علوم مستدامة

من الحقول إلى سلال النفايات.. أزمة هدر الطعام والحلول المطروحة

هدر الطعام

من الحقول إلى سلال النفايات.. أزمة هدر الطعام والحلول المطروحة

يتصاعد الجدل العالمي حول هدر الطعام بوصفه أحد أكثر مظاهر الاختلال في أنظمة الإنتاج والاستهلاك المعاصرة. فالمشكلة لم تعد محصورة في فائض على رفوف المتاجر أو بقايا في المنازل، فقد تحوَّلت إلى قضية بيئية واقتصادية واجتماعية ذات امتداد عالمي.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن أنظمة الغذاء مسئولة عن نحو ثلث الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية، فيما يسهم هدر الطعام وحده بنحو 8 إلى 10% من إجمالي هذه الانبعاثات سنويًّا. في هذا السياق، تتزايد الدعوات لإعادة النظر في طريقة إدارة الغذاء من الحقل إلى المائدة، باعتبار أن تقليص الفاقد يمثل مدخلًا مباشرًا لمعالجة ضغوط المناخ والموارد.

ويتضح من مسار النقاش أن معالجة هدر الطعام تتطلب مقاربة تتجاوز الحلول الجزئية، إذ تمس أبعادًا مترابطة تشمل البيئة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية. فالفاقد الغذائي يعني استنزافًا للمياه والطاقة والأراضي الزراعية، إلى جانب خسائر مالية وفرص ضائعة لإطعام فئات تعاني من انعدام الأمن الغذائي. ومن هنا تنبع أهمية الانتقال من منطق إدارة النفايات إلى منطق إعادة تصميم المنظومة بأكملها.

هدر الطعام والتحول من الاقتصاد الخطي إلى الدائري

يرتبط تفاقم هدر الطعام ببنية نظام غذائي يقوم على نموذج خطي يبدأ بالإنتاج وينتهي بالنفايات. ففي هذا النموذج، تتحرك السلع من المزارع إلى المصانع ثم إلى المتاجر والمستهلكين، مع هامش واسع للفقد في كل مرحلة من مراحل السلسلة. ومع تراكم الكميات غير المستهلكة، تتحول المياه والطاقة والأراضي المستخدمة في إنتاجها إلى عبء بيئي إضافي يضاعف الأثر المناخي.

الاقتصاد الدائري

وفي المقابل، يدعو خبراء الاستدامة إلى اعتماد نموذج دائري يعيد توظيف الفائض بوصفه موردًا يمكن استثماره. ويستند هذا التوجه إلى مفهوم “المحصلة النهائية الثلاثية” (Triple Bottom Line)، وهو إطار إداري يقيّم أداء المؤسسات وفق ثلاثة أبعاد متوازنة: الربح الاقتصادي، والأثر البيئي، والمسئولية الاجتماعية. ووفق هذا المنظور، يصبح تقليل هدر الطعام جزءًا من استراتيجية أعمال شاملة، لا مجرد مبادرة خيرية.

ومن خلال تتبع المخزون الغذائي وقياس الفاقد بدقة، يمكن للمؤسسات تقدير الخسائر المالية الناجمة عن الهدر، وتطوير آليات لاستعادته عبر مسارين رئيسيين:

  • إعادة التوزيع، من خلال توجيه الفائض الصالح للاستهلاك إلى بنوك الطعام والجمعيات المجتمعية عبر منصات رقمية تنظم عمليات النقل والتخزين.
  • إعادة التدوير أو الاستفادة الثانوية، مثل تحويل بقايا الطعام إلى سماد عضوي أو إلى مدخلات صناعية أخرى ضمن إطار الاقتصاد الدائري.

وبهذا المعنى، يتحول تقليل هدر الطعام من إدارة للنفايات إلى إعادة تصميم لسلسلة القيمة الغذائية، بما يعزز الكفاءة الاقتصادية ويحد من الانبعاثات في آن واحد. غير أن اكتمال التحول نحو نموذج دائري يظل مرهونًا بمعالجة الفاقد من بدايته، أي في مرحلة الإنتاج الزراعي نفسها، حيث تتشكل نسبة معتبرة من هدر الطعام قبل وصوله إلى الأسواق.

التحول الزراعي وتقليص الفاقد من المصدر

تبدأ معالجة هدر الطعام من مرحلة الإنتاج الزراعي، حيث تتعرض كميات كبيرة من المحاصيل للفقد بعد الحصاد نتيجة ضعف التخزين أو تقلبات السوق. ويوصي خبراء المناخ بضرورة التوسع في زراعة محاصيل أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية المتطرفة، بما يحد من خسائر الإنتاج ويعزز الأمن الغذائي. كما يمثل تطوير مرافق التخزين في المزارع أداة فعالة لتقليل الفاقد، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية مناسبة.

إلى جانب ذلك، يتيح تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة من المحاصيل الزائدة، مثل تحويل الفواكه والخضراوات إلى منتجات معلبة أو معالجة، فرصة لإطالة عمرها التسويقي. وتدعم بعض البرامج الحكومية في بعض الدول هذا التوجه عبر توفير تمويل منخفض الفائدة لتحديث مرافق التخزين والمعالجة.

ومع توسع الأسواق البديلة التي تربط المنتجين مباشرة بالمستهلكين، تتراجع احتمالات إهدار الفائض، ويُعاد دمجه في الدورة الاقتصادية. وعند هذه المرحلة، ينتقل التحدي من الحقول إلى قنوات التوزيع، حيث يتشكل جزء مهم من هدر الطعام داخل سلاسل الإمداد التجارية.

سلاسل التوريد ودور الشركات الكبرى

يمثل قطاع المطاعم والأعمال نحو 28% من إجمالي هدر الطعام عالميًّا، ما يضع الشركات في موقع محوري ضمن جهود المعالجة. وفي هذا السياق، برزت عدة مسارات عملية يمكن أن تقلص الفاقد داخل سلاسل التوريد، من أبرزها:

  • أنظمة إنقاذ الطعام (Food Rescue Systems): ربط الفائض الغذائي بالجمعيات والمجتمعات المحتاجة عبر منصات رقمية تنظم عمليات النقل والتوزيع.
  • تسويق المنتجات غير منتظمة الشكل (Wonky Food): قبول الخضراوات والفواكه التي لا تستوفي المعايير الجمالية التقليدية بدل استبعادها من العرض.
  • تحديث تقنيات التخزين والتتبع: استخدام أنظمة قياس رقمية لرصد الفاقد في المخازن وتقليل التلف.
  • تعديل السياسات الداخلية: إعطاء الأولوية للاستدامة طويلة الأمد على حساب اعتبارات الربح السريع.

هذه الأدوات تعكس تحولًا تدريجيًّا في النظرة إلى هدر الطعام داخل القطاع التجاري، حيث أصبح تقليل الفاقد مرتبطًا بالكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف والانبعاثات في آن واحد. وبينما تتجه الشركات إلى إعادة ضبط سياساتها، يبقى سلوك المستهلك عنصرًا مؤثرًا في معادلة هدر الطعام.

السلوك الاستهلاكي كحل مكمل

على مستوى الأسر، تشير التقديرات إلى أن نحو 37% من هدر الطعام يحدث في المنازل. ويعكس ذلك دور العادات الشرائية وأنماط الاستهلاك في تفاقم المشكلة. ويسهم تنظيم المشتريات، وتخطيط الوجبات، وفهم دلالات تواريخ الصلاحية على المنتجات في تقليل الكميات المهدرة. كما أن توسيع نطاق التسميد المنزلي -بتحويل بقايا الطعام إلى سماد طبيعي لتخصيب التربة- يمكن أن يخفف من تراكم النفايات العضوية في المكبات، وهو ما يرتبط بتقليل انبعاثات الميثان.

ومع ذلك، يبقى السلوك الفردي جزءًا من منظومة أوسع، حيث تؤثر الإعلانات التجارية، ومعايير العرض في المتاجر، وسياسات التسعير على قرارات المستهلكين. ومن ثم، فإن التوعية تمثل رافعة مهمة، خاصة عندما تتكامل مع إصلاحات هيكلية في سلاسل الإمداد.

وفي الختام، تكشف أبعاد هدر الطعام عن تحدٍ يتقاطع مع أهداف تنموية متعددة، من تعزيز الأمن الغذائي إلى خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد. فالحد من الفاقد يسهم في دعم الهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع، والهدف الثاني عشر الخاص بالاستهلاك والإنتاج المسئولين، إضافة إلى الهدف الثالث عشر المعني بالعمل المناخي. ومع إدراك أن الغذاء مورد استراتيجي يرتبط بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، تصبح إدارة الفائض مسألة حوكمة رشيدة.

وترى مؤسسة حماة الأرض أن التعامل مع هدر الطعام يستدعي تحولًا في طريقة التفكير، بحيث يُنظر إلى كل مرحلة في سلسلة الغذاء باعتبارها فرصة لتعظيم القيمة وتقليل الفاقد. فإعادة تصميم النظام الغذائي على أسس دائرية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية والتوعية، تمثل مسارات عملية لبناء منظومة أكثر توازنًا. وفي ظل تزايد الضغوط المناخية وارتفاع الطلب العالمي على الغذاء، يظل تقليص هدر الطعام خطوة محورية نحو تحقيق تنمية مستدامة أكثر قدرة على الصمود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى