صناعات مستدامة

زيت الطعام المستعمل.. وقود حيوي يدفع سيارتك للأمام

زيت

زيت الطعام المستعمل.. وقود حيوي يدفع سيارتك للأمام

في سياق البحث العالمي عن بدائل مستدامة للوقود الأحفوري، بدأت تبرز حلول تبدو بسيطة للوهلة الأولى، مثل استخدام زيت الطعام المستعمل لتشغيل المركبات، ومع أنَّ الفكرة بسيطة فقد ثبتَ جدواها في أرض الواقع؛ ففي فرنسا -على سبيل المثال- تحوّلت إلى خيار معتمد رسميًّا من قِبل الحكومة الفرنسية، بعد أنْ نصَّ تعديل موازنة عام 2023 على إدراج زيت الطعام المستعمل ضمن منظومة الوقود الحيوي ذي الانبعاثات المنخفضة.

وفي هذا المقال، تسلط حماة الأرض الضوء على رحلة التحول المدهشة لزيت الطعام المستعمل من نفايات تُلقى جانبًا إلى مصدر واعد للطاقة المتجددة، وكيف يمكن لهذا المورد المنزلي المتواضع أن يتحول إلى أداة حقيقية لتحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة، ومنها الهدف (7) المتعلق بالطاقة النظيفة والهدف (13) المعني بالعمل المناخي، في إطار رؤية أشمل نحو مستقبل منخفض الانبعاثات.

زيت الطعام المستعمل وقود

بدأت القصة في مطاعم فرنسا ومطابخها، حيث تتراكم يوميًّا كميات ضخمة من الزيوت المستعملة، وبدلًا من إلقائها في المصارف أو التخلص منها باعتبارها نفايات خطرة، وُجدت طريقة لتحويلها إلى وقود نظيف، حيث إنَّ الزيوت الغذائية المستهلكة، التي تشمل زيوت الطعام والقلي والطهي، أصبحت تُجمع من قطاعات واسعة تشمل الصناعات الغذائية، والمطاعم، ومهن الطهي، ومؤخرًا من المنازل أيضًا، حيث أصبح المواطنون منذ مطلع عام 2024 مطالبين بنقل زيوتهم المستعملة إلى مراكز تجميع قريبة منهم. وتشير الأرقام إلى أن فرنسا تنتج حوالي 90 ألف طن من زيت الطعام المستعمل سنويًّا، وهي كمية ضخمة قادرة على تغذية أسطول من المركبات النظيفة إذا ما استُثمرت بالشكل الصحيح.

وهنا يبرز السؤال: كيف يتحول هذا السائل اللزج إلى وقود قادر على تحريك السيارات وجميع المركبات؟ الجواب يكمن في تقنيتين متقدمتين، الأولى تعتمد على إنتاج نوع من الديزل الحيوي عن طريق عملية تُسمى “التحويل الإستيري” (Transesterification)، حيث تُصفى الزيوت وتُعالج صناعيًّا لتتحول إلى إسترات الميثيل الدهنية (FAME)، وتُستخدم هذه المادة في إنتاج أنواع من الوقود الحيوي مثل  B30 وB100.

وقود قادر على تحريك السيارات وجميع المركبات

يشير الحرف (B) إلى “Biodiesel” (الوقود الحيوي)، في حين أنَّ الرقم يشير إلى نسبة المزج مع الديزل التقليدي؛ فعلى سبيل المثال B30 يتكون من 30% ديزل حيوي و70% ديزل أحفوري، ويُعد خيارًا مناسبًا للشاحنات والمركبات الثقيلة التي تبحث عن تقليل الانبعاثات دون تغيير المحرك. أما B100 فهو وقود نقي 100% من مصدر حيوي، ويوفر انخفاضًا كبيرًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والجسيمات الضارة، لكنه يتطلب أحيانًا تعديلًا في أنظمة الوقود أو استخدامه في محركات مصممة خصيصًا له.

ومع أن B100  يُعد أكثر استدامةً غير أنَّ ظروف التشغيل، ودرجات الحرارة المنخفضة، ومشكلات التوافق مع بعض المواد المطاطية، قد تؤثر في أدائه عند بعض الحالات؛ مما يجعل B30  خيارًا أكثر مرونة في الاستخدام التجاري الواسع، خصوصًا في البلدان التي تسعى إلى تحقيق أهداف خفض الانبعاثات تدريجيًّا.

أمَّا التقنية الثانية فهي إنتاج وقود HVO100، وهو وقود عالي الجودة يتم تصنيعه عبر تكنولوجيا الهدرجة، حيث تُنقّى الزيوت من الأكسجين والكبريت، ثم يُعاد تشكيل جزيئاتها لتصبح مشابهة تمامًا للديزل الأحفوري، ويمكن استخدام هذا النوع من الوقود في أي مركبة ديزل دون حاجةٍ إلى تعديل أيِّ شيء في المحرك، وهو ما يُعرف بتقنية “Drop-in” .

هل يمكن استخدام زيت الطهي المستعمل وقودًا؟

تعتمد قابلية استخدام الوقود الحيوي على نوع المحرك والفئة الأوروبية (Euro) التي ينتمي إليها، وتُعد هذه الفئات مؤشرات لمستويات الانبعاثات المسموح بها، وقد بدأ تطبيقها في أوروبا منذ عام 1992 بهدف تقليل الملوثات الصادرة من المركبات تدريجيًّا؛ فكانت Euro 1 أول خطوة تنظيمية نحو الحد من الانبعاثات، غير أنها كانت محدودة من حيث التحكم في الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين.

ثم تطوَّرت معايير الانبعاثات الأوروبية تدريجيًّا منذ إطلاق فئة Euro 1، حيث جاءت بعدها الفئات Euro 2 وEuro 3 وEuro 4، لتُدخل تحسينات تقنية متتابعة مثل أنظمة الحقن الإلكترونية، وفلاتر الجسيمات، وتقنيات EGR؛ مما أسهم في رفع كفاءة الاحتراق، والحد من الانبعاثات الضارة، وفي عام 2009 أصبحت فئة Euro 5 إلزامية، وقد مثّلت نقلة نوعية في أنظمة التحكم البيئي؛ مما جعل محركاتها أكثر قدرة على التوافق مع أنواع الوقود الحيوي.

ثم جاءت فئة Euro 6 باعتبارها المرحلة الأحدث والأكثر تطورًا؛ إذ تعتمد محركاتها على تقنيات عالية الدقة مثل نظام SCR (الاختزال التحفيزي الانتقائي) وأجهزة استشعار متقدمة لرصد الانبعاثات، وهذا ما زاد من كفاءتها البيئية، غير أنه جعلها أكثر حساسية لنوعية الوقود المستخدم، وبالتالي أقل مرونة من الفئات السابقة في استخدام الوقود الحيوي دون تكييف فني.

وبالانتقال إلى الاستخدام العملي، يمكن لوقود B100 (الديزل الحيوي النقي) أنْ يعمل مباشرة في المركبات من فئات Euro 1 حتى Euro 5 ، دون الحاجة إلى تعديل كبير، في حين أنه يحتاج إلى تكييف تقني أو برمجي في حالة محركاتEuro 6 ؛ لضمان الكفاءة وحماية المكوّنات الحساسة.

أما وقود HVO100 (الديزل الحيوي المهدرج)، فيُعد الخيار الأسهل والأكثر توافقًا مع جميع الفئات؛ إذ يمكن استخدامه حتى بشكل نقي دون أي تعديل ميكانيكي، نظرًا لتطابق خصائصه الكيميائية -تقريبًا- مع الديزل الأحفوري، وهذا ما يجعله خيارًا مثاليًّا للانتقال نحو الوقود المستدام دون التأثير في أداء المركبة أو كفاءة المحرك.

فوائد بيئية واقتصادية

ولا تتوقف الفوائد عند حدود التشغيل فقط، وإنما تمتد إلى أبعاد بيئية واقتصادية أعمق؛ فمن ناحية الأداء، يُعطي هذا الوقود طاقة مماثلة للديزل التقليدي، ويحافظ على مدى السير نفسه، ويُظهر مقاومة عالية لدرجات الحرارة المنخفضة؛ مما يجعله خيارًا موثوقًا حتى في ظروف الشتاء القاسية. أما من حيث الأثر البيئي، فالاستخدام الواسع لهذا الوقود يسهم في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 60% مع B100، و90% مع HVO100، كما يُخفض الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء بنسبة تصل إلى 30%.

غير أن التحول نحو استخدام زيت الطعام المستعمل باعتباره وقودًا لا يمكن أن يتم بشكل عشوائي؛ فقبل أن تقدم أي شركة أو مؤسسة على هذه الخطوة، من الضروري إجراء جرد دقيق للمُركبات الموجودة فيها، والتأكد من ملاءمة المحركات لاستخدام هذا النوع من الوقود، كما يجب التنسيق مع مزود الطاقة المتجددة المعتمد لوضع خطة مفصلة للتحول، تشمل تنظيف خزانات الوقود، والفلاتر، والتحقق من جاهزية البنية التحتية لهذا النوع من الطاقة.

ومن ناحية أخرى، التحديات لا تزال قائمة، ومن أبرزها أن مراكز التجميع ما زالت غير كافية لتغطية الطلب، إضافة إلى الحاجة الملحة لتوعية المواطنين بعدم التخلص من زيوتهم المستعملة عبر الأحواض المنزلية، وتوفير حوافز مالية لتشجيعهم على تسليم هذه المادة الثمينة التي تعد موردًا للطاقة، كما أن الشركات بحاجة إلى دعم تشريعي وتمويلي لتتمكن من تعديل مركباتها، دون أن تتحمل تكاليف إضافية باهظة.

إنَّ تحويل زيت الطعام المستعمل إلى وقود حيوي يبرز حقيقة أنَّ التحولات البيئية الكبرى تنبع أحيانًا من حلول بسيطة؛ فالمسار نحو التنمية المستدامة يمرّ -مثلما ترى حماة الأرض– عبر إعادة اكتشاف القيمة الكامنة في ما نعتبره نفايات، وتحويله إلى مورد استراتيجي يسهم في تقليل الانبعاثات، ودعم الطاقة المتجددة، وتعزيز ممارسات الاقتصاد الدائري، الذي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والبيئة على أسس أكثر وعيًا ومسئولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى