علوم مستدامة

شريحة ذكية تقرأ أفكارك.. مستقبل الذكاء الاصطناعي في دمج العقل بالتقنية

الذكاء الاصطناعي

شريحة ذكية تقرأ أفكارك.. مستقبل الذكاء الاصطناعي في دمج العقل بالتقنية

وسط سباق عالمي متسارع نحو الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تُطل علينا شريحة دماغية جديدة من مختبرات معهد جورجيا التقني، صغيرة إلى درجة أنها تختفي بين بصيلات الشعر، وقوية بما يكفي لقراءة إشارات الدماغ بدقة تتجاوز 96%، دون الحاجة إلى خوذات ضخمة أو أسلاك أو مواد هلامية، ويتيح هذا الجهاز الخفيف الخفيّ تشغيل مكالمة فيديو بمجرد التفكير بها، في خطوة تفتح آفاقًا غير مسبوقة للتواصل العصبي المباشر.

هذه الشريحة تُعيد تعريف مستقبل التكنولوجيا القابلة للارتداء، وتضع الإنسان في قلب ثورة رقمية جديدة؛ فهي ليست مجرد قفزة في مجال واجهات الدماغ والحاسوب (Brain Computer Interface – BCI)، وإنما امتداد طبيعي لمنظومة التحول الرقمي الشامل، حيث يتداخل الذكاء الاصطناعي مع تفاصيل الحياة اليومية على مستوى عصبي وذهني، ومن هنا تسلط حماة الأرض الضوء في هذا المقال على الآفاق التي يفتحها هذا الابتكار لمستقبل مختلف كليًّا، وعلى كيفية توظيف هذه التقنية لخدمة العدالة الاجتماعية وتعزيز التنمية المستدامة بشكل عادل وشامل.

نقطة التحوّل في العلاقة بين العقل والذكاء الاصطناعي

لم يعد التحول الرقمي محصورًا في التطبيقات أو الحوسبة السحابية، وإنما بدأ يمتد إلى داخل الجسم البشري نفسه؛ ففي التجربة التي تُعد من الأكثر جرأة عالميًّا، طوّر علماء من معهد جورجيا التقني شريحة دماغية متناهية الصغر تُزرع بلطف بين بصيلات الشعر باستخدام إبر ميكروسكوبية، دون ألم أو تدخل جراحي؛ لتلتقط الإشارات العصبية بدقة غير مسبوقة.

شريحة ذكية متناهية الصغر تُزرع بلطف بين بصيلات الشعر

ما يميز هذا الابتكار أنه يعمل لاسلكيًّا وبمرونة تامة، وهذا ما يمنح المستخدم حرية كاملة في الحركة، ويتيح تفاعلًا سلسًا مع الذكاء الاصطناعي في خلفية الحياة اليومية، دون خوذات أو أجهزة ضخمة، وهكذا تدخل واجهات الدماغ والحاسوب مرحلة جديدة من التكنولوجيا الصامتة، حيث تصبح الأفكار أدوات تشغيل، ويصبح الدماغ نفسه بوابة للواقع الرقمي.

مكالمة فيديو تتم بمجرد أن تفكر فيها

وفي مشهد أقرب إلى الخيال، أظهر هذا الجهاز قدرته على تشغيل مكالمة فيديو عبر الواقع المعزز، فقط من خلال تركيز المستخدم على صورة المتصل، وقد استمرت هذه التجربة بنجاح مدةَ 12 ساعة، مع المحافظة على دقة تتجاوز 96% في قراءة الإشارات العصبية، رغم الحركة والأنشطة المختلفة.

هذا يعني أن المستخدم لا يحتاج بعد الآن إلى لمس الشاشة أو إعطاء أوامر صوتية، وإنما يكفيه أن يفكّر، فيستجيب الجهاز على الفور. إننا لا نتحدث فقط عن تطور تقني، وإنما عن ثورة في مفهوم التفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا؛ فهذا النوع من التكنولوجيا يُعد جوهر التحول الرقمي الحقيقي، بأن تصبح التقنية غير مرئية، بل مدمجة بسلاسة في نمط الحياة اليومية، ومتصلة دائمًا بنظام ذكاء اصطناعي يفهمك ويستجيب لك، ويُتوقع أن يكون لهذه التقنيات تأثير هائل في قطاعات مثل التعليم، والعمل عن بُعد، والتواصل الاجتماعي، وحتى العلاج النفسي عبر الواقع الافتراضي.

الإنسان والتكنولوجيا

الشريحة تعطي أملًا جديدًا لذوي الإعاقة

وإذا كانت هذه الشريحة تمثل نقلة نوعية في عالم الذكاء الاصطناعي، فإن بُعدها الإنساني لا يقل أهمية؛ بالنسبة لمن يعانون من إعاقات حركية أو عصبية، تفتح هذه التقنية آفاقًا جديدة لاستعادة القدرة على التحكم والتواصل؛ إذ تتيح لمرضى الشلل مثلًا تشغيل الأجهزة الذكية والتفاعل مع محيطهم بمجرد التفكير، دون الحاجة إلى أي حركة جسدية.

ومن هذا المنطلق، يتجلى الدور المحوري للتكنولوجيا في دعم أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف (3) المتعلق بالصحة والرفاه، والهدف (10) الخاص بالحد من أوجه عدم المساواة، والهدف (9) الذي يتعلق بالصناعة والابتكار والهياكل الأساسية؛ ولذا فإنَّ توفير هذه الابتكارات بشكل عادل وشامل سيكون خطوة أساسية نحو مستقبل أكثر عدلًا وشمولًا للجميع.

ماذا بعد هذه القفزة التكنولوجية؟

وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور “هونج ييو” قائد الفريق البحثي، أن هذه التقنية ليست سوى بداية؛ فهدفه الأساسي هو دمج التكنولوجيا بالجسد الإنساني بطريقة طبيعية، دون المساس بالراحة أو الكرامة، حيث يعتمد الجهاز على بنية فائقة الدقة، تتكون من إبر بوليميرية موصلة، وأسلاك مرنة مغطاة بطبقات آمنة، ومكونات دقيقة لا يتجاوز حجمها ميليمترًا واحدًا، وهذه الخصائص تجعل من السهل استخدامها ساعاتٍ طويلةً دون حاجَةٍ إلى إعادة شحن أو تعديل.

وختامًا، تؤكد مؤسسة حماة الأرض أن ما نشهده اليوم من تطورات في واجهات الدماغ والحاسوب يمثل تحولًا جذريًّا في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا؛ فشريحة بحجم رأس دبوس قادرة على قراءة الأفكار، وتشغيل مكالمة، وكذلك تفتح الباب أمام نمط حياة جديد، حيث تختفي الحدود بين الإدراك العصبي والتفاعل التقني، وتتحول الأفكار إلى أوامر، والنية إلى أداة.

غير أن هذا المستقبل -بما يحمله من وعود تقنية غير مسبوقة- يثير في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية حول العدالة الرقمية وحق الجميع في الوصول العادل إلى هذه الابتكارات، حيث إنَّ دمج الذكاء الاصطناعي بالجسد والعقل البشري لا ينبغي أنْ يتحول إلى أداة ترف مخصصة لفئة محدودة، وإنما يجب أن يُوظَّف باعتباره وسيلة لتمكين الفئات الأكثر هشاشة، وحفظ الكرامة الإنسانية، ودفع مسارات التنمية المستدامة نحو مزيد من الشمول والإنصاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى