كيف قادنا التقدم إلى التأخر؟

كيف قادنا التقدم إلى التأخر؟
كانتِ الحياةُ في الصعيد -حيث عِشْتُ وتربيتُ- بسيطةً وهادئةً، وهو الأمر الذي كان واضحًا -بشكل كبير- في القرن الماضي، وهكذا كانتِ الحالُ -أيضًا- في القاهرة ووجه بحري؛ ولكن ما شهده العالَمُ -ومصر بالتبعية- من تَقدُّمٍ هائلٍ في العقود الأخيرة أدَّى -بالتبعية- إلى تغيُّرٍ حادٍّ في أنماطنا الاستهلاكية.
وبالرغم مما يُتيحه هذا التقدمُ الحضاريُّ والتقنيُّ مِن حلولٍ تُيسر حياتنا، وتدعم نمونا؛ فإننا نستطيع أنْ نرى الآن -بشكل جلي- أنَّ هذا التقدمَ قد حمل في طياته تأخرًا في سلوكياتنا وعاداتنا من ناحية الحفاظ على البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
أنماط استهلاكية سيئة
عاش بعضٌ مِنَّا ليرى هذا التحولَ في السلوكيات والعادات، وبعضٌ آخرُ لم يشاهد -ربما- الماضي إلا مِن خلال الأفلام والمسلسلات الكلاسيكية، التي يمكن أنْ تُقدمَ -بشكلٍ أو بآخرَ- أبرزَ ملامح أسلوب حياتنا في الماضي.
الأمثلةُ على التحول في السلوك المرتبط بالتقدم كثيرةٌ، فلم تكن الخَضْرَاوَاتُ والفاكهةُ تُبَاعُ -سابقًا- إلا في أكياس من الورق، ولم تكن المشروباتُ والأدويةُ تُباع إلا في عبوات زجاجية، وكنا لا نشرب ولا نأكل إلا في الأواني المعدنية أو الخزفية؛ كل ما سبق تغيَّر تمامًا بعد البلاستيك.
لقد تحوَّلنَا في لمح البصر إلى استخدام البلاستيك بكثرة، فدخل في صناعة عبوات الصودا، والألياف التي تُصنع منها الملابس، وأدوات المائدة -بالطبع- إلى جانب عبوات الزبادي واللبن، وغيرها من الاستخدامات.
ليس البلاستيك فحسب، وإنما الأمثلة كثيرة على هذه التحولات الاستهلاكية، ومنها: الموضة السريعة، والاعتماد الكامل على أجهزة التكييف، وتبديل الأجهزة الإلكترونية بين حينٍ وآخرَ، حتى عند عدم وجود حاجة. هذا النمط الاستهلاكي النَّهِمُ أدَّى -بالضرورة- إلى زيادة معدلات الإنتاج؛ لمواكبة الطلب المتزايد على مختلف المنتجات، ناهيك بالزيادة السكانية المضطردة.
النتيجة الحتمية لما سبق هي استهلاك كميات ضخمة من الوقود الأحفوري؛ لتلبية احتياجات الطاقة للقطاعات الصناعية والخدمية، لنجد أنفسنا أمام تهديدٍ وجوديٍّ متمثل في الاحتباس الحراري وتغيُّر المناخ.
ثقافة التيك أواي
مصرُ تواجه في الأعوام الأخيرة -كغيرها من البلدان- تحولًا على نطاق واسع في أنماط استهلاك الطعام والشراب، خصوصًا بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، التي ساعدتْ على شيوع أساليب استهلاكية غير صحية بالمرَّة. وليس هذا التحول سوى انعكاسٍ لما يشهده العالم كله من تحررٍ تجاريٍّ وإلغاءٍ للحدود والحواجز؛ ولذا يسعى بعضُ الناسِ -بسبب هذا التحول وزيادة سرعة الحياة- إلى تغيير سلوكياتهم الغذائية، التي من أبرزها الاعتماد على الوجبات السريعة، وهو ما أدَّى بالضرورة إلى مشكلاتٍ كبيرةٍ في الصحة العامة، وإضافة بصمة كربونية ضخمة.
ولو نظرنا إلى الريف المصري -على سبيل المثال- لوجدناه مجتمَعًا قائمًا على العَلاقات الأسرية القوية، ولكن مع هجرة سكانه إلى الحَضَرِ، وظهور أدوات من شأنها الترويج لثقافة مجتمعات أخرى؛ أصبح كثيرٌ من أهل الريف يميلون إلى اتباع أنماط استهلاكية غير جيدة، وغريبة على طبيعتهم.
ما أريد تأكيده في هذا المقال، هو أنَّ الممارسات الاستهلاكية كانتْ -قديمًا- أقربَ إلى الحفاظ على البيئة وأصدقَ في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وليس المأكلُ والمشربُ أو الموادُّ البلاستيكيةُ المثالَ الوحيدَ على هذا التحول الغريب، وإنما هي الأمثلة الأكثر بروزًا في حياتنا اليومية.





