خطى مستدامة

الاتفاقيات الدولية تحالف عالمي ضد التلوث العابر للحدود

الاتفاقيات الدولية

الاتفاقيات الدولية تحالف عالمي ضد التلوث العابر للحدود

بينما يعتقد كثير من الناس أنَّ التلوث مشكلة محلية منحصرة في المناطق التي تُصدر التلوث والانبعاثات الضارة – يكشف العلم حقيقة مدهشة؛ هي أنَّ التلوث لا يعترف بالحدود، لذا سوف تتناول حماة الأرض في هذا المقال ظاهرةَ “التقطير العالمي”، وتناقش الاتفاقيات الدولية التي تحد من هذه الظاهرة البيئية؛ فتابعوا معنا القراءة.

مفهوم تأثير التقطير العالمي

تشرح “مجلة Nature” ظاهرةَ التقطير العالمي The Grasshopper Effect”” بأنها الملوثات العضوية الثابتة -مثل المبيدات الزراعية، والمواد الكيميائية الصناعية- التي تتبخر بفعل الحرارة في بعض المناطق، فتنتقل إلى المناطق الباردة، وهناك تتكثف بسبب البرودة؛ ومِن ثَمَّ تتحرك هذه الملوثات -يُشار إليها علميًّا بـpersistent organic pollutants- بشكل متكرر عبر دورات التبخر والتكثيف، مشكِّلةً نمطًا يشبه قفز الجراد من منطقة إلى أخرى.

الاتفاقيات الدولية

أمثلة واقعية

يتسبب التلوث العابر للحدود -حسب بحث نشرته معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH)– في تدهور الأنظمة البيئية الخاصة بالقطبين الشماليّ والجنوبيّ، مسبِّبًا اختلال التوازن الغذائيّ، وانخفاض أعداد الأنواع المهددة بالانقراض.

وفي القطب الشماليّ -تحديدًا- أظهرتِ الدراساتُ التي أجرتها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجويّ بالولايات المتحدة الأمريكية (NOAA)، تراكمَ مادة الـDDT -تُستخدم مادة الدي دي تي مبيدًا حشريًّا- في الأنسجة الدهنية لبعض الحيوانات القطبية كالدببة والفقمة، وهذا علَى الرغم من أنَّ مثل هذه المادة لم تُستخدم في المناطق القطبية مطلقًا.

وهناك مثال آخر علَى ظاهرة انتقال الملوثات العضوية الثابتة؛ إذْ تغطي سُحب الكربون الأسود الأنهار الجليدية في سلسلة جبال الهيمالايا، وهو الأمر الذي يتسبب في ذوبان هذه الأنهار بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

أمَّا بالنسبة إلى صحة الإنسان فقد أظهرت الدراسات ارتباطًا بين التعرض للملوثات العضوية الثابتة والمشكلات الصحية الخطيرة، ومنها اضطرابات الغدد الصماء، والسرطان، وأمراض القلب؛ وحينئذٍ تتقوض جهود التنمية المستدامة في قطاع الصحة وغيره من القطاعات الحيوية.

الحلول والاستجابة الدولية

للحد من تأثير هذه الظاهرة تبنَّتِ الدولُ عددًا من الاتفاقيات الدولية، حسبما نشر موقع Science Direct. وبشكل أكثر تفصيلًا نلقي الضوء في السطور القادمة علَى أبرز هذه الاتفاقيات، موضحين دور كل منها في تعزيز الاستدامة البيئية؛ وهي:

اتفاقية ماربول (MARPOL)

إنَّ الاتفاقية الدولية لمنع التلوث من السفن (MARPOL) أقدم الجهود الدولية لمواجهة التلوث البحريّ. وقد وُقِّعتْ هذه الاتفاقيةُ في عام 1973 تحت إشراف المنظمة البحرية الدولية (IMO)، وتهدف إلى تقليل التلوث الناتج عن السفن بسبب تسرب النفط، أو النفايات الكيميائية، أو المواد البلاستيكية. وتُعدُّ ماربول من أنجح الاتفاقيات في الحد من التلوث البحريّ؛ لأنه يتم تحديثها بانتظام لتشمل اللوائح المتعلقة بانبعاثات الكبريت من وقود السفن.

اتفاقية التلوث الجوي بعيد المدى  (LRTAP)

تم تبني اتفاقية التلوث الجويّ بعيد المدى عبر الحدود (LRTAP) في عام 1979 تحت رعاية اللجنة الاقتصادية لأوروبا، وهي لجنة تابعة للأمم المتحدة. وتهدف هذه الاتفاقية إلى الحد من انبعاث التلوث العابر للحدود، مثل ثاني أكسيد الكبريت، والمواد العضوية الثابتة بشكل عامّ. وتُعدُّ هذه الاتفاقية مثالًا رائعًا علَى التعاون الإقليميّ؛ لأنَّ دولًا أوروبيةً كثيرةً -مع دول أمريكية شمالية- شاركت فيها، لأجل تحسين جودة الهواء، وتقليل التلوث العابر للحدود.

اتفاقية بازل

دخلت اتفاقية بازل حيز التنفيذ في عام 1992، وركَّزت علَى إدارة النفايات الخطرة ومعالجتها، وهي اتفاقية تفرض لوائحَ صارمةً علَى ما تُصدره الدول المتقدمة من نفايات إلى الدول النامية. وبهذا النهج أصبحت اتفاقية بازل نموذجًا دوليًّا في إدارة النفايات الخطرة، وتقليل أخطارها البيئية.

اتفاقية ستوكهولم

إنَّ اتفاقية ستوكهولم تقوم بمكافحة الملوثات العضوية الثابتة منذ عام 2001، بخاصة المواد الكيميائية الخطرة مثل مبيدات الـDDT، والمواد الصناعية مثل ثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCBs) -صنف من المركبات الكيميائية، ويُستخدم عازلًا في المُكثِّفات والمحوِّلات الكهربائية- وكذلك تدعم اتفاقيةُ ستوكهولم الدولَ الناميةَ، وتساعدها علَى تنفيذ برامج إدارة المواد الكيميائية إدارةً مستدامةً.

اتفاقية الآسيان

في جنوب شرق آسيا وُقِّعتْ اتفاقيةُ الآسيان الخاصة بمكافحة تلوث الضباب العابر للحدود، وهي محاولة دولية لمعالجة أزمة الضباب الذي تتسبب فيه حرائق الغابات؛ ومِن هنا أصبح لاتفاقية الآسيان دور مهم في تعزيز التعاون الآسيويّ في مجال مكافحة الانبعاثات الناجمة عن الحرائق، وضمان جودة الهواء، فضلًا عن أنها أصبحت خطةَ طوارئ دوليةً للحد من الضباب في منطقة جنوب شرق آسيا، وغيرها من المناطق.

اتفاقية باريس

وقَّعتْ دولُ العالم عام 2015 اتفاقية باريس تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغيُّر المناخيّ، وقد سعى العالم من خلالها إلى تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض فوق 1.5 درجة، وكذلك تقليل الملوثات العضوية الثابتة عن طريق تحفيز الابتكار في الطاقة النظيفة، ودعم السياسات البيئية المستدامة.

الاتفاقيات الدولية

في الختام يظهر لنا أنَّ مثل هذه الاتفاقيات تنظر إلى التلوث العابر للحدود باعتباره مشكلةً عالميةً يجب أنْ تتصدى لها الحكومات والمنظمات جميعًا؛ حتى يمكننا تقديم حلول مستدامة وابتكارات بيئية، وهذا ما تؤمن به حماة الأرض وتؤكده في كل أنشطتها التوعوية؛ لأجل ضمان مستقبل مستدام لنا وللأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى