اليونسكو.. منظمة الثقافة والسلام بقيادة مصرية في حدث تاريخي

اليونسكو.. منظمة الثقافة والسلام بقيادة مصرية في حدث تاريخي
في عالم يشهد تقلبات وأزمات في مختلف المجالات ترسم اليونسكو صورة عالميةً تجعل من التعليم والثقافة والهُوية استثمارًا ضروريًّا لتحسين حياة الأجيال الحالية والقادمة؛ خاصةً أنَّ “منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة” -المعروفة اختصارًا باسم اليونسكو– واحدة من أكثر مؤسسات الأمم المتحدة تأثيرًا في صياغة الوعي الإنساني وبناء السلام بين شعوب العالم.
من هذا المنطلق، تسعى مؤسسة حماة الأرض إلى إلقاء الضوء على الدور المحوري الذي تضطلع به منظمة اليونسكو في صياغة الوعي العالمي تجاه قضايا التعليم والثقافة والتنمية المستدامة، مع إبراز الحدث التاريخي الذي سوف يشكل نقطة تحول في مسيرة المنظمة، والمتمثل في انتخاب الدكتور/ خالد العناني مديرًا عامًا لليونسكو بوصفه المصري والعربي الأول الذي يتولى هذا المنصب الرفيع.
دور اليونسكو عالميًّا
منذ تأسيسها عام 1945 -عقب الحرب العالمية الثانية- تبنَّت اليونسكو مبدأً خالدًا يقول: «بما أنَّ الحروب تبدأ في عقول البشر ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام»؛ كي تجعل من التعليم والثقافة طريقًا نحو مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية.
ومِن هنا تعمل اليونسكو على تعزيز التعاون الدولي في مجالات التعليم والعلوم والثقافة والاتصال، من خلال إسهامها في صياغة السياسات التعليمية والثقافية العالمية، وتطوير المناهج. كما تنفذ برامج رائدة، مثل برنامج الإنسان والمحيط الحيوي، الذي يعزز التوازن بين الإنسان والبيئة.

وفي المجال الثقافي تضطلع المنظمة بدور الحارس الأمين للتراث الإنساني المادي وغير المادي، وتشرف على قوائم مواقع التراث العالمي، وتُساعد الدول في الحفاظ على موروثها الحضاري، من المعابد القديمة إلى الفنون الشعبية. كما تعمل على تعزيز حرية التعبير والإعلام المستقل ضمن منظومة من العدالة والشفافية العالمية.
مصر واليونسكو شراكة ممتدة عبر التاريخ
منذ انضمامها إلى منظمة اليونسكو عام 1946، نسجت مصر واحدةً من أعمق الشراكات في تاريخ المنظمة، إذ مثّلت حملة إنقاذ معابد النوبة خلال ستينيات القرن الماضي لحظة مفصلية جمعت جهود مصر والعالم -بالتعاون مع اليونسكو- في ملحمةٍ أصبحت رمزًا للتعاون الدولي في حماية التراث الإنساني.
ومنذ ذلك الحين واصلت مصر حضورها الفعَّال عبر تسجيل سبعة مواقع على قائمة التراث العالمي، ودعم برامج التعليم الإفريقي، وإنشاء كراسي اليونسكو في جامعاتها، والمشاركة في مشروعات صون التراثين المادي وغير المادي، مثل القاهرة التاريخية ووادي الحيتان.
ومع استمرار هذا التعاون عبر المكتب الإقليمي لليونسكو بالقاهرة، تبقى مصر شريكًا محوريًّا في صياغة سياسات منظمة اليونسكو، التي تربط بين الثقافة والتعليم والتنمية المستدامة في العالم العربي وإفريقيا.
خالد العناني من أجل مرحلة جديدة
واليوم -بعد مرور عقود من الزمان على التفاعل الإيجابي بين مصر واليونسكو- يتم انتخاب المصري والعربي الأول في تاريخ المنظمة ليتولى منصب المدير العام، في سابقة تاريخية تؤكد دور مصر الريادي على مستوى العالم.
وقد انتخب المجلسُ التنفيذي لليونسكو الدكتورَ/ خالد العناني مديرًا عامًّا جديدًا للمنظمة، بعد حصوله على أغلبية ساحقة، لينضم ذلك إلى مسيرة مهنية ثرية شملت عمله وزيرًا للسياحة والآثار في مصر، فضلًا عن إسهاماته الدولية في دعم الدبلوماسية الثقافية المصرية.

أين الطريق
يرتكز برنامج الدكتور/ خالد العناني “المدير العام الجديد لمنظمة اليونسْكو” على ثلاثة محاور استراتيجية تجسد رؤيته تحت شعار «اليونسكو من أجل الناس». ويأتي في مقدمتها:
التعليم
إنَّ التعليم جوهر عمل المنظمة ومحور التنمية والسلام عالميًّا؛ ومِن هنا يسعى العناني إلى تطوير التعليم الرقمي، وتوسيع فرص التعلم مدى الحياة، وتحديث المناهج بما يتوافق مع قيم المواطنة العالمية وحقوق الإنسان.
الثقافة
أما المحور الثاني فهو حماية التراث والثقافة، انطلاقًا من خبرته الطويلة في مجال الآثار؛ إذْ يهدف إلى صون التراث الثقافي والطبيعي باستخدام التقنيات الحديثة، ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية لدفع جهود التنمية المستدامة.
الإدارة
ويُكمل هذه الرؤية محورٌ ثالث هو إصلاح الهيكل الإداري والتمويلي داخل اليونسكو؛ من أجل ضمان كفاءتها واستقلالها المالي، من خلال تقليص البيروقراطية، وتنويع مصادر التمويل، وإنشاء صندوق طوارئ يضمن جاهزية اليونسكو لمواجهة الأزمات والكوارث العالمية.
إذنْ، فإنَّ فوز الدكتور/ خالد العناني بمنصب المدير العام لليونسكو لا يعبر عن نجاح دبلوماسي مصري فحسبُ، بل عن تحول نوعيّ في مسار اليونسْكو نفسها، التي تدخل اليوم عهدًا جديدًا من الانفتاح والتوازن بين دول الشمال ودول الجنوب.
ومع قيادة خبير مصري عربي فسوف تمتلك المنظمة وعيًا حضاريًّا عميقًا في صون التراث الإنساني، انطلاقًا من دورها المنوط بها، وهو أنْ تكون منارة للتنوير الثقافي والتفاهم الدولي.
ومن منظور مؤسسة حماة الأرض فإنَّ هذه المرحلة تمثل فرصة نادرة لإعادة توجيه الجهود العالمية نحو الإنسان، بوصفه محورَ التنمية المستدامة وغايةَ كل سياسات التعليم والثقافة والعلوم.




