمي، حيث يجد المتنمرون بيئة خصبة ومنصات مفتوحة لممارسة الإساءة والتشهير بعيدًا عن أعين الرقابة.
وقد بات التنمُّر الإلكتروني اليوم من أكثر أشكال التنمُّر انتشارًا بين الأطفال والمراهقين، نظرًا لما يوفره من سهولة الوصول إلى الضحية، وإمكانية إخفاء الهوية، وسرعة تداول المحتوى المسيء؛ مما يضاعف من أثره النفسي والاجتماعي ويجعل مواجهته تحديًا معقدًا يتطلب وعيًا وتدخلًا متعدد المستويات.
وتواجه المؤسسات التعليمية تحديات حقيقية في رصد هذا النوع من التنمُّر أو التفاعل معه بالسرعة المطلوبة؛ إذ لا تزال العديد من المدارس تفتقر إلى سياسات واضحة لمواجهة التنمُّر، أو لا توفر تدريبًا كافيًا للمعلمين لتحديد علامات الإساءة النفسية أو الجسدية، ويزداد التحدي خطورة حين يكون الطفل في بيئة لا توفر له صوتًا أو حماية قانونية حقيقية.

وفي ظل هذه التحديات، يبرز التداخل الوثيق بين مواجهة هذه الظاهرة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف (4) المعني بضمان تعليم جيد للجميع؛ فالتعليم الشامل والعادل لا يمكن أن يتحقق في بيئة مدرسية يخيّم عليها الخوف، ويتعرض فيها الطفل لضغوط نفسية مزمنة تُضعف دافعيته للتعلم وتحدّ من مشاركته. ويتجاوز تأثير التنمُّر حدود الصف الدراسي، ليمسّ بشكل مباشر الهدف (3) المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه، حيث تؤدي التجارب المؤلمة إلى تدهور الصحة النفسية للأطفال؛ مما يؤثر سلبًا في الجهود المبذولة لتعزيز سلامة الأطفال النفسية وقدرتهم على النمو في بيئة آمنة وداعمة.
دور حقوق الطفل في مواجهة التنمر
أمام هذا الواقع، برزت العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تنادي بحماية حقوق الطفل، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1989، حيث تنص هذه الاتفاقية في مادتها الـ19 على حماية الطفل من جميع أشكال العنف أو الإساءة، بما فيها التنمُّر.

غير أن تطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع لا يزال يواجه صعوبات كثيرة، تبدأ من ضعف التشريعات المحلية في بعض الدول، وتصل إلى محدودية الموارد المخصصة لحماية الطفل في المؤسسات التعليمية، ولا شك أن إشراك الأطفال أنفسهم في حملات التوعية وتمكينهم من التعبير عن مشكلاتهم يمثل ركيزة أساسية في معالجة المشكلة من جذورها.
الوقاية من التنمر مسئولية مشتركة
ولا يمكن تحميل جهة واحدة مسئولية تلك الظاهرة؛ فالمعالجة الفعالة تتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع، حيث تبدأ الوقاية من المنزل، ويجب على الوالدين غرس مفاهيم التسامح، والاحترام، وحل النزاعات بالحوار منذ سن مبكرة، مع إظهار الدعم النفسي والعاطفي للطفل دون شروط.
أما في المدارس فلا بد من اعتماد استراتيجيات واضحة لرصد ومنع التنمُّر، وتدريب الكوادر التعليمية على كيفية التعامل مع هذه الحالات بسرعة وفعالية، كما يجب إدماج موضوعات كالتربية النفسية والتواصل الإيجابي في المناهج التعليمية. وتشير دراسة حديثة نشرها المرجع العلمي البريطاني “BioMed Central” إلى أن إدخال برامج توعوية داخل المدارس أدى إلى انخفاض نسب التنمُّر بنسبة 25% في بعض الولايات الأمريكية.
ومن جهة أخرى، يتحمل المجتمع والإعلام دورًا أساسيًّا في تغيير الصورة النمطية حول التنمُّر، عبر حملات توعية تُظهر آثاره الحقيقية وتروج لثقافة القبول والتنوع، ويُعد تعزيز هذه الأدوار الجماعية أداة رئيسية لتحقيق الهدف (11) من أهداف التنمية المستدامة المتعلق ببناء مجتمعات آمنة وقادرة على مواجهة التحديات الاجتماعية.
جهود مصر في مكافحة التنمر
وفي إطار الجهود المتواصلة لمكافحة ظاهرة التنمر بين الأطفال، أطلقت الحكومة المصرية سلسلة من المبادرات الوطنية بالتعاون مع منظمات دولية، بهدف تعزيز بيئة تعليمية آمنة وصحية؛ ففي عام 2018 تم إطلاق أول حملة وطنية لمكافحة التنمر، بالتعاون بين المجلس القومي للطفولة والأمومة ووزارة التربية والتعليم، وبدعم من منظمة اليونيسف والاتحاد الأوروبي، بهدف تشجيع الأطفال وأولياء الأمور ومقدمي الرعاية على التحدث ضد هذه الظاهرة في البيئات التعليمية وغير التعليمية، واللجوء إلى الخط الساخن القومي للطفولة 16000 للحصول على الدعم والإبلاغ عن الحالات الشديدة التي تهدد سلامة الطفل.
بالإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة بتطوير استراتيجية وطنية وخطة عمل تنفيذية لإنهاء العنف ضد الأطفال، وذلك بالتعاون مع اليونيسف، وتشمل هذه الاستراتيجية تعزيز دور لجان حماية الطفل ووحدات إدارة الحالات، وإطلاق حملات إعلامية متعددة لمواجهة العنف والتنمُّر الموجه للأطفال وتعزيز ثقافة الرفض المجتمعي لهذه الظواهر.
تشير هذه الجهود المتكاملة إلى التزام الدولة المصرية بتوفير بيئة آمنة تحمي الأطفال من جميع أشكال العنف والتنمُّر، ومع استمرار تفعيل المبادرات الوطنية وتوسيع نطاق التوعية المجتمعية، تتعزز فرص بناء منظومة تعليمية تراعي حقوق الطفل وتضمن له النمو في مناخ يحترم كرامته ويصون صحته النفسية.
كيف يؤثر التنمر في التنمية المستدامة؟
وتحمل قضية التنمُّر أبعادًا تنموية بعيدة المدى؛ فالمجتمع الذي يُهمل حماية أطفاله منه، هو مجتمع يُقصي فئة هشة من المشاركة في تحقيق التنمية المستدامة، وتشير دراسة لمنظمة اليونيسف إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للتنمر، يكونون أكثر عرضة لترك التعليم، والانخراط في سلوكيات خطرة؛ مما يؤدي إلى فقدان طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة.
إن بناء مجتمع مستدام يتطلب بيئة حاضنة منذ الطفولة، تُنمي في الفرد قيم الانتماء والتعاون، وليس العدوان والإقصاء؛ فالعدالة الاجتماعية تبدأ من حماية الطفل في مدرسته، والتمكين يبدأ من شعوره بالأمان داخل أسرته، والاستدامة تبدأ من مناهج تعليمية تُرسخ قيم الكرامة الإنسانية.
ولذلك فإن كل جهد يُبذل لمواجهة التنمر لا يخدم فقط حماية الأطفال، وإنما يُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وبناء مجتمعات أكثر عدالة وشمولًا، وفي ظل التحديات التي تفرضها هذه الظاهرة على أطفالنا ومجتمعاتنا، تدعو حماة الأرض إلى إعادة النظر في طريقة تعاملنا مع هذه الظاهرة، ليس فقط باعتبارها قضية تربوية أو اجتماعية، وإنما باعتبارها جزءًا رئيسيًّا من رؤية التنمية المستدامة التي تضع الإنسان في قلب كل توجه تنموي.




