هل يقف العالم على أعتاب مرحلة خطيرة تمنع مكافحة الوباء وتؤخر التنمية المستدامة؟

هل يقف العالم على أعتاب مرحلة خطيرة تمنع مكافحة الوباء وتؤخر التنمية المستدامة؟
تُعيد عملية مكافحة الوباء -أي وباء- طرح سؤال جوهري عن قدرة العالم على احتواء التهديدات الصحية قبل تحولها إلى أزمات عابرة للحدود، كما تكشف الفجوة بين إعلان الاستعداد لمواجهة الأمراض المعدية والقدرة الفعلية على منع انتشارها.
سبب ذلك ما أثاره فيروس إيبولا من مخاطر صحية، والذي أُعلن عنه في نوفمبر 2025؛ الأمر الذي يفرض تحديات تقع على عاتق أنظمة الرصد والعلاج والاستجابة الطارئة.
لذلك اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 أكتوبر الجاري -بأغلبية 153 دولة- إعلانًا سياسيًّا بشأن الوقاية من الجوائح والتأهب لها والتصدي لها، في خطوة تعكس إدراكًا دوليًّا لضرورة تطوير آليات المواجهة الصحية.
غير أنَّ قيمة هذه الالتزامات تظل مرتبطة بقدرة الدول على تحويلها إلى إجراءات ملموسة تضمن سرعة اكتشاف العدوى، وإتاحة العلاج، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ومن هنا، يتناول هذا المقال مفهوم مكافحة الوباء، ومدى استعداد العالم لمواجهة طارئ صحي جديد بعد التجربة القاسية لجائحة كورونا، والعلاقة الوثيقة بين الأمن الصحي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ فتابعوا القراءة.
ما هو الوباء؟
الوباء -جمعه الأوبئة- هو ارتفاع عدد الإصابات بمرض معين فوق المعدل المتوقع في منطقة أو مجتمع ما خلال فترة زمنية محددة؛ فكلمة «وباء» تصف السلوك الإحصائي للمرض، لا خطورته وحدها.
وهناك أمثلة عديدة على مصطلح الوباء، فهناك -فضلًا عن فيروس إيبولا- حادثة وفاة فنية روسية في “معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون”؛ الأمر الذي أثار ضجة في وسائل الإعلام، وانقسم المشهد الإعلامي في روسيا بين نفي رسمي لانتشار عدوى الطاعون الرئوي وتحذير من احتمال انتشار العدوى صاحبه تصعيد دبلوماسي دولي.

الفرق بين الوباء والجائحة
وههنا سؤال ذو أهمية، هو: ما الفارق بين الجائحة والوباء والتفشي؟ إنَّ الجائحة وباء يتخطى حدود الدول والقارات، ويصيب أعدادًا كبيرة من البشر في وقت واحد تقريبًا. وفي الجدول الآتي مزيد من التفصيل.
| وجه المقارنة | التفشي | الوباء | الجائحة |
| النطاق | بؤرة محلية محدودة | منطقة أو إقليم أو بلد | عدة قارات وعدد كبير من الدول |
| المعيار الأساسي | ظهور حالات غير معتادة | زيادة فوق المعدل المتوقع | انتقال واسع ومستمر عالميًّا |
لماذا يهم هذا التمييز للقارئ؟
هذا التمييز الاصطلاحي يفيد في أنَّ التصنيف يحدد حجم الاستجابة وطبيعتها؛ فالتسرع في وصف كل تفشٍّ بأنه «جائحة» يخلق ذعرًا بلا مبرر، والتهوين من وباء متنامٍ يُضيع وقتًا ثمينًا. وهذا بالتحديد ما يحاول الإعلان السياسي الجديد معالجته، كما سنرى بعد قليل.

لماذا يعود القلق من الأوبئة؟
يعود السؤال «هل هناك وباء جديد؟» بقوة؛ لأنَّ ذاكرة العالم لم تتعافَ بعدُ من كوفيد-19؛ فقد ضربت الجائحة العالم عام 2019، وأودت بحياة الملايين، وألحقت أضرارًا بالغة بالأنظمة الصحية والاقتصاد العالمي.
وفي نَص الإعلان السياسي أعرب رؤساء الدول والحكومات وممثلوهم عن القلق من أنَّ العالم لا يزال غير مستعد بما يكفي؛ لأنه يحتاج -بحسب الإعلان- إلى تعزيز القدرات اللازمة للوقاية من الجوائح المقبلة، والتأهب لها، والتخفيف من آثارها.
الأوبئة أزمة صحية واجتماعية واقتصادية
ويشير الإعلان إلى أنَّ تفشي الأمراض على الصعيد الدولي تهديد عالمي، وله عواقب وخيمة على الأرواح وسبل العيش والمجتمعات واقتصاداتها، ويدعو إلى التعاون والتضامن؛ من أجل تنفيذ استجابة دولية فعالة وشاملة ومنصفة.
كما يرى أنَّ جائحة كوفيد-19 وأوضاعًا أخرى -منها الطوارئ الصحية والإنسانية والكوارث الناجمة عن المخاطر الطبيعية وتغير المناخ والنزاعات- قد أجهدت الاقتصاد الكلي والقدرة المالية للدول.
الإعلان السياسي: ماذا حدث؟
ذلك كله مما دعا هيئة الأمم المتحدة إلى اعتماد هذا الإعلان السياسي، ولم تعارضه سوى عدد قليل من الدول؛ لأسباب ثقافية واجتماعية واقتصادية، ومن أبرز هذه الدول:
- الولايات المتحدة
- الأرجنتين
بنود الإعلان السياسي
تناول الإعلان موضوعات أوسع من الصحة بمعناها الضيق، وقد أثار عددٌ من بنوده تحفظات حالت دون اعتماده بالإجماع، وقد جاءت هذه البنود في ستة محاور.
الحق في الصحة والإنصاف
أعاد الإعلان تأكيد حق كل إنسان -دون تمييز- في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية. وأعرب عن القلق من أوجه التفاوت الوطنية والدولية التي أعاقت إتاحة المنتجات الصحية، ومنها اللقاحات.
العلم وتبادل المعلومات الجينية
كذلك أعرب الإعلان عن قلق بالغ من استمرار ظهور أمراض قد تتحول إلى أوبئة، وقال بأنَّ الوقاية الفعالة تتطلب فهم عوامل ظهور الأمراض المعدية وانتشارها، ورصدها ومعالجتها.
وأكد مدى أهمية التبادل السريع والعادل والمتكافئ للمنافع الناجمة عن مشاركة المواد ومعلومات التسلسل الجيني. وفي الوقت نفسه سلَّمَ بالحق السيادي للدول في مواردها البيولوجية، وبأهمية العمل الجماعي للتخفيف من المخاطر المحدقة بالصحة العامة.
دعم الدول النامية
أيضًا دعا الإعلان إلى دعم الدول النامية في بناء خبراتها، ويكون ذلك بالاستفادة من الدروس المستخلصة من مراكز نقل التكنولوجيا ومن آليات تبادل الملكية الفكرية.
التعليم أثناء الأزمات
وفي قطاع التعليم أعرب الإعلان عن القلق من اضطرابات نظم التعليم التي تسببها الجوائح، وأكد الحاجة الملحة إلى التخفيف من فَقْدِ التعلم، وضمان ألا يتخلف الأطفال وكل الفئات الضعيفة عن الرَّكب.
الصحة الإنجابية
وقد دعا الإعلان إلى ضمان حصول الجميع بحلول عام 2030 على خدمات رعاية الصحة الإنجابية، بما فيها ما يخص تنظيم الأسرة، كما دعا إلى إدماج الصحة الإنجابية بالاستراتيجيات والبرامج الوطنية.
الشمول والثقة
وشدد الإعلان على إشراك فئاتٍ كثيرًا ما تُهمَّشُ في أوقات الأزمات، هي:
- النساء والشباب
- الأشخاص ذوو الإعاقة
- كبار السن
مكافحة الوباء بالاستدامة
إجمالًا، فإنَّ أي وباء جديد قادر على أنْ يهدد الصحة، ويضرب التعليم والمساواة والاقتصاد والمناخ في وقت واحد؛ وهذا ما يجعل التأهب له شرطًا من شروط تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا ملفًّا صحيًّا منفصلًا.
خريطة الربط بين بنود الإعلان والأهداف
| محور الإعلان | الهدف الأقرب | وجه الصلة |
| الحق في الصحة، واللقاحات، والتأهب | الهدف 3: الصحة الجيدة والرفاه | الغاية 3.د تدعو إلى تعزيز قدرات الإنذار المبكر وإدارة المخاطر الصحية الوطنية والعالمية |
| التفاوت في إتاحة الخدمات الصحية | الهدف 10: الحد من أوجه عدم المساواة | الإنصاف في الحصول على اللقاحات والخدمات الصحية بين الدول وداخلها |
| تبادل المواد والمعلومات الجينية | الهدف 17: عقد الشراكات لتحقيق الأهداف | التعاون والتضامن متعدد الأطراف، ودعم الدول النامية في بناء الخبرات |
| فَقْدَ التعلم أثناء الجوائح | الهدف 4: التعليم الجيد | ضمان ألا يتخلف الأطفال عن الرَّكب عند إغلاق المدارس |
| الصحة الإنجابية، وإشراك النساء | الهدف 5: المساواة بين الجنسين | الغاية 5.6 عن الحصول الشامل على الصحة الإنجابية، والغاية 5.5 عن المشاركة في صنع القرار |
كيف نستعد؟
الإعلان السياسي الذي أصدرته الأمم المتحدة وثيقة غير ملزمة في ذاتها، وقيمته تتحدد بما يُبنى عليه، غير أنَّ التأهب لا ينتظر الدول وحدها، وهناك خطوات عملية في متناول الأفراد والمؤسسات.
على مستوى الأفراد والمجتمعات
أولًا، اعتمدوا على المصادر الرسمية، مثل منظمة الصحة العالمية، ووزارات الصحة، وتحققوا من الأرقام وتاريخها قبل تداولها؛ لأنَّ المعلومات المغلوطة والمضللة -كما يحذر الإعلان نفسه- جزء من الأزمة.
ثانيًا، احرصوا على التحصين الروتيني، فالإعلان يعدُّه من الخدمات التي يجب ألا تتوقف في أثناء الطوارئ.
على مستوى المؤسسات والسياسات
تبدأ الخطوات بدمج الصحة في خطط المناخ والتنمية، وإشراك النساء والشباب وذوي الإعاقة وكبار السن في قرارات التأهب. ويتطلب الأمر أيضًا دعم الدول النامية في بناء الخبرات وإتاحة المنتجات الصحية بإنصاف.
وفي النهاية فإنَّ الخطر الحقيقي الذي تكشفه الأوبئة يتجاوز حدود انتشار العدوى؛ إذْ يمتد إلى قدرة الدول على حماية الإنسان من سلسلة مترابطة من الخسائر الصحية والاجتماعية والاقتصادية، التي قد تتراكم آثارها سنواتٍ طويلةً بعد انحسار المرض.
وبذلك فإنَّ نظر مؤسسة حماة الأرض يتوجه إلى أنَّ إعلان الأمم المتحدة السياسي يمثل فرصة لإعادة النظر في مفهوم الأمن الصحي، بحيث يصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الإنساني والتنمية المستدامة.




